بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
دمشق القديمة.. آثارها تختنق أيضاً!
  28/11/2009

دمشق القديمة.. آثارها تختنق أيضاً!

تقترن دمشق القديمة بحقيقة أنّها المدينة الأقدم المأهولة في التاريخ وتفوّقت على كل المدن بأنّها الأكثر بقاء وتعاقبت عليها الأحقاب والعصور وبقيت مأهولة.
ولكن يتمّ ذكر اسمها اليوم مقترناً بسور يفقد رونق النظافة والاهتمام ويتلبسه مشهد الإهمال الذي تكمّل عوالق وغبار النشاط البشري والنقلي صوره المنفرة، حتى يمكن اعتبار أنّ كلّ الإهمال البيئي داخل وقرب دمشق القديمة يلخصه ما يغطي سور دمشق القديمة خصوصاً من جهة باب شرقي، حيث طبقة الأوساخ والسخام واضحة على سور تكاد أحجاره الأثرية تصرخ من شدّة ما يتعرض له.. ‏
بجوار مكب قمامة! ‏
والمدينة القديمة اليوم وخصوصاً من بابها الشرقي تقترن بتصنيفات لا تليق بمكانتها، وتوجد بعض مظاهر الاستهتار بالتاريخ وبالناس المقيمين والسيّاح والزّائرين.. التي تتجسد بوجود محطة تجميع وترحيل القمامة، والتي يصعب قبولها في أردأ الأحياء المخالفة، فكيف أمكن استمرارها قرب باب شرقي لـ18سنة حتى الآن، وبكامل منظر القمامة من قرف وبكامل روائحها الكريهة التي تنتشر يومياً عبر مراحل ترحيل القمامة؟! ‏
العلامات الفارقة لدمشق القديمة اليوم هي مدينة لسيارات بشتّى أنواعها القديمة والرديئة وشتّي مواصفاتها اللابيئية التي تتجول داخل وحول المدينة القديمة، إضافة الى مهن وأنشطة تجارية وصناعية وظاهرة المطاعم وكلّها أنشطة لا تراعي المعايير البيئية.. حتى توضّح التردي على آثار دمشق القديمة.. ‏
تردي الآثار


تحدثت الاستراتيجية الوطنية للبيئة عن ذلك منذ عام 2003 وجاء فيها أنّ «الأبنية الأثرية في دمشق متضررة بسبب تلوّث الهواء ما يسرع من قدمها..». ‏
وتوجد بعض القياسات الرسمية لملوثات الهواء في بعض مناطق دمشق القديمة ما يفوق أضعاف المعايير المسموحة عالمياً للتلوّث بالعوالق والغبار وغازات الكربون والآزوت وثاني أكسيد الكبريت.. وحسب بعض الأبحاث -من هيئة الطاقة الذرية- فإنّ تلوّث الهواء في جانب منه يؤثّر على الأوابد الأثرية، إذ تتفاعل أكاسيد الكبريت وأكاسيد النتروجين مع الأكسجين بوجود بخار الماء والأشعة فوق البنفسجية، وتتحول هذه الأكاسيد في النهاية، الى حمض الكبريت وحمض الآزوت التي تبقي معلقة في الهواء على هيئة رذاذ دقيق تنقله الرياح من مكان لآخر، وتتفاعل هذه الأحماض مع كربونات الكالسيوم، المكون الأساسي لحجارة معظم هذه الأوابد، وتحولها الى الجص، ومعروف أن للجص متانة قليلة ميكانيكياً، ما يؤدي الى سهولة تفتته، وبالتالي خسارة ثروة وطنية إنسانية لا تقدر بثمن، هذا إضافة الى الغبار، الذي يؤدي الى حت وتخريب مكونات الأوابد الأثرية، وكذلك هباب الفحم الذي يوشحها بالسواد، خاصة أن قسماً كبيراً من هذه الأوابد يكثر في المناطق المزدحمة والمكتظة بوسائط النقل (باب توما وباب شرقي في دمشق مثلاً).
ويمكن التذكير بما ورد في نصّ الاستراتيجية الوطنية للبيئة عام 2003 من إشارة الى تراجع خطير لبعض المواقع الأثرية الهامة -ومنها دمشق القديمة- بسبب عدم الوعي بالقيمة المتميزة لها وسوء استثمارها والتغيرات في استعمالات الأراضي المحيطة بها، وإدخال مواد وأساليب بناء غير ملائمة في أعمال البناء المرخص والمخالف.. ‏
مصور توجيهي ‏
ويجدر التنويه الى وجود مصوّر توجيهي يشمل شتّى شؤون دمشق القديمة (الخدمات، السياحة، السكن).. ويهدف الى ضمان عملية تنظيم للاستثمار ومنعكسات إيجابية على دمشق القديمة وليس العكس، وتوجد ضمن المصوّر التوجيهي مشروعات لإبقاء كلّ الأنشطة الصديقة لدمشق القديمة ضمنها، وترحيل المهن والفعاليات التي تضرّ بها.. ‏
ولكن تبرز مفارقة من العيار الثقيل عندما يوجد مخطط يفترض انّه يراعي القيمة التاريخية والأثرية والثقافية والإنسانية لدمشق القديمة، بينما الجهات المعنية بتنفيذه عجزت عن ترحيل موقع محطة ترحيل القمامة المجاور لدمشق القديمة..؟؟؟ ‏
وحددت الاستراتيجية وخطة العمل البيئية 2003 مشكلة فقدان التراث الحضاري كمشكلة ضمن المشكلات ذات الأولوية البيئية، وتتطلّب إعادة ترميم الأبنية التاريخية والأثرية، وسياسات لمنع استمرار تدهور المناطق الأثرية.. ولكن في نموذج دمشق القديمة فإنّ سياسات منع التدهور لآثارها هي بحد ذاتها متدهورة.. ‏
صحيفة تشرين

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات