بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
في ذكراه الـ 39 : الساعات الأخيرة من حياة عبد الناصر
  26/09/2009

في ذكراه الـ 39 : الساعات الأخيرة من حياة عبد الناصر

الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر
محمد حسنين هيكل ـ كنت قد تركته عند الرابعة بعد الظهر - يوم الأحد 27 سبتمبر - فى الجناح الذى كان يقيم فيه بفندق هيلتون حيث نزل كل الملوك والرؤساء العرب الذين التقوا فى القاهرة، بحثاً عن حل "يوقف نزيف الدم فى الأردن"، كما كان هو يقول.
كانت هناك جلسة بعد الظهر عاصفة، وكانت هذه الجلسة قد بدأت فى الواحدة بعد الظهر، وانتهت فى الثالثة والنصف. وكنت فى قاعة الاجتماع قبل أن يدخل عبد الناصر، وكان جوها متوتراً...
كان الملك حسين مع بعض ضباطه فى ركن من القاعة.
وكان ياسر عرفات على مقعد فى في ركن
وكان الملك فيصل فى مقعده التقليدى فى هذه الاجتماعات، وكان واضعاً يده على خده يفكر وتحدثت قليلاً مع ياسر عرفات، وكان على وشك أن ينفجر.
ودخل وقتها العقيد معمر القذافى يجلس إلى جوار ياسر عرفات.
وانتقلت إلى حيث كان الملك فيصل جالساً، أقطع عليه تفكيره وأقول له:
"ألا تريد جلالتك أن تقوم بعملية نزع سلاح فى هذه القاعة؟".
والتفت الملك فيصل إلى يسألنى عما أقصد، وقلت:
- إن الملك حسين يعلق مسدساً فى وسطه، وياسر عرفات يعلق مسدساً فى وسطه، ومعمر القذافى يعلق مسدساً فى وسطه... والجو كله مشحون".
قلت ذلك وابتسمت.
وقال الملك فيصل:
"لا أعرف فى الحقيقة... هل جئنا إلى هنا لنتفاهم أو لنتقاتل؟".
ثم استطرد الملك:
"ولكنى لا أستطيع أن أنزع سلاح أحد... ربما يستطيع فخامة الرئيس... هو وحده الذى يستطيع".
وأشار الملك إلى باب القاعة، وكان الرئيس عبد الناصر يدخل منها فى تلك اللحظة ويتجه نحونا، وقال له الملك فيصل:
"فخامة الرئيس... لا أريد أن أجلس وسط كل هذه المسدسات".
وقال الرئيس ضاحكاً من قلبه:
"لا عليك... سوف أجلس أنا وسط هذه المسدسات... وتفضل أنت فاجلس فى مكانى".
وغادرت أنا قاعة الاجتماع، لأنه مقصور على الملوك والرؤساء وحدهم.
وعندما انتهت الجلسة فى الثالثة والنصف، كنت فى انتظاره بجناحه فى الدور الحادى عشر، وعرفت منه بعض التفاصيل عما حدث، وتركته ليستريح بعض الوقت، ودخل إلى غرفة نومه وكانت الساعة الرابعة، وتوجهت أنا إلى بيتى، أغير قميصى كما قلت له وأعود بعد قليل، وكان الموعد المحدد للجلسة الختامية هو الساعة السادسة مساء.
وفى الساعة الخامسة كنت أدخل على أطراف أصابعى مرة أخرى إلى جناحه، وكان محمد داود الذى يقوم بخدمته الخاصة واقفاً على باب حجرة النوم، واقترب منى يقول:
- إن الرئيس نائم، وقد طلب إيقاظه فى الساعة الخامسة والنصف.
ودخلت غرفة الصالون، المواجهة لغرفة النوم، واتجهت إلى الشرفة، أطل منها على النيل... وأنتظر.
وبعد دقائق جاءنى السيد محمد أحمد السكرتير الخاص للرئيس يقول لى:
- إن الرئيس جعفر نميرى والسيد الباهى الأدغم فى طريقهما الآن إلى جناح الرئيس فهل نوقظه؟".
ونظرت فى ساعتى - كما أتذكر جيداً - وكانت الخامسة وسبع دقائق، وقلت:
- "ننتظر بعض الوقت... نعطيه دقائق إضافية من النوم لو كنا نستطيع!".
وقمت باستقبال الرئيس نميرى والسيد الباهى الأدغم وقلت لهما همساً:
- "إن الرئيس نائم... ولم نشأ إيقاظه... ولكننا نوقظه إذا أرادا".
وقال الرئيس نميرى:
"نتركه بعض الوقت... لقد جئنا بمشروع اتفاق كلفنا بإعداده على ضوء مناقشات جلسة بعد الظهر، ليكون أساساً لحديثنا فى جلسة المساء".
وناولنى الباهى الأدغم مشروع الاتفاق لأقرأه... وقرأته على مهل، وفى ذهنى أن أطيل الوقت إلى أقصى حد ممكن.
وتناقشنا فى بعض بنود المشروع... واتجه حديثنا إلى بعض ما دار فى جلسة بعد الظهر... ثم كان الوقت يقترب من الخامسة والنصف، وطلبت إلى محمد داود أن يدخل لإيقاظ الرئيس.
وجاء محمد داود بعد دقيقة يطلبنى إلى غرفة نوم الرئيس وذهبت، وكان واقفاً بجوار الفراش، واستمع إلى فى ثوانٍ قليلة ثم قال:
"اجلس معهما... وسوف آخذ حماماً سريعاً وألحق بكم".
واستطرد وهو يتنهد:
"لقد كنت فى نوم عميق من شدة التعب".
ولحق بنا إلى الصالون، وكانت الساعة الخامسة والنصف تماماً...
وأمسك بيده مشروع الاتفاق، ولم يجد معه نظارته، وناولنى الأوراق، وطلب منى أن أقرأه على مسمعه.
وكان تعليقه أن المشروع يمكن أن يكون أساساً مقبولاً "إذا خلصت النوايا".
وجاء السيد محمد أحمد يسلمنى رسالة بعث بها ياسر عرفات، الذى كان يقيم فى الدور الرابع من الفندق.
". وقال الرئيس:
"فلنطلب ياسر عرفات نبحث معه مشروع الاتفاق قبل الجلسة... واسألوا أيضاً إذا كان معمر القذافى قد وصل... وينضم إلينا هنا".
وجاء ياسر عرفات، وكان منفعلاً، وبادر إلى القول، موجهاً حديثه إلى الرئيس:
"سيادة الرئيس... ... لا فائدة، وليس أمامنا إلا أن نهد الدنيا على رءوسهم ورءوسنا، ولتكن النتيجة ما تكون".
وقال الرئيس:
"ياسر... لا يجب لأى شىء الآن أن يجعلنا نفقد أعصابنا...
لابد أن نسأل أنفسنا طول الوقت: ما هو الهدف؟.
الهدف كما اتفقنا هو وقف إطلاق النار بأسرع ما يمكن.
إننى تحركت من أجل هذا الهدف، بناءً على تقديرى للظروف، وبناء على طلبك أنت لى من أول لحظة.
إن موقفكم فى عمّان مرهق.
ورجالكم فى أربد عرضة للحصار.
ولقد قلت لك من أول دقيقة إننا لا نستطيع مساعدتكم بتدخل عسكرى مباشر من جانبنا، لأن ذلك خطأ، لأن معناه إننى سأترك إسرائيل لأحارب فى الأردن.
كان الاجتماع مقصوراً على الملوك والرؤساء، وعدت إلى الدور الحادى عشر من فندق هيلتون أدخل الغرفة التى كان يقيم فيها السيد أنور السادات، وكان جالساً فى الشرفة وأمامه جهاز راديو يحاول أن يسمع منه إحدى المحطات.
ووقفت معه بعض الوقت، نتحادث فيما هو جار، وفيما هو محتمل، ثم ذهبت أجرى اتصالاً تليفونياً مع الأهرام، وجاء من يطلبنى بسرعة إلى قاعة الاجتماعات، وكان السيد الباهى الأدغم هو الذى يريدنى، ووقف معى فى مدخل القاعة يقول لى إنه إذا انتهى الاجتماع إلى اتفاق.. وإذا أقر تكليفه برئاسة لجنة الرقابة على تنفيذه - فهو يريد أن يأخذ معه وفداً من الصحفيين يمثل الصحافة العربية والعالمية، ليكون الرأى العام نفسه رقيباً وشاهداً.
وحبذت الفكرة...
وعاد الأدغم إلى القاعة، وفكرت من جانبى - متوقعاً أن يطول الاجتماع - فى الذهاب إلى الأهرام بنفسى بدل عناء الاتصالات التليفونية.
ووصلت إلى الأهرام لأجد كبير الياوران على التليفون يطلبنى ويقول لى:
- إن الرئيس يريدك فى القاعة فوراً".
وعدت بسرعة إلى فندق هيلتون متوجهاً إلى القاعة، ولمحنى الرئيس عبد الناصر أدخل من بابها فأشار إلى أن أجلس بجانبه.
وقال لى همساً:
"لقد تم الاتفاق... وهم الآن يكتبون صيغته النهائية على الآلة الكاتبة لكى نوقع عليها جميعاً.
وكانت الدهشة من السرعة بادية فى عينى.
وقال لى الرئيس ضاحكاً:
- مالك؟".
وقلت:
- لم يتغير رأيى بعد الاتفاق، عما كان عليه وقت الصراع.
مازلت أقول كما كنت أقول لك: العقل العربى فى حالة تراجع إلى الغريزة... تفكيرنا رماد... وعواطفنا حريق".
قال:
"حتى بعد الاتفاق تقول ذلك؟".
قلت:
"نعم... وأقول إننا كنا ومازلنا قبائل... نغضب فى لحظة ونهدأ فى لحظة... نشهر السلاح فى وجوه بعضنا، وبعد قليل نتصافح ونتعانق، كأن لم يحدث شىء".
قال وهو لا يزال يضحك:
"دعك الآن من الفلسفة... ليس هناك وقت لها... هناك هدف نسعى إليه الليلة، وأما الفلسفة فنستطيع تأجيلها إلى الغد، وسيكون لديك كل الوقت لتغرق فيها!".
ثم راح يتحدث عن ترتيبات إعلان الاتفاق... ثم تنفيذه.
ثم طلب إلى أن ألحق به بعد الاجتماع فى جناحه.
وجاء إلى جناحه فى الدور الحادى عشر، وكانت سعادته بالوصول إلى اتفاق تغطى إحساسه بالإرهاق بعد كل ما عمل وبذل.
ووقف فى الشرفة المطلة على النيل وقال:
"هذا أجمل منظر تراه العين".وجاء أنور السادات وحسين الشافعى وعلى صبرى، وراح يروى لهم بطريقته المرحة بعض ما دار فى الاجتماع. ثم سأل فجأة:
أين معمر القذافى؟".
وجاء السيد محمد أحمد بعد قليل يقول إن الرئيس معمر القذافى توجه من قاعة الاجتماع إلى المطار ليعود إلى بنغازى، وإنه عندما صافح الرئيس بعد انتهاء الجلسة فعل ذلك مودعاً، وهو لا يريد أن يثقل على الرئيس ولهذا فهو يرجوه أن لا يذهب لوداعه فى المطار.
وقال الرئيس على الفور:
 اتصلوا بالمطار وعطلوا الطائرة حتى أذهب... لابد أن أودعه بنفسى".
ثم قال على الفور:
"أظن أنه لم يبق هناك داع الآن لبقائى فى الفندق... أريد أن أبيت الليلة فى بيتى... لقد أوحشنى "الأولاد"، ولعلى أستطيع أن أراهم قبل أن يناموا الليلة".
والتفت إلى يقول:
- هل أنت متعب؟.
قلت:
أبداً. قال:
إذن ابق هنا، لقد كلفت الفريق صادق أن يقابل الباهى الأدغم وأن يبحث معه ترتيبات سفر لجنة الرقابة... احضر معهم هذا الاجتماع".
وقلت:
إننى سأبقى ومشيت معه من جناحه إلى المصعد، وسلمت عليه قبل قفل الباب... ولم يكن يخطر بخيالى أنها آخر مرة أصافحه.
وقضيت ساعة مع الفريق صادق، ومع الباهى الأدغم.
ثم قضيت نصف ساعة أخرى مع ياسر عرفات، ومع بعض زعماء المنظمات الفلسطينية.
ثم أحسست أننى لا أستطيع أن أحتمل أكثر، فغادرت الفندق ذاهباً إلى بيتى، ولم أكد أدخل حتى دق جرس التليفون، وكان المتحدث هو "السير تشارلز بومونت" السفير البريطانى فى القاهرة، يقول لى إنه يريد أن يقابلنى فوراً، لأن هناك رسالة عاجلة من المستر إدوارد هيث رئيس وزراء بريطانيا. وأن هذه الرسالة لابد أن تصل إلى الرئيس جمال عبد الناصر الليلة.
وجاء السفير البريطانى إلى بيتى، وناولنى برقية من لندن، تتصل بالإفراج عن الفدائيين العرب السبعة المحتجزين فى بريطانيا وألمانيا الغربية وسويسرا، فى مقابل الإفراج عن بقية الرهائن من ركاب الطائرات المخطوفة إلى الأردن.
وكان الرئيس قد كلفنى ببعض الاتصالات الخاصة بهذا الموضوع، وتحدثت فيه بالتليفون أكثر من مرة من جناحه الخاص فى فندق هيلتون وأمامه مع السفير البريطانى السير تشارلز بومونت.
ونزل السفير البريطانى، وكانت الساعة الثانية عشرة مساء... منتصف الليل بالضبط.
وتحيرت - هل أطلب الرئيس فى غرفته بالتليفون المباشر، أو أنتظر إلى الصباح.
واتصلت بالسيد سامى شرف وزير الدولة وسكرتير الرئيس للمعلومات والساهر الدائم باستمرار فى انتظار أوامره، أسأله:
- هل نام الرئيس، وهل انطفأ النور فى غرفته؟.
وقال لى سامى شرف:
"لقد كان يتحدث معى الآن على الفور... وتستطيع أن تتصل به بسرعة".
وأدرت رقم تليفونه، وسمعت صوته يرد، واعتذرت لإزعاجه، وقال برقة:
- أبداً... مازال هناك وقت طويل قبل أن أنام... كنت أفكر فيما حدث، وفيما يمكن أن يحدث".
قلت:
"أول ما يجب أن يحدث، هو إجازة لك".
قال:
"سوف نتحدث فى هذا غداً".
ورويت له عن لقائى بالسفير البريطانى، ثم سألنى عن اجتماعى بياسر عرفات، ثم عن الاجتماع الذى حضرته بين الفريق صادق والسيد الباهى الأدغم...
ثم قال كمن تذكر شيئاً:
- هل فعل أحد شيئاً بالنسبة للترتيبات المالية للجنة الرقابة... هل سيذهب الباهى الأدغم إلى عمان ولا يجد تحت تصرفه ما يدفع به فاتورة الفندق الذى تقيم فيه البعثة، فضلاً عن أية مصاريف أخرى". قلت:
- فى الحقيقة لا أعرف؟".
قال:
- اتصل بسامى - يقصد سامى شرف - وقل له أن يرتب وضع ثلاثين ألف جنيه تحت تصرف البعثة... عشرة تدفعها مصر... وعشرة تدفعها السعودية... وعشرة تدفعها الكويت... قل له أن يكلف أحداً بالاتصال بالملك فيصل وبأمير الكويت من أجل تأمين إسهامهما فى الاعتماد المخصص للبعثة.
ثم قال فجأة:
- هل تذكر بيتى الشعر اللذين قلتهما لى أثناء الأزمة؟.
قلت:
- نعم...
وكنت عندما استحكم الخلاف بين الأطراف قد قلت له مرة:
- لقد فعلت كل ما تطيقه البشر... ويكفيك ما فعلت، وعلى كل جانب أن يتحمل مسئوليته.
ثم أضفت وقتها مستشهداً ببيتين من الشعر الجاهلى، يقول فيهما الشاعر.
أمرتهمو أمرى بمنعرج اللوى فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد.
وما أنا إلا من عزمه إن غوت غويت وإن ترشد عزمه أرشد.
وكان عندما سمع منى البيتين أول مرة قد علق بقول:
"مع الأسف، فإنى لا أستطيع أن أقول، إن غوت غويت وإن ترشد عزمه أرشد".
وأعدت عليه فى التليفون تلك الليلة بيتى الشعر كما طلب.
وقال وصوته يحمل نبرة الارتياح:
"ألا يجب أن نحمد الله لأنهم "رأوا الرشد الليلة، ولم ينتظروا عليه إلى ضحى الغد.
ثم قال بصوت خفيض، يحمل أثقال الجهد... وأحسست به يتنهد ويقول:
- من يعلم ماذا سيأتى به الغد؟".
ووصلت إلى مكتبى بالأهرام فى الساعة الثامنة والنصف من صباح اليوم التالى، الاثنين 28 سبتمبر.
وحين دخلت، كان أول ما قيل لى:
"إن الرئيس اتصل بنفسه وسأل عنك... ولما عرف أنك لم تحضر بعد، قال إنه لا داعى لأن تطلبه، لأنه خارج إلى المطار الآن، وسوف يتصل بك هو عند الظهر".
ولم أذهب إلى وزارة الإرشاد كما أفعل عادةً فى الحادية عشرة صباحاً، وإنما بقيت فى الأهرام قريباً من التليفون الذى يطلبنى عليه عادةً.
كان تليفونه قبل الثامنة والنصف أول اتصال أجراه ذلك اليوم.
ثم قام - كما علمت فيما بعد - إلى حمام الصباح، ثم جلس إلى إفطاره وأكل تفاحة واحدة من صندوق تفاح جاءه به الوفد اللبنانى إلى مؤتمر القاهرة ثم فنجان قهوة مع السيدة الجليلة قرينته.
وقالت له هى قبل أن ينزل إلى أول وداع رسمى ذلك اليوم فى مطار القاهرة:
- إن "الأولاد" سيكونون جميعاً على الغداء اليوم.
وسألها عن أحفاده قائلاً:
- و"هالة" و"جمال" وقالت هى" إن جمال هنا منذ الصباح الباكر... جاءت به "منى"، وهى فى طريقها إلى عملها، وتركته فى البيت لكى يراه جده فى الصباح كما طلب قبل أن ينام... وأما "هالة" فهى فى الطريق الآن".
وقال لها إنه سوف يراهم جميعاً على الغداء.
وخرج من البيت قبل الساعة التاسعة بدقيقتين.
وفى الساعة الواحدة دق جرس التليفون فى مكتبى... وجاءنى صوته، وأحسست به متعباً، متعباً إلى أقصى حد.
وأعدت عليه حديث الإجازة، وقال إنه سوف يستريح بعد وداع أمير الكويت...
وسألته عما يشعر به، وقال:
أجد نفسى غير قادر على الوقوف".
وسألته:
- هل رأيت الطبيب؟.
وقال:
"كان عندى الدكتور الصاوى وأجرى رسماً جديداً للقلب... وقال لى إن كل شىء كما هو".
وقلت:
- وآلام الساق... أما من دواء لها".
وقال:
- سوف أضع قدمى فى ماء دافئ به ملح، وأظن أن الألم سوف يتحسن... هو طول الوقوف فيما أعتقد!".
وعدت ألح فى حديث الإجازة، وأقترح أن يذهب إلى الإسكندرية وقال:
- لا أستطيع الذهاب متعباً بهذا الشكل... سوف أنام هنا يوماً كاملاً... وبعدها أفكر فى الذهاب إلى الإسكندرية.
ثم تطرق الحديث إلى السياسة كالعادة، وسألنى عن رد الفعل فى إسرائيل لاتفاق حكومة الأردن مع المقاومة.
وأجبته بملخص البرقيات التى وردت ذلك الصباح.
ثم قال:
- هل تعرف أن بيرجيس - يقصد دونالد بيرجيس القائم على شئون الرعايا الأمريكيين فى القاهرة - سوف يسافر إلى إيطاليا، وهناك سوف يجتمع بنيكسون...
إنه اتصل بالخارجية أمس، وسأل إذا كان هناك ما يستطيع أن ينقله إلى نيكسون...
أريدك أن تطلبه الآن، وأن تبلغه رسالة منى إلى نيكسون.
اطلب منه أن ينقل له إننى مازلت أسعى إلى حل على أساس قرار مجلس الأمن... إن موقفى لم يتغير.
إن الضجة التى يثيرونها عن الصواريخ زادت عن حدودها، وهى بلا منطق.
إذا كانت إسرائيل تنوى الانسحاب من كل الأراضى المحتلة، فما هو خوفها من الصواريخ، على فرض أننا قمنا بتركيبها؟.
وإذا كانت إسرائيل لا تنوى الانسحاب... إذن فإن الواجب يقتضينا إذا لم نكن قد ركبنا الصواريخ - أن نبادر فعلاً إلى تركيبها؟.
قلت له: إننى سأطلب بيرجيس.
قال: اطلبه الآن.
ورفعت سماعة التليفون الآخر وطلبت إلى مكتبى إيصالى بدونالد بيرجيس وقلت له:
- إن لدى رسالة كُلفت بإبلاغها إليك لكى تنقلها إلى نيكسون.
وقال بيرجيس:
- متى تريدنى أن أجئ؟.
قلت له:
- الساعة السابعة مساء.
وأقفلت التليفون معه، والرئيس على الخط الآخر يواصل الحديث، ولا يخطر ببالى إننى سأؤجل موعدى مع بيرجيس لأن عبد الناصر سوف يكون قد رحل قبل الموعد المحدد.
ثم تشاء المقادير أن أسلم الرسالة إلى ريتشارد سون الذى رأس وفد العزاء فى عبد الناصر، وكان قد جاء ليتحدث معى، وقلت له:
"ليس لدى ما أقوله لك غير رسالة كلفنى هو بإبلاغها إلى بيرجيس لينقلها لنيكسون وهذه الرسالة الآن لك!".
واستطرد الرئيس يقول:
- لا أظنهم سوف يفهمون شيئاً، ومع ذلك فلابد أن يكون موقفنا واضحاً، ولو أمام أنفسنا، وليتصرفوا هم كما يشاءون.
ثم مضى الرئيس يقول:
- قد لا أتصل بك فى المساء لأننى سوف أنام.
- ووجدتنى أقول له بطريقة تلقائية.
- تصبح على خير.
وقال ضاحكاً:
"ليس بعد... نحن مازلنا الآن فى عز النهار!". وكانت تلك آخر مرة أسمع فيها صوته.
واستراح قليلاً فى غرفته، ثم قام يرتدى ملابسه، مستعداً للتوجه إلى المطار لمراسم الوداع الأخير مع أمير الكويت.
واتصل بالسيد سامى شرف يسأله عما إذا كان هناك جديد؟.
وقال له سامى شرف إنه ليس هناك جديد، ولكنه يلح على الرئيس فى ضرورة أن يريح نفسه، لأن الجهد الذى يبذله عنيف.
وقال الرئيس:
"سوف أنام بعد أن أعود... سوف أنام نوماً طويلاً".
ثم استطرد:
"وفى الغد نتكلم عن الإجازة."
وخرج من غرفته متوجها إلى السلم، وتردد لحظة أمام المصعد، ثم ضغط على الزر يطلبه، وكانت أول مرة منذ تركيب المصعد فى بيته يستعمله فيها للنزول... كان دائماً يستعمله فى الصعود... وعند النزول كان يفضل السلم.
فى وداع أمير الكويت، أحس فى الدقائق الأخيرة، أنه متعب بأكثر مما يحتمل، لكنه تماسك بجهد لا يصدق.
وقبل أمير الكويت وهو يتصبب عرقاً... والدوار يعتريه.
وصعد أمير الكويت إلى طائرته، والتفت الرئيس يطلب سيارته... وكان ذلك على غير المعتاد، فقد كانت العادة أن يذهب هو ماشياً إلى حيث تقف سيارته، وأن يحيى جماهير المودعين.
وجاءت السيارة ودخل إليها وهو يقول للسيد محمد أحمد:
- اطلب الدكتور الصاوى يقابلنى الآن فى البيت".
واستقل المصعد من الدور الأول فى بيته إلى الدور الثانى... وكانت الأسرة كلها فى انتظاره.
وأحسوا جميعاً أنه متعب، ولكنه وقف وسطهم دقيقة يتحدث فيها مع حفيديه "هالة" و"جمال"، ثم يتوجه بعد ذلك إلى غرفة نومه، وتلحق به السيدة الجليلة قرينته، تسأله متى يريد الغداء، ويقول لها وهو يخلع ملابسه:
"لا أستطيع أن أضع شيئاً فى فمى".
ويرتدى بيجامة بيضاء مخططة بخطوط زرقاء ويدخل إلى سريره ويجىء الدكتور الصاوى، وتستأذن السيدة الجليلة قرينته فى الخروج، لأنها - كما عودها دائماً - لا تقف فى الحجرة وهناك فيها غيره، حتى ولو كان الطبيب.
لكن قلبها لا يطاوعها على الخروج بغير سؤال لمحه الرئيس فى عينيها قبل أن تنطق به.
وقال لها مطمئناً:
- لا تخافى، أظنه نقصاً فى السكر...
وقالت بسرعة:
 هل أجيئك بشىء...؟.
وقال الدكتور الصاوى:
- أى عصير...
وذهبت هى تعصر كوب ليمون وكوب برتقال...
بينما الدكتور الصاوى يشعر من أول لحظة أن هناك طارئاً خطيراً... ويخرج من الغرفة ليتصل بالسيد محمد أحمد على التليفون... ويطلب منه استدعاء الدكتور منصور فايز والدكتور زكى الرملى.
ويعود إلى الغرفة، والسيدة الجليلة قرينة الرئيس تدخل إليها حاملة كوب عصير برتقال وكوب عصير ليمون.
ويختار الرئيس كوب البرتقال ويشربه... وتخرج هى من الغرفة، ويبدأ الدكتور الصاوى محاولاته لوقف الطارئ الخطر.
كان تشخيصه على الفور أن هناك جلطة فى الشريان الأمامى للقلب... ولما كانت الجلطة السابقة فى سبتمبر من العام الماضى قد أثرت فى الشريان الخلفى... إذن فإن الموقف دقيق وحرج.
ويصل الدكتور منصور فايز، وعند وصوله، تحس السيدة الجليلة قرينة الرئيس أن هناك شيئاً غير عادى.
كانت طوال الوقت واقفة تنتظر فى قاعة الجلوس التى تجتمع فيها الأسرة، وهى على مدخل البهو المؤدى إلى غرفة مكتب الرئيس، ثم غرفة نومه فى الدور الثانى من البيت. وحين وجدت الدكتور منصور فايز أمامها، اقتربت منه والقلق يشد ملامحها، لتقول له:
"لا تؤاخذنى يا دكتور... لا أقصد إساءة... ولكن مجيئك يقلقنى... أنت تجىء عندما يكون هناك شىء غير عادى".
وقال لها الدكتور منصور فايز:
"أرجوك أن تطمئنى... كل شىء بخير إن شاء الله".
ودخل... وبعد قليل لحق به الدكتور زكى الرملى.
كان التشخيص واحداً... وكانت الإسعافات التى بدأها الدكتور الصاوى قبل مجيئهما مستمرة، وكان الرئيس متنبهاً إلى كل ما يجرى.
وحوالى الساعة الخامسة، بدا أن الأمل يقوى.
كان النبض قد بدأ ينتظم، وضربات القلب تعود إلى قرب ما هو طبيعى.
واستراح الأطباء، والتقطوا أنفاسهم وهم بجواره، وهو يراقبهم بابتسامة هادئة على شفتيه.
ثم بدأ يتحدث معهم.
كانت الساعة الخامسة إلا خمس دقائق بالضبط.
وقال له الدكتور منصور فايز:
"إن الرئيس فى حاجة إلى إجازة طويلة".
وقال الرئيس:
"كنت أريد أن أذهب إلى الجبهة قبل الإجازة... هل أستطيع أن أذهب وأرى أولادنا هناك قبل أى إجازة".
وقال الدكتور منصور فايز:
"إن ذلك سوف يكون صعباً... ويجب أن تسبق الإجازة أى نشاط آخر".
وقال الرئيس:
"إن كل الوزراء اليوم فى الجبهة... لقد طلبت أن يذهبوا إلى هناك، وأن يعيشوا يومين مع الضباط والجنود... يجب أن يعرفوا، ويعرف كل مسئول حقيقة ما يقوم به الجيش فى الجبهة".
وهمّ الرئيس فى فراشه ومد يده إلى جهاز راديو بجانبه وفتحه، يريد أن يسمع نشرة أخبار الساعة الخامسة من إذاعة القاهرة.
وبينما اللحن المميز لنشرة الأخبار من إذاعة القاهرة ينساب فى الغرفة، ويبدد بعض الشىء جوها المشحون بالطارئ الخطر أحس الدكتور منصور فايز أنه يريد أن يدخن سيجارة، وتصور أن خروجه من الغرفة ليدخن سيجارته قد يكون فرصة تطمئن فيها السيدة الجليلة قرينة الرئيس على صحته.
وخرج فعلاً إلى غرفة المكتب ثم إلى البهو المؤدى إلى غرفة الجلوس ووجدها أمامه ويدها تعصران وجهها من القلق ومشقة الانتظار.
وقال لها باسماً:
"إنه بخير والحمد لله".
وسألته بلهفة:
 صحيح؟؟.
وقال لها:
"إننى كطبيب، أسمح لك بأن تذهبى وتريه بنفسك".
وقالت له:
"أخشى إذا دخلت أن يشعر بقلقى ويتضايق... إنه لم يتعود أن أدخل وهناك أطباء، وإذا دخلت فقد يتصور أن هناك شيئاً غير عادى".
فى غرفة النوم، كان المشهد يتغير بسرعة لم تكن متوقعة.
استمع الرئيس إلى مقدمة نشرة الأخبار ثم قال:
"لم أجد فيها الخبر الذى كنت أتوقع أن أسمعه...".
ولم يقل شيئاً عن الخبر الذى كان ينتظر سماعه.
وتقدم منه الدكتور الصاوى وقال:
- ألا تستريح سيادتك... إنك فتحت جهاز الراديو ثم قفلته ولا داعى لأى مجهود الآن؟.
وعاد الرئيس يتمدد تماماً على فراشه، ويقول بالحرف:
 "لا يا صاوى... الحمد لله... دلوقت أنا استريحت".
ولم يفرغ الدكتور الصاوى من عبارة يقول فيها:
"الحمد لله يا فندم...".
لم يفرغ، ونظره مركز على الرئيس، حتى وجده يغمض عينيه ثم وجد يده تنزل من فوق صدره، حيث كان وضعها، وتستقر بجواره.
بعدها لم يشعر عبد الناصر بشىء...
لم يقل كلمة.
وكانت ملامح وجهه تعكس نوعاً غريباً من الراحة المضيئة.
وجرى الدكتور الصاوى هالعاً ينادى الدكتور منصور فايز ووقف كل الأطباء حول الفراش، وبيدهم وعقولهم كل ما يستطيعه العلم.
ووصلت إلى البيت، وصعدت السلم قفزاً، وكانت السيدة الجليلة قرينة الرئيس أول من لقيت، وكانت إحدى يديها تضغط على خدها، واليد الأخرى تمسك برأسها، وليس على لسانها، وقد ملكها الخوف والخطر، إلا نداء واحد:
"جمال... جمال...".
وكانت تكتم نداءها حتى لا ينفذ إلى حيث يرقد هو.
وعبرت غرفة مكتبه بسرعة إلى غرفة نومه، وإلى فراشه، وكان الأطباء مازالوا من حوله، وكان ممدداً على الفراش وسطهم... بالبيجامة البيضاء وخطوطها الزرقاء.
وفوجئت بما رأيت.
عندما دعيت إلى البيت لم يخطر ببالى ما قدر لى أن أراه.
أقصى ما خطر ببالى عندما دعيت إلى بيته "لأنه متعب"، هو أن شيئاً مما ألم به فى العام الماضى قد عاوده. لكنى لم أكن مهيأ لما رأيت.
ولأول نظرة على الفراش، فإننى أحسست بما لا أستطيع اليوم، ولا غداً أن أصفه من مشاعرى.
كان هناك على الفراش هدوء غريب.
صمت كامل...
كان هناك شىء واحد يلمع بشدة، وهو دبلة الزواج فى يده، ينعكس عليها ضوء النور المدلى من السقف.
ولم أحاول أن أقترب من أى واحد من الأطباء، فلم يكن من حق أحد أن يشغلهم.
والتفت حولى إلى بقية من فى الغرفة: شعراوى جمعة، وسامى شرف، ومحمد أحمد.
وكانوا جميعاً مثلى معلقين بين السماء والأرض.
ووجدتنى أدور فى الغرفة وأبتهل...
أردد والدموع تنزل صامتة: يا رب... يا رب.
ثم أرقب محاولات الطب الأخيرة، وأناديه فى علاه يا رب غير ممكن... يا رب غير معقول".
وتستمر محاولات التدليك الصناعى للقلب.
وتتكرر تجربة الصدمة الكهربائية، والجسد الطاهر المسجى يختلج، ولكن الهدوء يعود بعد كل اختلاجه... بلا حس ولا نبض.
وأحسست أن الأطباء قد فقدوا الأمر... وأنهم لا يحاولون بالعلم... ولكن يحاولون ضد العلم.
وجاء على صبرى ووقف مبهوتاً أمام ما يجرى.
وجاء حسين الشافعى، واستدار إلى القبلة يصلى لله.
وجاء أنور السادات ووقف أمام الفراش رافعاً وجهه إلى السماء يتمتم بآيات من القرآن.
ودخل الفريق أول محمد فوزى والذهول يملأ وجهه، فى نفس اللحظة التى قال فيها أحد الأطباء:
"إن كل شىء قد انتهى...".
وقال الفريق أول فوزى بحدة ملتاعة:
- لا... لا يمكن... واصلوا عملكم".
وانفجر الدكتور منصور فايز باكياً... وانفجر معه كل الأطباء باكين.
وانهمرت الدموع... طوفان من الدموع.
......
ودخلت السيدة الجليلة قرينته إلى الغرفة المشحونة بالجلال والحزن.
... لا يمكن لأحد أن يصف أحزانها المتوهجة كالجمر المشتعل...
مسكت يده تقبلها وتناديه.
وسمعت أحد الباكين يقول:
 الرئيس... الرئيس...
والتفتت تقول:
"لا تقولوا الرئيس... قولوا إنه جمال عبد الناصر وكفى... سيبقى بالنسبة لى وللناس كلهم جمال عبد الناصر".
ثم انحنت عليه تقبل يده مرة أخرى وهى تقول:
"لم يكن لى فى الدنيا سواه... ولا أريد فى الدنيا غيره... ولا أطلب شيئاً إلا أن أذهب إلى جواره حيث يكون".
ثم التفتت إلى السيدة الجليلة فى حزنها الذى يفتت الصخر، تسألنى:
"قل لى أنت... رد على... ألن أسمع صوته بعد الآن؟".
وأقبل أحد الأطباء يغطى وجهه.
ونظرت إليه متوسلة بالدموع والنشيج:
"اتركوه لى... أنظر إليه... أملأ عينى به".
واستدار كل من فى الغرفة خارجين... تاركين لها اللحظة الأخيرة، وحدها معه...
وعندما جاءت السيارة التى تنقل جثمانه الطاهر إلى قصر القبة، كانت فى وداعه حتى الباب، وكانت كلمتها المشبوبة باللهب الحزين والسيارة تمضى به:
"حتى بعد أن مات... أخذوه منى... لم يتركوه لى".
وانطلقت به السيارة فى جوف الليل الحزين.
......
وسرى النبأ كعاصفة برق ورعد... وزلزال يهز البحر الأبيض - قلب الدنيا وبؤرة التاريخ - من أعماق الأعماق إلى ذرى الأمواج العالية.

 وفى شرق البحر الأبيض - فى عمان - عم الحزن فريقي القتال
وأجهش حافظ الأسد وزير الدفاع السورى بالبكاء، وهو يقول:
- كنا نتصرف كالأطفال، وكنا نخطئ... وكنا نعرف أنه هناك يصحح ما نفعل ويرد هو آثاره".
- وفى شرق البحر الأبيض - فى تل أبيب - كان النبأ أخطر من أن يصدق للوهلة الأولى، وقالت جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل:
- من الذى أطلق هذه النكتة السخيفة؟".
ثم تأكد النبأ، وخرجت جولدا مائير تشارك الشعب الإسرائيلى فرحته بالخلاص من أعدى أعداء إسرائيل.
وأصدر ديان أمره إلى القوارب المعدة للتدخل الإسرائيلى - الأمريكى أن تتفرق...
- وفى شمال البحر الأبيض كان الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون قد صعد لتوه إلى ظهر حاملة الطائرات ساراتوجا... ثم توجه إلى كابينة القيادة التى سيحل بها أثناء مناورات الأسطول الأمريكى السادس التى كان الهدف منها أن يسمع جمال عبد الناصر فى القاهرة صوت مدافعه. ودخل عليه مساعده هالدمان بالنبأ.
وذهل نيكسون...
ثم كان قوله بعد قليل:
- لا داعى الآن لهذه المناورة كلها.
وصمتت قعقعة السلاح على قطع الأسطول الأمريكى السادس، وطأطأت المدافع رؤوسها للحدث الخطير الذى يتعدى بآثاره كل الحدود. ......
وران على البحر الأبيض - قلب الدنيا وبؤرة التاريخ - سكوت كثيف.. وهدأت العواصف وارتمت الأمواج على الشواطئ وقد استنفدت كل قواها. .......
وكان جمال عبد الناصر فى حياته أكبر من الحياة.
وكان جمال عبد الناصر بعد رحيله أكبر من الموت!

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات