بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
أسرار المداولات الإسرائيلية - الأميركية لضرب الجيش السوري في أيلول الأ
  20/09/2009

أسرار المداولات الإسرائيلية - الأميركية لضرب الجيش السوري في أيلول الأسود


أمير أورن - هآرتس

لا يحبّ العرب القتال في الليل، قال اسحق رابين. عمان، العاصمة الاردنية، بلدة "نتنة"، لاحظ هنري كيسنجر. الملك حسين، بيأسه، ناشد اسرائيل أن تنقذه من م.ت.ف ومن سورية. أبا ايبان تسلى بفكرة دولة فلسطينية شرقي الاردن وقال انه اذا اختفى الحسين من الساحة "فلن تكون هذه نهاية العالم". الرئيس الاميركي، ريتشارد نكسون، اراد ارسال الجيش الاسرائيلي لمهاجمة الجيش السوري، ولكنه تردد عبر الجو فقط أم في البر أيضا، في شمال الاردن أم في جنوب سورية. في البنتاغون، حيث خطط التنسيق بين الجيشين قال موظف كبير، إن من الافضل أن يعمل الجيش الاسرائيلي بداية والجيش الاميركي ينضم في المرحلة الثانية، إذ في الترتيب المعاكس من شأن القوات الاميركية أن تظهر عديمة الوسيلة والجيش الاسرائيلي سيظهر كمن هرع لانقاذها.
وقع كل هذا في ايلول 1970، "ايلول الاسود" أو بلغة الجيش الاسرائيلي أزمة "الجمر"، التي بدأت بصدام اردني- فلسطيني وانتهت بوفاة الرئيس المصري جمال عبدالناصر. وقد غطيت القضية بتوسع في مذكرات اللاعبين الرئيسين فيها، في الكتب وفي البحوث، ولكن هذه السنة صبت عليها الادارة الاميركية دلواً من الالوان في شكل ملف محاضر مشوقة للمباحثات، البرقيات، والمكالمات التي رفعت السرية عنها.
الدروس لم تتقادم، إذ إن الصلات التي بين السياقات السياسية والحملات العسكرية تتواصل وفي الخلفية تحوم امكانية ان تستفز ايران القدس او واشنطن لتوجيه ضربة لها. وعلى هذا السبيل تتضح اهمية ايلول 1970 كنقطة انعطافة، سواء في التخطيط العسكري المشترك لاسرائيل والولايات المتحدة أم بوضع البنية التحتية لما اصبح بعد ثلاث سنوات من ذلك، في تشرين الاول 1973، القطار الجوي والبحري الاميركي لتسليح اسرائيل في حربها ضد مصر وسورية. الوثائق تمنح وصف أحداث ايلول 1970 بعدا جديدا، مهماً وراهناً. في الشهر متعدد التحولات كان هناك اسبوعان وقفت فيهما المنطقة على شفا الفوضى، ولا سيما في ثلاثة ايام مصيرية، 20 - 22 ايلول. وهي تجعل "ايلول الاسود" حدثا جديراً بالتحليل المعمق. الشخصية الاسرائيلية المركزية ظاهرا هي شخصية السفير في الولايات المتحدة، اسحق رابين. مرجعية أمنية، رئيس أركان الانتصار في حرب الايام الستة، كان بعد سنتين ونصف السنة في واشنطن مقربا من الادارة ولا سيما من مستشار الامن القومي كيسنجر. الاتصالات بين الادارة الاميركية ورئيسة الوزراء، غولدا مائير، التي مكثت في تلك الايام في نيويورك وكذا مع القائم باعمالها يغئال الون، ووزير الخارجية ايبان، ووزير الدفاع موشيه دايان، دارت اساسا من خلال رابين.
الرجل الاساس في الادارة كان هنري كيسنجر. ومع انه كان لا يزال مجرد ضابط أركان بعيد عن المكانة العالمية التي تبوأها في السنوات التالية، فقد تمكن من توجيه سياسة نيكسون في الاتجاه الذي يرغب فيه، ولكنه حرص على أن يوقع على ذلك مسؤولون اكبر منه، وعلى رأسهم خصمه وزير الخارجية، وليم روجرز. ينبع تعقيد الازمة من الوضع العالمي (مواجهة اميركية - سوفييتية، وغرق أميركي في حرب فيتنام)، من التخوف من أن يؤدي صدام بين الدول التابعة للقوتين العظميين الى تصعيد الدور المباشر للقوتين العظميين في حرب شرق اوسطية، ومن الرغبة في اعطاء فرصة لمبادرة روجرز لوقف النار في حرب الاستنزاف بين اسرائيل ومصر ومحادثات غير مباشرة بينهما، دارت بوساطة مبعوث الامم المتحدة غونار يرنغ.
قبيل وقف النار، الذي أعلن في 7 آب 1970، توقفت النار، ولكن المصريين خرقوا بند تجميد الوضع وقدموا الى الامام صواريخ ارض - جو نحو قناة السويس. وقد فعلوا ذلك بتشجيع السوفييتيين الذين شارك طياروهم في الدفاع الجوي عن مصر، بل ان خمسة منهم سقطوا في المعركة مع سلاح الجو الاسرائيلي.
"ابن الكلبة".. !
بدأت الازمة في عملية جوية متزامنة قامت بها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي اختطفت اربع طائرات مسافرين لشركات غربية، وانزلتها في مطار اردني واحتجزت مئات المسافرين - بينهم اسرائيليون ذوو جنسية مزدوجة - كرهائن. ولم يرضَ الاميركيون من الوهن الذي ابداه الحسين في فرض سيادته على ياسر عرفات وعلى منافسيه من منظمات "الفدائيين"، وعملوا على اخلاء مواطنين اميركيين علقوا في المعارك في عمان.
في محادثاته مع مساعده العسكري الكسندر هيغ، ابدى كيسنجر استياءه من سلوك روجرز ("الفيلد مارشل ابن الكلبة") ومساعده لشؤون الشرق الاوسط، جوزيف سيسكو، الذي اصبح لاحقا مساعد كيسنجر في ذات المنصب. "ابن الكلبة هذا سيكون على الخط مع روجرز في غضون ثانيتين"، حذر كيسنجر هيغ. مناورة مميزة لكيسنجر كانت الحديث مع رابين وتوجيهه لما يقول (وما لا يقول) لسيسكو. أخفى كيسنجر اجزاء من المعلومات عن رابين ايضا.
وهاكم جملة مشوقة من الاقوال من تلك الايام:
سيسكو لكيسنجر: "لتوي تحدثت مع رابين. حسب اقواله لا تقلق، لا تقلقوا، حل الظلام ولن نصطدم بعرب مستعدين للقتال في الليل".
كيسنجر لسيسكو: "روجرز وأنا تحدثنا مع الرئيس، الذي لا يزال يميل الى تفضيل استخدام طائرات اميركية وليس اسرائيلية، اذا ما تحرك السوريون او العراقيون داخل الاردن".
سيسكو: "ولكن روجرز يتساءل: لماذا نفضل (الطائرات) الاميركية على الاسرائيلية".
كيسنجر: "السؤال ليش ما الافضل، بل من الذي يملك سبباً اكثر وجاهة للعمل، فبالنسبة للاميركيين سيكون هذا تدخلا اجنبيا، بينما بالنسبة للاسرائيليين سيكون موضوع أمن قومي، وهم ايضا يمكنهم أن يقوموا النشاط بشكل افضل. مسألة اخرى هي من يملك قوة ردع أكبر".
مساعد وزير الدفاع دافيد بكارد: "كل ما تم في اعداد القوات داخل الولايات المتحدة سيتسرب. قد نتمكن من عمل شيء ما مع قوات في المانيا".
كيسنجر: "الرئيس ليس متحمسا لاستخدام قوات اسرائيلية".
مورر: "وقف النار (في القناة) سيطير من النافذة، اذا ما استخدمت قوات اسرائيلية".
سيسكو: "الافضلية الاولى هي لاستخدام قوات اردنية، الثانية للاميركيين، الثالثة للاسرائييين".
كيسنجر: "في الوضع الحالي في الاردن، لا أمل في مبادرة السلام. لا يمكن ان نطلب من الاسرائيليين التفاوض على تسوية حدودية مع حكومة لا تسيطر في بلادها".
مورر: "اذا استخدمنا فرقة 82، ستكون لنا أربعة ألوية، منها واحد في اوروبا، ولكن ستكون لنا مشكلة في المرحلة الثانية؛ قوة صمودنا محدودة. يحتمل ان نقف ايضا امام امكانية هجوم سوري وعراقي على لبنان وعلى الاردن".
رئيس قسم العمليات، الجنرال ملفن زايس: "سرية اولى ستصل في غضون عشرين ساعة وباقي اللواء في اعقابها".
كيسنجر: "سرية واحدة هل يمكنها أن تنجو؟".
زايس: "سنقرر لاحقا. أحد ما يجب أن يكون الاول".
كيسنجر: "هل يمكننا التظاهر بتدريب مفاجئ، كتبرير لحالة التأهب؟".
زايس: "هذا لواء مع هدف مزدوج، منزل من الجو وبري. في اللحظة التي نبدأ فيها بتحميل المظليين وإعداد الطائرات سنطلق اشارة".
كيسنجر: "اذا لم نفرض الامر على الفدائيين في الاردن، فان مبادرة السلام ستسقط. اسرائيل بحاجة الى حكومة تعمل حيالها ويكون بوسعها تنفيذ تعهداتها. احساس الرئيس هو سحق الفدائيين اولاً. فهل يمكننا أن ننفذ عملية لتحسين مكانة الحسين؟ كم من الوقت سنضطر للبقاء؟".
رئيس الاركان الادميرال تومس مورر: "لدينا خطة لحملة كهذه. السؤال هو: ماذا يحصل اذا ما اتسعت؟ وباعتبار الاحتياجات في فيتنام فقد يكون من الصعب علينا تجنيد الذخيرة وعناصر اخرى. دوما نحن ملزمون بالتفكير بالخطوة الممكنة التالية".
كيسنجر: "هل يمكننا أن نفترض أن العراقيين والسوريين سيتدخلون؟".
مورر: "الحذر يستدعي ذلك".
كيسنجر: "وعندها؟".
مورر: "ندخل الى الاردن أربعة الوية، لمعالجة الوضع".
رئيس الـ "سي.اي.ايه" ريتشارد هلمز: "هل معنى هذا ان نبقى في الولايات المتحدة دون احتياطي استراتيجي؟ هذا يذهلني".
مورر: "صحيح، هذا كل ما لدينا".
زايس: "لا توجد أي وحدة قائمة اخرى في الولايات المتحدة. يتعين علينا أن نقيم وحدة ونرسلها الى اوروبا للحلول محل اللواء هناك. اضافة الى ذلك فان فرقة 82 ليست في وضع لامع. هي في مستوى جاهزية ب، أي 85 في المائة من الملاكات مأهولة".
مورر: "ومع ذلك نبعثها".
كيسنجر: "كيف ستتطور المعركة؟".
سيسكو: "سنهبط في المطار ونتحرك من هناك، لمساعدة الجيش الاردني في تطهير المدينة. اذا تدخل العراق وسورية، لا اعتقد ان اسرائيل ستجلس مكتوفة الايدي. المعنى هو في واقع الامر حملة اميركية اسرائيلية لمساعدة الحسين ضد الفلسطينيين، السوريين والعراقيين. العالم العربي بأسره سيضطر الى دعم سورية والعراق".
كيسنجر: "اذا عمل الملك ضد الفدائيين دون دعم اميركي، فهل العراقيون سيتدخلون؟".
سيسكو: "اذا تدخلوا، فسيتدخل الاسرائيليون، بناء على طلب الاردنيين، بقوات برية".
كيسنجر: "هذه ستكون نهاية الملك".
سيسكو: "صحيح، ولكن القوات الاسرائيلية افضل من الاميركية. الاسرائيليون والاردنيون سبق أن تحدثوا في ذلك".
مورر: "دوماً يمكننا ان نعطي الاردنيين مساعدة جوية من حاملات الطائرات". (في السياق اعرب رئيس الاركان عن تخوفه من ان الطيارين الاميركيين الذين قطعوا الاتصال في المعارك الجوية مع السوريين، من شأنهم أن يقودوا اعداءهم الى حاملات الطائرات، التي ستهاجم من الجو).
إضافة قذائف وطائرات إلى "الرزمة"
كيسنجر: "اذا عملت اسرائيل لمساعدة الحسين فهذا سيرضينا، واذا ما استعد السوفييت او المصريون للتحرك، فسنستعد لابقاء السوفييت في الخارج".
سيسكو: "وعلينا أن نستعد لتزويد اسرائيل بالكثير من المعدات الاضافية، إذ إنها ستستهلك معدات كثيرة بسرعة".
هلمز: "اذا كان الحديث يدور عن اربعة ألوية، فهذه تصفية لاحتياطنا الاستراتيجي، هذا غير وارد، سياسيا".
كيسنجر: "ولهذا يفضل قوات اسرائيلية. العنصر الناقص سيكون تظاهرة قوة اميركية تكفي لابقاء السوفييت والمصريين في الخارج".
سيسكو: "لا اعتقد أن المصريين سيتدخلون، ولكن سيتعين علينا ان نوفر طوق دفاع ضد السوفييت. في الوضع السائد في الاردن، ستحتاج اسرائيل ايضا الى علاوات لصيانة نفسها ضد العراقيين. وسنضيف الى الرزمة طائرات وقذائف. المصريون لا بد سيحركون صواريخ ارض - جو الى مقربة من القناة. ومن المعقول ان يكون الطيارون السوفييت اكثر تدخلا. وسيتعين على ناصر تشديد معركته ضد اسرائيل، على ما يبدو في اجتياحات تظاهرية صغيرة".
هلمز: يحتمل أن يقصف خط بارليف".
سيسكو: "اذا عالج الفدائيين في الاردن، فالفدائيون في لبنان قد يعملون، بدون تدخل خارجي، وسيعالجهم الجيش اللبناني جيدا، اذا حصل على معدات عسكرية اضافية، على الاقل حاملات جنود مجنزرة".
كيسنجر: "بعد نهاية هذه الازمة قد نكون مطالبين بحسم مسألة هل نسحق أم لا نسحق الفدائيين".
سيسكو: "التسوية السياسية لا تزال هي الوسيلة المفضلة لدى الفدائيين. اجزاء كبيرة في اوساط الفلسطينيين لا تزال تفضل الحل السياسي على الحل العسكري. ومع ذلك، يحتمل أن تغير نتائج الازمة موقفنا من العناصر الواقعية للتسوية. منذ سنين ونحن نقول للاسرائيليين، إن مشروع ألون لن ينجح. لعلنا ندرسه من جديد، باعتبار الظروف المتغيرة".
كيسنجر: "اذا نشبت حرب أهلية في لبنان، كنتيجة لعملية فلسطينية وطلب لبنان أن نتدخل، ماذا سيكون موقفنا؟".
هلمز: "كان هذا جد أصعب في 1958، الان، مع الفدائيين كعنصر تعقيد...".
كيسنجر: "اذا لم نفعل نحن ذلك، فهل نرغب في ان يفعله الاسرائيليون، او احد آخر؟ يجدر فحص الوثائق".
هارولد سوندرز من مجلس الامن القومي: "كما تذكر، كان لنا خيار اسرائيلي".
كيسنجر: "أليس لدينا شيء افضل من الاسرائيليين؟ لنفحص مرة اخرى الوثائق".
من أي مصدر كان
في عشرين ايلول في الساعة 22:00 حسب توقيت واشنطن، 00ر5 في صباح اليوم التالي في اسرائيل، اعلن كيسنجر لرابين ان الحسين يطلب، في رسالة نقلها من خلال السفير البريطاني في عمان، ان يهاجم سلاح الجو الاسرائيلي المدرعات السورية التي اجتاحت الاردن، احتلت اربد وتستعد للتقدم جنوبا. وفيما كانا يتحدثان، وصلت برقية ارسلت قبل ساعتين من ذلك من السفير الاميركي في عمان: "الحسين هاتفه ليطلب من نيكسون تدخلا ماديا فوريا عبر الجو والبر للحفاظ على سيادة ووحدة اراضي واستقلال الاردن. هناك حاجة لهجمات جوية فورية على القوات الغازية، من اي مصدر كان مضاف اليها غطاء جوي. أبلغونا رجاء في أقرب وقت ممكن متى يمكن لقواتكم ان تنزل"؟
كيسنجر، في حديث مع روجرز، حلل طلب الحسين كدعوة لعملية جوية اسرائيلية وتدخل بري اميركي. وافق روجرز: لا مفر، سلاح الجو الاسرائيلي يجب أن يعمل والا سيتفكك كل شيء.
نيكسون لكيسنجر: "مهما يكن من أمر علينا أن نعمل، سواء نحن أم الاسرائيليون. خسارة أن ليس لدينا مزيد من القواعد البرية. عمليتنا يجب أن تكون سريعة وحادة".
كيسنجر: "وساحقة. من المحظور أن نتورط مع السوريين الملاعين اولئك في حرب اخرى لثلاثة اشهر".
نيكسون: "للاسرائيليين دوافع متداخلة. لديهم الان ايضا الرغبة والقدرة. هم يريدون ان يدخلوا..".
كيسنجر: "هم يريدون ان يمزقوا السوريين بعض الشيء، الامر الذي لم يكن من نصيبهم حتى الان".
نيكسون: "حبذا!".
روجرز: "دايان أسف دوماً لانه لم يفعل هكذا في هذه الجبهة".
ورطة الحسين، في نظر الاميركيين، كانت انه دون تدخل اسرائيلي سيفقد حكمه، ولكن نتيجة مشابهة كانت متوقعة ايضا لتدخل اسرائيلي، لان الملك سيندد به كعميل. نيكسون تردد أي عملية اسرائيلية أفضل ضد القوات السورية في الاردن، كما افترض التحليل العسكري، ولكن مع خطر التعقيب السياسي في حالة عدم الانسحاب من المنطقة التي ستحتل، أم في جبهة الجولان لقطع خطوط التموين للقوة الغازية وانطلاقا من التخوف من أن يغرى السوفييت بالتدخل. في نهاية المطاف اختار البديل الثاني، "الافضل ان يهاجم الاسرائيليون سورية". تحفظ رابين. اذا كان الهدف هو تدمير القوة الغازية، فلا معنى لمناورات التمويه في جبهة اخرى.
الجيش الاسرائيلي، كما افاد الجنرال روبرت كاشمان من الـ "سي.اي.ايه"، جند الاحتياط ونقل لواءين مؤللين الى الجولان. وقال الادميرال مورل: التجنيد لديهم لا يحتاج وقتا طويلا. "بين 48 و 72 ساعة"، ادلى كيسنجر بدلوه. طلب نيكسون من اسرائيل ان تعلن، مع ادخال القوات الى الاردن، ان ليس لها نية للاحتلال والضم ولكن لم يكن يهمه ان تنسى الميليشيات اذا تغير الوضع. "قل لهم انه ينبغي لهم أن يكونوا ظاهرين جيدا في البداية"، أمر كيسنجر. "اذا تفككت الامور يمكنهم أن يخلوا باقوالهم ونحن نقبل ذلك بتفهم".
قرأ مساعد وزير الدفاع باكر مسودة بيان زعم انه صيغ في القدس، ولكن عمليا كتب في واشنطن، ستتلوه غولدا مائير لتبرير "هجمات قوات الجو والبر الاسرائيلية على القوات السورية التي غزت الاردن، بدبابات من انتاج سوفييتي وعلى المستويات المساعدة لها". بعد أن صيغ موقف اسرائيل ترددت قيادة ادارة نيكسون هل تقبل الاعلان عن تأييدها أم تلتزم الصمت.
الملك غاضب
بعد قليل من الساعة 00ر12 استعد نيكسون للنوم المبكر كي يستيقظ منتعشا للقاء مع اعضاء الكونغرس. ونفد لدى كيسنجر الحبر في ذروة كتابة مذكرة، روجرز ذهب الى المرحاض - كل شيء موثق - وهيغ ابلغ كيسنجر بان الوضع في عمان يتضعضع. "اعتقدت أنهم يسيطرون في هذه البلدة النتنة"، عقب كيسنجر. "الملك حقق تقدما معقولا في عمان"، قدر مورر. "منذ اربعة ايام وهو يحقق تقدما معقولا"، هزئ كيسنجر.
المعلومات من عمان لم تكن لا لبس فيها، وفي واشنطن شككوا بمصداقية السفير هناك، دين براون. "الملك غاضب ومهزوز نفسيا"، قدر نيكسون. زيد الرفاعي، المقرب من الحسين، "تحرك بين الروح المعنوية العالية وبين الاكتئاب جيئا وذهابا"، حذر سيسكو رابين. عندما نشر في الصحف بأن الاردن طلب المساعدة، انفعل نيكسون في ضوء حقيقة ان "للاردن أيضا مشكلة تسريب".
ماذا عرف السوفييت؟ "لديهم مستشارون عسكريون في الوحدات السورية"، قال كيسنجر. "التأهب السوري لا بد صار معلوما لهم". مسؤولان كبيران في وزارة الخارجية اختلفا معه: في الجيش السوري، خلافا للجيش المصري، المستشارون السوفييت يوجدون في قيادات اعلى، "كان لنا مستشارون في فيتنام ومع ذلك لم نعرف كل نواياهم ولم نتمكن من التحكم بهم".
لم يكن التدخل الاسرائيلي لازما. كان يكفي الردع. رفض حافظ الاسد، وزير الدفاع وقائد سلاح الجو، مساعدة القوات البرية التي بعث بها خصمه، الرئيس صلاح جديد؛ وفي غضون شهرين أسقط الاسد جديد. وفي الملفات بقيت مناشدة غير مسبوقة من رئيس اميركي لاسرائيل بارسال جيش لمساعدة دولة عربية وتعهد من جانبه، هو ايضا غير مسبوق، للدفاع عنها من تدخل سوفييتي في هذا السياق.
قبل أن تنتهي الازمة خططوا في وزارة الخارجية الاميركية لابلاغ السفارات في العواصم العربية التي يوجد لديها "تخوف على رجالنا"، ببداية هجمات لسلاح الجو الاسرائيلي "لاعطائهم إنذارا مبكراً بضع ساعات للاستعداد". كيسنجر، العالم بخطر التسريب، تساءل اذا كان ممكنا توقيت الانذار مع بداية الهجوم، ولكن الموظفين رفضوا التعهد بذلك.
ولما كانت الاجهزة لا تتغير مع الظروف، فان الاستنتاج هو أنه حتى لو اشركت اسرائيل ادارة اوباما مسبقا في أسرار حملة مستقبلية ضد ايران، من الافضل لها أن تحتفظ لنفسها بالعنصر الاهم؛ أي اللحظة الدقيقة لاطلاق القذائف الموجهة لضرب المنشآت الايرانية.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات