بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
دمشق في خطر! محاولات جديدة لتمرير المشاريع التي أوقفت.. فمن يقرر مستقب
  19/12/2009

دمشق في خطر! محاولات جديدة لتمرير المشاريع التي أوقفت.. فمن يقرر مستقبل دمشق؟



(إذا أطلقت نيران مسدسك على الماضي.. أطلق المستقبل نيران مدافعه عليك)!
رسول حمزاتوف في (داغستان بلدي)!

تتطور المدن كلها في العالم، وتتغير بعض ملامحها، غير أن للمدن التي سكنها البشر قبل آلاف السنين خصوصية، وهي بآثارها وبترتيب أحيائها تصبح جزءاً من التراث الإنساني، لاملكاً لأبنائها فقط.
ولأن هناك جهات عدة تكرر محاولاتها لتغيّر معالم دمشق التاريخية وتهتك نسيجها العمراني وتشوه وجهها الحضاري، فقد دعت اللجنة المنطقية للحزب الشيوعي السوري بدمشق إلى لقاء عُقد في المقر المركزي للحزب يوم الأربعاء 2/12/2009، تمحور حول (حماية دمشق القديمة)، شارك فيه مهندسون مختصون بتخطيط المدن ومثقفون وأدباء ومهتمون، وعُرضت فيه المخاطر التي تهدد دمشق القديمة، بسبب تجدد محاولات محافظة العاصمة إكمال مشروعها السيئ الصيت في شارع الملك فيصل، وقدمت آراء علمية وأمثلة من مدن في العالم تفند الذرائع التي تتسلح بها المحافظة في محاولاتها.
وتناول النقاش المسألة من كل جوانبها، وتفرع أحياناً إلى مسائل تفصيلية. وجرى تأكيد أن مواجهة هذه المحاولات تستلزم وقوف القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني عند مسؤولياتها الوطنية، وضرورة أن تصب كل الجهود في حملة كبرى لوقف الاعتداءات المتكررة على المدينة والمحافظة على هويتها الحضارية. وأُشيرَ إلى أن المشروع أوقف في فترة سابقة وإلى أن كثيرين ساهموا بفعالية في ذلك، وكان التصدي فعالاً، فأثمر آنذاك تجميد تلك المحاولات، وينبغي أن تستمر اليوم وتتصاعد وتيرة الدفاع عن دمشق التي يسعى سماسرة العقارات لتحويلها إلى أبراج وبنايات فاقدة للروح والمعنى والهوية، ليجنوا من ذلك أرباحاً بالمليارات.. ومما يتذرع به مسؤولو محافظة دمشق وبعض المخططين فيها أنهم يسعون بمشاريعهم لحل أزمة السير في المدينة التي لم تعد شوارعها تتسع للأعداد المتزايدة من السيارات فيها، فهل تستحق دمشق، بموقفها السياسي، وبموقعها عاصمة ورمزاً لكثير من القيم، والتي تمثل تراكماً حضارياً يمتد في أعماق التاريخ البشري آلاف السنين، أن تُطمس وأن يهتك نسيجها المعماري، لتتبختر فوقه سيارات تزيد هواء المدينة وأرضها وفضاءها تلوثاً؟!
وإذ تنشر (النور) فحوى ما دار في اللقاء، فإنها في إطار دورها وموقفها، ستتابع هذا الملف وتطوراته في الفترة القادمة، وهي تدعو كل من تعز عليه دمشق وتراثها ومستقبلها إلى الاشتراك في هذه الحملة:
الأحياء خارج السور.. جزء أصيل من المدينة
شُيدت الأحياء العربية خارج السور، في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، كامتداد لدمشق داخل السور، بمعايير معمارية أخلاقية فلسفية تجسد العلاقة بالماء والخضرة والسماء والمناخ، وتعبر عن التكافل الاجتماعي، فلا تُفصل بيوت الفقراء عن بيوت الأغنياء، وتتداخل فيها الأبنية التاريخية كأمكنة تجمع وتعليم تبقي أبطال التاريخ في ملامسة الناس. في ذلك النسيج المعماري، تقع الخدمات في محور الحي فلا تتداخل في البيوت السكنية، وقد ظلت تلك الأحياء العربية حتى يومنا شاهداً للعرب على استمرار تاريخي حضاري، تفتقر إليه المستوطنات الصهيونية.
لكن مخطط إيكوشار الذي اعتمد لدمشق في سنة 1968 رأى أن دمشق أرض فارغة من التاريخ والذاكرة والعمارة، فلم يستثن من الهدم (دار البلدية) التي أُعلن منها استقلال سورية، ولا (جامع يلبغا)، ثاني أثر تاريخي بعد الأموي، ولا (مدرسة ست الشام) التاريخية، ولا بيوت شهداء أيار، ولا القصور الثمينة كبيت المرادي وبيت سبح في سوق ساروجة وبيت الشمعة في القنوات، وقد استُنْقِذت دمشق داخل السور بتوجيه سياسي من السيد الرئيس حافظ الأسد.
استكمال ملفات قديمة أم مخططات عقاريين؟
وبدلاً من استكمال حماية الهوية المعمارية بحماية الأحياء العربية خارج السور وما بقي من غوطة دمشق، دُفع إلى تدمير المساحات الخضراء، واخترقوا حي الصالحية الذي بناه المقادسة في القرون الوسطى. وبذريعة تصفية الملفات القديمة، حاولوا هدم سوق ساروجة، ثم هدم منطقة شارع الملك فيصل الممتدة من باب توما إلى ساحة الشهداء. وعلى الرغم من إيقاف المشروعين والتوصيات التي نصت على إلغائهما، عينت محافظة دمشق مؤخراً، برسالة إلى المنظمات، موعداً لبحث مصير الأحياء العربية خارج السور.. كأن منظمة أو مؤسسة أو جهة إدارية تملك الحق في هدم أحياء شُيِّدت في القرن الثاني الميلادي، لأن العقاريين يرونها أرضاً يجب استغلالها عمودياً، مع أن النظرة العاقلة تبين المشاكل التي سببها مثلاً شارع الثورة.
إن فصل الهوية المعمارية العربية عن الرؤية السياسية الوطنية أمر خطر، لأن مسألة الهوية تقع في قلب الصراع العربي الصهيوني:
أولاً، لأن النسيج المعماري يحتضن ذاكرة تاريخية، ولا نجهل أن إسرائيل تضع لمسألة الهوية ثقلاً كبيراً، فتدمر العمارة العربية أو تهودها.
وثانياً لأن النسيج المعماري نسيج اجتماعي إنساني يحتضن فعاليات محلية اقتصادية وأسواقاً محلية مستقرة لا يجوز كسر بنيتها لوضع أخرى مكانها، بذريعة حل أزمة السير. فالمعروف أن حل أزمة السير لا يكون بكسر هذه المدينة، بل بالمواصلات العامة.
وثالثاً لأن هذه الأحياء، من الناحية البيئية، تناسب الوضع المائي الذي لا يتحمل هدر الماء، وهي تتضمن مساحات أفقية للمشاة في مدينة لم تعد تتحمل المزيد من الزحمة، ولا يجوز حشوها بالمزيد من الأبراج، بل يجب السعي إلى ترميم ما هدمه العقاريون فيها.
مجلس الشعب والمختصون.. ماذا قالوا؟
إن مخطط إيكوشار، ونسخته المعرّبة، يلغي دمشق وما فيها من ذاكرة وعمارة، مناقضاً معايير حماية المدن القديمة، لأنه وهو ابن الانتداب، يحترم المدينة الشطرنجية ويحتقر المدينة العربية. وقد استطاع الرأي العام فيما مضى أن يحجّم تنفيذ مخططه، فأوصى مجلس الشعب مثلاً، بحماية سوق ساروجة، واستنقذ السيد أمين أبو الشامات مقطعاً من القنوات. وفي التسعينيات نص قرار من مجلس محافظة دمشق على حماية هوية دمشق الأفقية. وأكدت ذلك ندوات نقابة المهندسين، وكلفت المحافظة كلية العمارة في جامعة دمشق بدراسة سوق ساروجة واقتراح الحلول لحمايته تنفيذاً لتوصيات مجلس الشعب. فقدمت الكلية دراسة ومجسماً اعتمدته اللجنة التي كلفتها وزيرة الثقافة، بتوجيه من الرئيس الدكتور بشار الأسد، بتنفيذ الحماية. ثم نظمت ندوة تحدث فيها محافظ دمشق ووزير السياحة وممثل اليونسكو احتفاء بحماية الحي. لكن المحافظة عرقلت إعادة الصفحة العقارية، فبقيت البيوت الموجودة في الواقع غير موجودة في الصفحة العقارية، والموجود هو المخطط التنظيمي غير المنفذ، مع أن المخطط يسقط إذا لم ينفذ خلال عقدين.
أكد مخططو المدن السوريون والأوربيون في ندوة عن شارع الملك فيصل وحدة دمشق خارج السور وداخله، وبينوا أن مشروع محافظة دمشق لتلك المنطقة غير حضاري، وأن ذريعة كشف سور دمشق ساقطة، لأنه جرى سابقاً كشف السور في باب شرقي ولم يقدم ذلك شيئاً مهماً. وقد تبين أن هناك مخططات معدة سلفاً للتنفيذ، وليس في هذه المخططات ما يدل على أن قلب هؤلاء المخططين على دمشق وتاريخها وسورها، بل اتضح أن جهلاً فاضحاً يسم بعضهم.. ولهذا ربما يتكتمون ويداورون ويرفضون تقبل آراء المختصين.
اليونسكو تحذر.. ولكن من يسمع؟!
وفي ندوة نظمتها محافظة دمشق عام 2007، كان لممثلة اليونسكو ومركز التراث العالمي موقف واضح من مشاريع المحافظة، وهذا بعض ما قالته في تلك الندوة:
(دعوني أتذكر معكم أنه لدى تسجيل دمشق على قائمة التراث العالمي عام 1979 أبدت لجنة التراث العالمي قلقها بشأن التهديد الذي تتعرض له دمشق من التوسع العمراني السريع، وبعد مضي 28 عاماً فإن هذا القلق هو في الغالب ما أتى بنا إلى هنا اليوم.
ولهذا السبب بالذات، التوسع العمراني، فإن اتفاق التراث العالمي يتطلب وجود مناطق حماية حول المواقع التاريخية، ومسألة تحديد هذه المناطق ودورها هي موضوع معظم المشاكل التي تواجه مواقع التراث العالمي، وبصورة خاصة المدن التاريخية.
حددت المنطقة المحمية لدمشق عام 2002 من قبل المجلس الأعلى للآثار الذي وضع قائمة بضواحي دمشق التاريخية، وحدد المنطقة المحمية لموقع التراث العالمي (المدينة داخل السور)، تتضمن هذه المنطقة المحمية مناطق ساروجة والعقيبة والفرايين وباب السلام.
أود أن أعرض عليكم أمثلة من المناطق الحاجزة ومن المدن والمواقع المهددة بالتوسع العمراني أو بالمشاريع الكبيرة، هذه الأمثلة التي جذبت انتباه لجنة التراث العالمي في الأعوام الأخيرة.
تبين سلسلة الشرائح المصورة، هذه الأمثلة، كذلك أيضاً عملية إعداد التقارير في لجنة التراث العالمي (عرضت الشرائح المصورة بسرعة كبيرة)، ومؤخراً قدمت محافظة دمشق ووزارة الثقافة إلى مركز التراث العالمي خطة لاستخدام الأرض في المدينة القديمة داخل السور، وهي وثيقة قيّمة. لا توفر هذه الوثيقة مقاربة معمقة وشاملة مستندة إلى منهجية رفيعة للمدينة داخل السور فحسب، وإنما ترسم كذلك خطة محافظة على المدينة القديمة بتبنيها مقاربة متكاملة وآخذة بالحسبان العوامل البيئية والاقتصادية والاجتماعية والمادية. كتب هذه الوثيقة خبراء سوريون وأكاديميون وموظفون مدنيون كثير منهم موجود هنا اليوم، ومع ذلك فإن لدى مؤلفي هذه الوثيقة وجهات نظر متضاربة حول مشروع الضواحي الشمالية من السور.
حَرَمُ دمشق يشبهها وجزء منها
تحدثت ممثلة اليونسكو في ندوة نظمتها المحافظة عام 2007، ومما قالته:
ساروجة والعقيبة والفرايين وباب السلام موجودة في السجل الوطني، وهي واقعة في المنطقة المحمية لموقع التراث العالمي (حرمه)، وإذا نظرنا إلى المشروع المقترح من وجهة النظر هذه، استنتجنا أنه ليس بإمكاننا فتح طريق جديد داخل هذا النسيج العمراني التاريخي. وبالمثل لا نستطيع التفكير في (كشف) أسوار المدينة القديمة دون حماية النسيج العمراني الموجود بالقرب منها وإعادة تأهيله.
دعونا نتذكر أن دساتير الحماية العالمية تتفق كلها على اعتبار أن النسج العمرانية التقليدية والتاريخية تراث قيّم لا يجوز فصله عن الأوابد المنفردة، وبصورة عامة وفي سورية على وجه الخصوص، في هذه المدينة المليئة بالحياة إلى أقصى حد، فإن الأوابد كانت ولاتزال مرتبطة ارتباطاً عضوياً بمحيطها وبساكنيها، إذ تفقد الأوابد مبرر وجودها حين تحرم من بيئتها ومن محيطها الاجتماعي والاقتصادي.
وهنا أريد أن ألفت انتباهكم إلى ثلاث نقاط:
النقطة الأولى هي التجربة المدينية الموجودة في المنطقة المحمية الشمالية للمدينة داخل السور: ساروجة والعقيبة والفرايين وباب السلام. يمكن القول بسهولة إنها مشابهة إلى حد كبير لأجزاء عديدة من المدينة داخل السور، وأن لديها هي أيضاً معالمها من المساجد والساحات الرئيسية، ونوعاً مختلفاً من البيوت. وبغض النظر عن الأهمية التاريخية لهذه المناطق، فإن الاستمرار بين نسيجها العمراني ونسيج المدينة داخل السور واضح، وإنني أدعوكم لأخذ هذه النقطة بالحسبان.. وفي الحقيقة إذا مددنا المقاربة ذاتها المخططة للمناطق خارج سور المدينة، لتطبق في المدينة داخل السور، انتهينا بهدم الكثير من الأبنية الموجودة ضمن موقع التراث العالمي، بسبب حالتها المهترئة.
والنقطة الثانية التي أرجو أن تنظروا فيها هي التجربة العمرانية لزائر يسير بمحاذاة سور المدينة اليوم من باب توما إلى باب شرقي (شرق، جنوب شرق، وجنوب) وأبعد من ذلك.. بسبب أن هذا الجزء إلى حد ما هو التجربة ذاتها التي ينوي المشروع تنفيذها: إحداث حدائق عامة بمحاذاة سور المدينة وطريق مواز لها، ولذلك فمن المفيد جداً أن نرى ما إذا كانت هذه التجربة مشروع تخطيط مديني ناجحاً، قبل تكرار مبادئه. برأيي هذه التجربة فشلت، فالحدائق فارغة والجودة العمرانية لهذه المنطقة أكثر من مشكوك فيها.
والنقطة الثالثة تتعلق باحتفالية العام 2008 لدمشق عاصمة للثقافة العربية. من المفهوم والمنطقي تماماً أن تتصور بلدية دمشق حلولاً عمرانية وإعادة تأهيل عشية هذه المناسبة، ولكن ينبغي ألا يغيب عن بالنا أنه إذا أريد فتح طريق اليوم وتدمير النسيج العمراني على جانبيه، فسوف يكون من الصعب جداً حل هذه المسألة، بسبب أن الأبنية الموجودة سوف تُقسم إلى قسمين في معظم أجزاء الطريق.
المشروع لا يحل مشكلة المرور
وإذا بدأنا بالنظر إلى المشاكل المرورية في ضواحي دمشق في مقاربة أوسع، فسوف نجد حتماً حلولاً مختلفة لا تؤثر على المناطق العمرانية التاريخية. لا يمكن التوصل إلى حل مشكلة المرور في دمشق بالانطلاق خلال نسيج عمراني تاريخي من نقطة معينة أ إلى نقطة معينة ب.
إن المدينة أمكنة حية، والتوفيق بين حماية المدن التاريخية والتطور مهمة شاقة جداً. لا ينبغي بالتأكيد أن نجمّد المدن القديمة في حالة تآكلها خوفاً من اتخاذ إجراء، لقد اتبعتم منهجاً علمياً رفيعاً داخل السور، وأنا أدعوكم إلى اتباع المنهج ذاته في المنطقة الحاجزة حول شارع الملك فيصل.
تحذير واضح
وختمت ممثلة اليونسكو مداخلتها في تلك الندوة:
قال السيد رئيس مجلس الوزراء صباح هذا اليوم إن سورية تحتاج إلى معالجة مشاكل الصيانة في دمشق بمساعدة خبراء أجانب. وفي حالتنا يمكن القول إن الخبرة موجودة في سورية، واليوم من واجبي أن أذكّركم بمتطلبات اتفاق التراث العالمي وبدساتير الحماية العالمية المتعلقة بذلك. أعتقد أن علينا جميعاً أن نعمل معاً لتجنب إمكان تسجيل دمشق في قائمة (التراث العالمي في خطر)!
اللجنة الوزارية.. أيضاً!
وهذه مذكرة رفعتها اللجنة الوزارية المكلفة بدراسة المشكلة، ويلاحظ المدقق أنها ترفض ضمناً مشروع المحافظة، وتبين الأسباب:
عاجل جداً
السيد الدكتور وزير الثقافة!
بناء على الاجتماع المنعقد بمكتبكم بتاريخ 12/9/2007 بحضور السيد محافظ دمشق مع لجنة القرار رقم 776/و تاريخ 7/5/2007 وتكليفكم لأعضاء اللجنة بمهمة تحديد المناطق والعقارات الممكن هدمها بوصفها تشوهات أو مخالفات لا قيمة تاريخية أو أثرية لها، على أن تحدد بالأرقام والمصورات خلال مدة أقصاها 15 يوماً.
اجتمعت اللجنة بتاريخ 19/9/2007 بمكتب السيد معاون وزير الثقافة رئيس اللجنة، وبعد مناقشة طلب السيد الوزير بناء على التوصيات النهائية للجنة المذكورة المرفوعة للسيد الوزير والعودة إلى جميع الوثائق موضوع الشريحة.. توصلت اللجنة إلى مايلي:
1- تأكيد أن منطقة شمال السور، الممتدة من سوق الهال القديم وسوق ساروجة غرباً إلى مسجد الأقصاب وباب توما شرقاً، والعقيبة والعمارة البرانية وساروجة شمالاً وسور مدينة دمشق القديمة جنوباً، هي منطقة حماية لمدينة دمشق القديمة المسجلة في قائمة التراث العالمي في عام 1979. والتي تتكون من نسيج متكامل للعمارة التقليدية تتداخل فيه الطرز المعمارية التي عرفت في دمشق على مر تاريخها الإسلامي بكل عمائرها العسكرية المتمثلة بالأسوار والبوابات، والعمائر الدينية المتمثلة بالمساجد والجوامع، والتجارية المتمثلة بالأسواق التقليدية والسويقات، والعمارة السكنية المتمثلة بالمساكن التقليدية المنتشرة، والتي قدّم تقرير اللجنة حصراً دقيقاً لها، والتي تشكل معاً نسيجاً معمارياً واجتماعياً واقتصادياً هاماً تتطلب أعمال الهدم فيها وإعادة البناء مراعاة معايير ومواثيق التراث العالمي.
2- سبق للجنة من خلال الدراسة المقدمة أن قامت بتحديد الأماكن المسموح بهدمها في الشريحة موضوع الدراسة والمحددة في كتلتي سوق الهال القديم التي تخلو من القيمة الأثرية وتشكل عبئاً على المنطقة.
3- إن سوء الوضع الإنشائي لبعض العقارات والمباني والمنشآت العمرانية الموجودة في منطقة الدراسة سببها أعمال الاستملاك القديمة التي تمت على جزء من الموقع عام 1983، إضافة إلى عدم وضوح خطة التوظيف المستقبلي للمنطقة، الأمر الذي أدى إلى عدم السماح بأية أعمال ترميم وصيانة للمباني والبنية التحتية، وبالتالي تدني البنية الإنشائية للعقارات المستملكة.
4- إن تحديد أي مداخلة عمرانية أو معمارية (ترميم- هدم- إعادة بناء) مرتبط بوجود خطة تأهيل متكاملة تتفق مع النسيج العمراني للمنطقة.
5- تؤكد اللجنة أن تفاصيل الحالة المعمارية والإنشائية للعقارات كافة (موضوع منطقة الدراسة) متضمنة في تقريرها المرفوع للسيد الوزير الذي أكدت توصياته جملة من الاقتراحات التي تعدّ جزءاً من هذه الوثيقة.
من يقرر مصير دمشق؟
استغرب أحد المشاركين في اللقاء، وهو مختص بتخطيط المدن، أن قرار مصير دمشق، بتاريخها وهويتها وتراثها وموقعها وحجمها، يُتخذ بمعزل عن القوى السياسية الفاعلة، مشيراً إلى أن (المعركة) لمواجهة تغيير وجه دمشق بدأت منذ سنوات، مؤكداً أن القضية هي قضية وطن بالتأكيد، فمن هو صاحب القرار فيها؟ ولماذا تغيّب القوى السياسية عما يجري؟
لا يتعلق الأمر الآن فقط بسوق ساروجة، والقنوات، ومخاطر مشروع شارع الملك فيصل، بل نحكي عن مستقبل مدينة دمشق حتى عام 2030. فالآن تتجه المحافظة إلى وضع مصور تنظيمي عام لمدينة دمشق، وقد كلفت جهة فنية بذلك، وهو سيحدد المدينة حتى 2030، ويضع حلولاً للخدمات والمياه والبنية التحتية فيها. وأمر كهذا لا يجوز أن يبت به الخبراء فقط، وإن كان لهم دور أساسي طبعاً، لكن ينبغي أن يكون فيه قرار سياسي، وأن يأخذ المجتمع المدني دوره.
المطلوب.. مبادرة لوقف هجوم (الحيتان)!
يستلزم الأمر إذاً مبادرة من القوى السياسية، والمدينة بإنسانها، ولذا يجب أن يكون حاضراً، ولا يجوز أن يغيّب، وواضح الآن أن هناك (حيتاناً) تريد أن توظف أموالها في العقارات، على حساب الهوية والتاريخ والتراث، وهم يأخذون دُبيّ مثالاً. فهل يعقل أن تشيّد أبنية عالية تطل على المدينة القديمة، كأنما هي (حديقة حيوانات)؟!
يجب ألا يترك القرار للمتمولين والباحثين عن الثروة والثراء، وليس الأمر تحنيطاً للحيطان، فدمشق هي تراكم حضارات، ودمشق القرن الـ21 يجب أن تعبر عن هذا القرن أيضاً، على أن يكون هناك انسجام في هذا الخط.
المدينة سيعيش فيها الناس، ويستمرون في حياتهم بجوانبها المختلفة، فإن لم يكن فيها توازن، فسيؤدي ذلك إلى كوارث، ويجب التنبيه بقوة إلى ذلك. أحد جوانب المشكلة أن من يعملون في هذا التخطيط للمدينة محدودو التفكير.
هذه المدينة، دمشق، هي هذا التراكم التاريخي المستمر، وأمر مخزٍ أن يأتي الأجانب ليدافعوا عن سوق ساروجة وشارع الملك فيصل! فما مقياس الوطن والوطنية إذا كانت المدينة تتخرب؟!
خطوة.. خطوة
أبلغت محافظة دمشق مؤخراً أصحاب بعض البيوت، في محيط شارع الملك فيصل، بوجوب الإخلاء، وكانت قد استملكت أجزاء من المنطقة، على مدى فترات متباعدة، كان أولها عام 1975، بينما كان آخر مصور تنظيمي لدمشق قد صدر عام 1968. ومادامت محافظة دمشق نفسها تتحمل مسؤولية هذا الإهمال في تجديد المصور التنظيمي على مدى 40 سنة، فإنها تتحمل أيضاً مسؤولية إهمال آخر يتفاقم عاماً بعد آخر، وهو تردي وضع الخدمات في تلك المنطقة، والوضع المزري للبنية التحتية فيها. وبدلاً من أن تسعى لتحسينها، فإنها (تركب رأسها)، وتسعى لجرفها وإزالتها، بذريعة حل أزمة السير، رغم أنه لا يوجد دليل على أن المخطط الموضوع لشارع الملك فيصل سيحل أزمة السير هذه.
وإذا أرادت المحافظة حلاً واقعياً لأزمتي السير والتلوث، فإن وسائل النقل العام هي السبيل الأفضل، خصوصاً إذا استقدمت باصات تعمل على الغاز، ويمكن لها أيضاً أن تغير رأيها، وتحدّث الدراسات الموجودة لديها عن خطوط الميترو، وأن تبدأ بتنفيذها تدريجياً، فتنجزها على مدى سنوات، وبالتالي فإن ذريعة التكلفة العالية (7-8 مليارات ليرة سورية) تسقط، لأنه ليس مطلوباً ولا ممكناً إنجازها في فترة قصيرة. وإذا أجرينا مقارنة بين هذه التكلفة المفترضة، والخسارة التي ستنجم عن اختراق النسيج العمراني للأحياء المجاورة للسور وفق مخططات المحافظة، فإن هذه المليارات لا تشكل شيئاً يذكر، كما أنها لن تكون خسارة، وسيكون ممكناً تعويضها في سنوات قليلة، عدا أن هذا الحل سيخفف كثيراً من التلوث السمعي والبصري والنفسي، وتلوث الهواء، الذي تسببه ألوف السيارات التي تعبر المنطقة.
مجلس المدينة.. تحت الوصاية!
تتكرر في جلسات مجلس محافظة دمشق، عندما يطرح بعض الأعضاء أسئلة (محرجة) عبارة (إن جهات وصائية طلبت ذلك)، وعندما يطرحون مطالب يقال: (إن جهات وصائية تمنع ذلك)!
وفوق هذا فإن المجلس يتلقى معلومات بـ(القطارة) عن مشاريع المحافظة. فقد أُعلم المجلس مثلاً أن المحافظة استلمت المرحلة الأولى من المصور التنظيمي الذي نفذته جهة فنية خاصة، وأن هذه الجهة تلقت تعليمات أن تأخذ بالحسبان عدة معايير أحدها النسيج العمراني، ولكن المحافظة لم تعرض للمجلس مخططات المرحلة الأولى، واكتفت بإعطائه وعداً أنها ستعرض المخطط عليه لاحقاً.
توصيات
منذ سنوات أقر مجلس الشعب توصيات لجنة خاصة فيه درست مشاكل الاستملاك في سورية عموماً وفي دمشق خصوصاً، وأرسلت رئاسة المجلس تلك التوصيات إلى الحكومة للعمل بموجبها وأخذها بالحسبان في تعديل قانون الاستملاك. ويبدو أن الحكومة والجهات الإدارية العامة وضعت التوصيات بـ(الحفظ والصون)، وأقفلت عليها جيداً وماتزال هناك.. بينما تجد الوزارات والمحافظات في القانون الحالي (أساساً صالحاً) لتنفيذ مشاريعها الاستملاكية، وإن كان ذلك يأتي على حساب مصالح المواطنين وحقوقهم في بدلات استملاك عادلة وفي تأمين سكن بديل وعلى حساب تراث المدن- كدمشق- وتاريخها الحضاري وحياة أبنائها ومستقبلهم.
اجتماع قد لا يعقد!
في آخر المعطيات أن محافظة دمشق وجهت دعوة إلى بعض الهيئات والمنظمات والجمعيات، لتدارس موضوع الأحياء القديمة بدمشق، وحددت الموعد في 5/12/2009، غير أن الموعد أُجّل إلى 15/12.. وحتى مساء الاثنين 14/12 (موعد إغلاق التحرير وإخراج هذا العدد من الجريدة) لم يكن مؤكداً عقد هذا الاجتماع.. والأرجح أنه لن يعقد
النور

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات