بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
يهُودُ سُورية
  09/01/2010

يهُودُ سُورية


روبرت طوطل- موقع معابر الالكتروني
09/ 01/ 2010

روبرت طوطل كاتب وصحافي مستقل مقيم حاليّاً في نيويورك. كان، ما بين العامين 1994 و1997، طالباً في دمشق حائزاً على منحة فولبرايت دراسية. وهو يجيد اللسان العربي. أما تحقيقه حول "يهود سورية" فقد كَتَبَه كمشروع لنيل الماجستير من كلِّية الصحافة في جامعة كولومبيا. وقد أجاز روبرت لـمعابر نشرَ مقالته الممتازة أدناه، التي اطَّلعنا عليها منشورةً في موقع Syria Comment – على أن يطَّلع على ترجمتها قبل نشرها. عنوانه البريدي الإلكتروني (للراغبين في مراسلته): robert.tuttle@gmail.com.هذا الإيميل محمي من السرقة في القوائم البريدية , تحتاج لدعم جافا سكريبت لمشاهدته
عن هيئة تحرير معابر
أكرم أنطاكي

ذات ليلة من آحاد شهر شباط من العام 1975، بثَّت مجلةُ ستون دقيقة المتلفزة التابعة لشبكة CBS الأمريكية للأنباء ما قُيِّض له أن يصير أحد أكثر فصولها المبثوثة على الهواء إثارةً للجدل. كانت الحلقة بعنوان "أشرس أعداء إسرائيل"، وكان محقِّقها السيد مايكل والاس، الذي سافر إلى سورية بعد انقضاء سنة وحسب على "حرب يوم كِپُّور" ["يوم الغفران"، حرب أكتوبر/تشرين]، حيث أجيز له تصويرُ مقابلات مع أفراد من الطائفة الموسوية السورية التي كان تعدادها يومذاك 4500 شخص تقريباً.
آنذاك، كانت المجموعات المؤيدة لإسرائيل، على الصعيدين الأمريكي والدولي، تصوِّر يهودَ سورية كأقلية مضطهَدة، تعيش في غيتوات، مقيَّدةَ الحركة وخاضعةً دوماً لخطر الاعتقال. أما بطاقات الهوية المخصَّصة لهم فكانت مختومةً بكلمة "موسوي" – وهو تعبير عربي مهذب كنايةً عن اليهودي – بحروف كبيرة حمراء.
قال والاس: "كنت أعرف أن الموضوع شديد الإثارة للجدل، وأن الإسرائيليين بخاصة كانوا يتبرعون بأموال طائلة لإنفاقها على قضية اليهود في سورية، فأردت أن أتحرى الأمر بنفسي. لذا فقد ذهبنا إلى هناك."
ما اكتشفه والاس في سورية كان مفاجأة له. فقد وجد أن اليهود السوريين كانوا خاضعين فعلاً لمراقبة خاصة ولقيود غير مفروضة على غيرهم من المواطنين السوريين. لكنه في برنامجه أشار إلى أنه "على الرغم من كلِّ ما قلت، لا بدَّ من إضافة أن حياة يهود سورية اليوم باتت أفضل مما كانت عليه في السنوات الماضية". وقد اشتمل التحقيق على مقابلتين مع صيدلاني يهودي صرَّح أن مزاعم المعاملة السيئة بحقِّ اليهود مجرد "دعاية صهيونية"، ومع معلِّمة مدرسة يهودية قالت إن من المتعذر عليها أن تتخذ من إسرائيليةٍ صديقةً صدوقة.
في الأيام والأسابيع التي تلت البث، تلقَّت CBS وابلاً من رسائل الاحتجاج من مشاهدين ومجموعات يهودية، تشكو أن والاس قدَّم صورة غير صحيحة عن سورية وأن اليهود الذين قدَّمهم ما كانوا ليستطيعوا أن يعبِّروا عن أنفسهم تعبيراً حرّاً بأية حال من الأحوال. بالمثل، نَعَتَ "المؤتمر اليهودي الأمريكي" البرنامجَ بأنه "غير صحيح ومشوَّه"، ورفع شكوى بهذا الخصوص إلى "المجلس القومي للأنباء" (منظمة مرتحمة كانت تتولى ملاحقة الشكاوى على صحة الأنباء الصحافية وإنصافها). لكن الاهتمام الذي لاقاه المقطع المبثوث حثَّ ستون دقيقة على إعادة بثِّه في حزيران التالي وصاحبَه على العودة إلى دمشق لتصوير مقطع جديد من التحقيق.
في أثناء تصوير والاس للحلقة الثانية، قابل الدكتور نسيم حاصباني، الذي كان طبيباً يهوديّاً شابّاً مرموقاً، يمارس الطب ممارسةً ناجحة في عيادة خاصة في قلب دمشق. وبصفته أحد أعضاء اللجنة المشرفة على الشؤون اليهودية، كان الدكتور حاصباني واحداً من حفنة صغيرة من وجهاء اليهود المصرَّح لهم بالكلام علناً باسم الطائفة.
أخبر حاصباني والاس بأن اليهود مرتاحين إلى حياتهم في سورية. وقد أراه بطاقة هويته الجديدة التي لا تحمل كلمة "موسوي" مختومةً عليها، وقال: "قالت لنا الحكومة بأنهم ينوون إعطاءنا بطاقات هوية مثل جميع السوريين – من دون أيِّ ذكر للدين – وهذا ينطبق على الجميع".
لكن والاس ما لبث أن طرح على حاصباني سؤالاً حادّاً ومحرِجاً: "دكتور حاصباني، لو قيل لجميع يهود سورية إنهم أحرار في مغادرة البلد، في الذهاب إلى الولايات المتحدة أو مكسيكو أو إسرائيل، أو إلى أيِّ مكان – كم منهم في اعتقادك سيغادر؟" فأجابه حاصباني: "أعتقد أنه لا أكثر من 5 في المئة منهم [سيهاجرون] إلى، إلى إسرائيل. وإذا شاءوا، ربما، المغادرة إلى الولايات المتحدة، إلى البرازيل، أو إلى... إلى بلد آخر، ربما ناهز العدد 20 أو 30 في المئة".
بعد انقضاء 15 سنة على ذلك التاريخ، مُنِحَ اليهودُ السوريون حريةَ الهجرة إلى الخارج، وفي غضون سنوات قليلة، غادر البلادَ أفرادُ الطائفة كلهم تقريباً – وأقل من نصفهم بقليل إلى إسرائيل. ومن حوالى الثلاثين ألف يهودي الذين كانوا يعيشون في سورية في العام 1947 لم يبقَ اليوم، بحسب زعماء الجالية في الولايات المتحدة، إلا أقل من خمسين، يعيشون – إلا حفنة صغيرة منهم – في دمشق.
ذلك لأن غالبية اليهود السوريين يعيشون اليوم في ضواحي جنوب بروكلين المتلاصقة، في منازل عائلية مفردة تقع ضمن منطقة تمتد مساحتُها على بضعة أميال مربعة، حيث يتقاطع Ocean Parkway مع شارع سوق Kings Highway المزدهر. وهذه المنطقة لا تشبه، لا من قريب ولا من بعيد، حارات اليهود العريقة في دمشق وحلب والقامشلي، وإن يكن اليهود السوريون قد ابتنوا ضواحي جديدة صاخبة. فإذا اتفق لك أن تتدرَّج في أيٍّ من شوارع جنوب بروكلين، ستسمع الجيران يدردشون بالعربية، وستجد الدكاكين تبيع سلعاً كـ"قمر الدين" والعدس والفول وغيرها من المأكولات المألوفة في المطبخ السوري.
هاهنا يعيش حاصباني الآن مع زوجته في منزل متواضع مستأجَر. إنه، وقد جاوز الستين من عمره، لم يعد ذلك الطبيب المفعم حيويةً الذي كانه قبل ما ينوف على الثلاثين عاماً؛ إذ إنه عزف عن ممارسة الطب بُعيد هجرته إلى الولايات المتحدة في أوائل التسعينات، وحاول، من غير جدوى، القيام ببعض الأعمال التجارية، حتى آلت به الحالُ إلى الاعتياش من مدخراته الزهيدة. وهو يعاني من مشكلة في القلب تحد من حركته. يفضل حاصباني التكلم بالعربية، ويبتسم في سخرية حين يستذكر لحظة شهرته الوجيزة على شاشة التلفزيون الأمريكي. فهو، على كونه من جالية تتجنب الشهرة، متحدث ذرب اللسان، مفعم حيوية واتقاداً.
لقد قال الدكتور حاصباني إن القصة الحقيقية ليهود سورية، في إطار الجدل الشديد الانفعال الدائر حول الصراع العربي–الإسرائيلي، أعقد بكثير مما قيَّمه والاس ومنتقدوه جميعاً: فمن جهة، كان منتقدو ستون دقيقة محقين في تشكيكهم في تصوير حاصباني الورديِّ لحياة اليهود في سورية آنذاك. ففي بلد يُعَد ألد أعداء إسرائيل، بقي اليهود السوريون طويلاً خاضعين لقيود خاصة، وضحايا لعدم الثقة، وعرضة، أحياناً، لاضطهاد صريح. ففي حلب، أُحرِقَتْ الكُنُس اليهودية وخُرِّبَتْ بُعَيد إقرار الأمم المتحدة تقسيم فلسطين في العام 1947. وفي العام 1949، وُضِعَتْ قنبلة في كنيس يهودي في دمشق، مما أدى إلى مقتل 20 شخصاً. وخلال حرب النكسة – التي خسرت فيها سورية سيطرتها على مرتفعات الجولان المُطِلَّة على الجليل – اقتحم مقاتلون مسلحون فلسطينيون دوراً لليهود وشهروا بنادقهم في وجه أفراد عائلات يهودية؛ وهذا الحادث، وإن لم يسفر عن ضحايا، كان تذكيراً للطائفة الموسوية بمقدار هشاشة وضعها.
وإبان معظم سنوات التاريخ السوري التالية للعام 1947، لم يكن مسموحاً لليهود بمغادرة بلادهم إلا فيما ندر من المناسبات، وكان التنقل داخل سورية يتطلب موافقة [أمنية] خاصة. أما اليهود الذين غادروا سورية فعلاً، فقد هربوا سرّاً عبر تركيا أو لبنان؛ وواصل معظمُهم رحلتَه حتى الولايات المتحدة أو إسرائيل. أما مَن قُبِضَ عليه منهم فقد أودِعَ السجن.
ولقد اعترف حاصباني بأن تصويره الوردي لسورية كان بنيَّة كسب حظوة لدى السلطات السورية؛ لكنه أضاف بأن حلقة ستون دقيقة لم تكن كاذبة كلها: فأوضاع يهود سورية كانت بدأت تتحسن فعلاً، وقد استمرت في التحسن إبان الأشهر والسنوات التي تلت زيارة والاس.
غير أن حنين حاصباني إلى مسقط رأسه يبدو غريباً على رجل يقول إنه قضى معظم سنوات دراسته في كلِّية طب جامعة دمشق متستراً تقيةً لدينه، رجل طُعِنَ شقيقُه حتى الموت بيد شخص كان يفاخر بأنه قتل يهوديّاً. "أنا أحيا في الماضي"، قال – وهذا كان واضحاً من قصاصات الصحف والصور وغيرها من التذكارات التي مازال محتفظاً بها من أيامه في سورية. لقد نشر في تأنٍّ بطاقة هوية قديمة مهترئة كُتِبَت عليها كلمة "موسوي"، كما عرض صورةً له وأسرته إلى جانب إدوارد جرجيان، السفير الأمريكي إلى سورية من 1988 إلى 1992، في منزل السفير الفخم في دمشق. لكن من جملة التذكارات، يعتز الطبيب السوري اعتزازاً خاصّاً بكدسة صغيرة من قصاصات الصحف المطوية تُظهِره وغيره من وجهاء الطائفة الموسوية يصافحون الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد.
فالأسد، الذي انتزع مقاليد السلطة في انقلاب العام 1970 وظل على رأسها حتى وفاته بعد ذلك بثلاثين عاماً، يعده جزءٌ كبير من العالم دكتاتوراً طاغية لم يسمح بأية معارضة، بل قمعها قمعاً عنيفاً كلما ظهرت. وقد شن في العام 1973، إلى جانب الرئيس الراحل أنور السادات، هجوماً جريئاً مباغتاً – وإنْ لم يفلح عموماً – على إسرائيل بهدف استعادة شبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان بالقوة. كان إسرائيل قد احتل كلا المنطقتين في حرب الأيام الستة في العام 1967. لكن الأسد، خلافاً للسادات الذي جمع بين العمل العسكري وبين السعي الجَسور إلى السلام بالسفر إلى القدس بعد أربع سنوات لمخاطبة الكنيست، بقي ملتزماً بصراعه ضد الصهيونية.
ففي العام 1978، عارض معاهدة كامپ ديفيد بن مصر وإسرائيل، وكان غير متحمس لاتفاق أوسلو بين إسرائيل والفلسطينيين، الموقَّع بعد 15 عاماً من ذلك. وقد انتقد الأردن لتوقيعه معاهدة سلام مع إسرائيل في العام 1994، كما ساند ميليشيا حزب الله اللبنانية في قتالها ضد القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، ودعم طيفاً واسعاً من الفصائل الفلسطينية المعارِضة لعملية أوسلو. وعلى الرغم من أن سورية اشتركت فعلاً في مفاوضات متقطعة مع إسرائيل بوساطة أمريكية، فكانت، في أواخر حياة حافظ الأسد، قاب قوسين أو أدنى من تسوية نهائية، بقي السوريون في العلن فاترين قطعاً في مقاربتهم للمفاوضات: ففي العام 2000، حين التقى وزير الخارجية السوري فاروق الشرع برئيس وزراء إسرائيل إيهود باراك، إبان مفاوضات شپردزتاون في وست فيرجينيا، رفض مصافحة الزعيم الإسرائيلي علناً.
غير أن الكثير من يهود سورية مازالوا يتذكرون الرئيس الأسد على نحو مختلف. قال حاصباني: "في نظرنا كان، بالطبع، مسيحاً مخلِّصاً". فقبله، "لم نكن نستطيع السير أربعة كيلومترات [من دون إذن]. لم يكن مسموحاً لنا أن نبيع ونشتري [عقارات]. وحين كنَّا نسير في الشارع، كان واحدنا يخاف أن يقول إنه يهودي. كانت هناك مدارس [يهودية]، أجل؛ لكنْ كان هناك دائماً شخص من الحكومة واقف على رأسك وقادر أن يفعل ما يشاء." وأضاف حاصباني إن الأسد كان مختلفاً عن الزعماء السوريين السابقين في كونه أول رئيس يولي اهتماماً حقيقيّاً لشؤون يهود سورية: "عندما قابلناه في العام 1976، نهض الناس [اليهود]. فعندما تُجالِس الرئيس لا يجرؤ الناس في الخارج على التعرُّض لك؛ مَن هو ضدك لا يقدر أن يؤذيك، وقد رأى أن الرئيس يستقبلك ويتصوَّر معك".
إن مشاعر كهذه حيال رجل لطالما عُدَّ ألدَّ أعداء إسرائيل قد تفاجئ بعض المتابعين لنبض الشرق الأوسط؛ لكنها مشاعر نمطية للغاية بين الـ3000 سوري يهودي تقريباً الذين هاجروا إلى بروكلين وإسرائيل منذ أكثر من عقد. فالكثير منهم يشكو مرير الشكوى من العسف والتمييز اللذين عانوا منهما في سورية إبان عقود، قبل أن يُسمَح لهم بالرحيل؛ وكاليهود في كلِّ مكان، يجاهر العديد منهم بتعاطفه مع دولة إسرائيل ومع سياساتها. لكن، في الوقت نفسه تقريباً، – يقدِّر الكثيرون منهم الأسد – ذلك الرجل الذي بنى صورته العامة على صيانة الشرف العربي في صراع شهم ضد الدولة العبرية – بوصفه الرجل صاحب أكبر الفضل في منحهم حريتهم. لقد قال جاك البقاعي، رجل الأعمال السوري اليهودي، صاحب متجر خاصٍّ ببيع الهواتف الخليوية في Kings Highway، متكلماً بالعربية: "قبل حافظ الأسد، كان الناس يخافون من المجاهرة بأنهم يهود. لذلك حين ساعد على تحسين الوضع استبشرتُ فيه خيراً لنا".
في العام 1976، قابل الأسد وجهاء الطائفة الموسوية، بمن فيهم حاصباني وإبراهيم حمرا، حاخام دمشق الأكبر، والمرحوم سليم طوطح، رئيس الطائفة الموسوية السورية آنذاك. وقد تذكر حاصباني أنه أخبر الأسد يومذاك بأمر القنبلة التي وُضِعَتْ في أحد كُنُس دمشق في العام 1949، وقال: "لم يكن الرئيس الأسد على علم بالأمر؛ لذا بدا مستغرباً حين أخبرته به، فسألني: "مَن فعلها، أتراها الحكومة؟" فأجبته: لا، ليس الحكومة، بل بعض الرعاع".
كان اللقاء، في رأي حاصباني، تاريخيّاً. ففي الأشهر والسنوات التي تلت، رُفِعَ معظم القيود عن اليهود، وآل ختم "موسوي" إلى الزوال من على جميع الأوراق الثبوتية – لكنْ ليس بالسرعة التي توهَّمها والاس بناءً على مقابلته مع حاصباني. كما رُفِعَ عن اليهود حظرُ التنقل داخل البلاد، وسُمِحَ لهم بممارسة أعمال كانت محظورة عليهم سابقاً، كالاستيراد والتصدير مثلاً، وصار بوسع اليهود شراء العقارات وبيعها، وبدأت الجالية بالازدهار.
القيد الوحيد الذي بقي مفروضاً على اليهود كان تحريم الهجرة الحرة إلى الخارج مع أفراد عائلاتهم؛ وهو قانون ظل سارياً حتى العام 1992. لكن كانت هناك استثناءات: ففي أعقاب اجتماع انعقد في العام 1977 بين الأسد والرئيس الأمريكي جيمي كارتر، بادر الرئيس السوري إلى السماح بهجرة حوالى 24 امرأة يهودية سنويّاً إلى الولايات المتحدة للانضمام إلى أزواج المستقبل، تصحيحاً لاختلال في التوازن بين الجنسين في الجالية.
ربما كان مردُّ لين الرئيس السوري المتزايد حيال اليهود، في جانب منه، إلى الضغوط الدولية للولايات المتحدة وحكومات أجنبية أخرى ووسائل الإعلام الدولية على نظامه. وبالفعل، أصبح اليهود السوريون موضع مقايضة دبلوماسية يمكن للحكومة السورية أن تلعبها كلما رغبت في تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة أو تقوية وضعها التفاوضي مع إسرائيل. والأنكى أنه حتى بعد أن رفع الأسد القيود على الطائفة الموسوية، ظل هناك العديد من المشقات: فاليهود الذين كانوا يُضبَطون محاولين الهرب ظلوا يُحبَسون. والعديد منهم يشكون استمرار مواجهتهم لمضايقات من ضباط المخابرات السورية وغيرهم من المسؤولين الصغار. فقد تذكَّر أحد أفراد الجالية زيارته لإدارة مرور حلب كي يجدد رخصة سوقه، مسلحاً بالأمر الرئاسي الذي يبطل لزوم وضع ختم "موسوي" على الأوراق الثبوتية لليهود كافة. يومذاك، أخبره المسؤول الجالس وراء المكتب أنه لا يحق له تجديد رخصة السوق عندئذٍ لأنه لا يحمل ختم "موسوي". ويتذكر الرجل أنه حين احتج، شاهراً الأمر الرئاسي، قال له المسؤول: "لن أختمه بالأحمر، بل بالأرجواني".
لكنْ مهما تكن العراقيل التي ظل اليهود يواجهونها، لم تفقد في الغالب صورةُ الرئيس الراحل شيئاً من بريقها في أعين العديد من أبناء الطائفة الموسوية السورية. فمع أن الأسد كان معروفاً بإدارته الدقيقة لشؤون بلاده، لا يلومه إلا القليل من اليهود السوريين، ولا حتى لوماً غير مباشر، على ما عانوه من مصاعب خلال سنوات حكمه الثلاثين. إن قصة ألبير فويرتي لمعبِّرة في هذا الصدد: فقد قَدِمَ فويرتي إلى الولايات المتحدة في أوائل التسعينات، إبان آخر موجات هجرة اليهود السوريين إلى الولايات المتحدة. وفويرتي هذا خجول، إلا أنه سرعان ما ينفعل ويتوقد حين يتحدث عن حياته. (معظم كلامه كان بالعربية).
كان فويرتي يملك فيما مضى مصنعاً لخياطة ملابس للأطفال، لكنه اليوم يدير متجراً صغيراً للثياب المستعملة في جادة ماكدونالد في بروكلين. قدومه إلى أمريكا لم يكن بالبهيج. ففي العام 1949، في أعقاب التفجير الذي وقع على كنيس دمشق، تم ترحيل شقيقتيه إلى إسرائيل مع أطفال يهود آخرين. وقد خططت أسرة فويرتي للانضمام إلى البنتين؛ لكن، بُعيد ترحيل الأطفال، أغلقت سورية أبوابها في وجه الهجرة اليهودية، الأمر الذي حال دون أسرة فويرتي والتواصل مع البنتين طوال العشرين سنة التالية.
وفي أوائل السبعينات، تمكن فويرتي من الحصول على تصريح بالسفر إلى إنكلترا لمعالجة ابنه المريض. وفي أثناء زيارته، قام بترتيبات سرية، عن طريق السفارة الإسرائيلية، لاستقدام إحدى شقيقتيه إلى لندن حتى يستطيع رؤيتها؛ أما شقيقته الأخرى فكانت مريضة ولم تكن تستطيع السفر. وهكذا اجتمع الشقيقان، لكن الزيارة كانت خاطفة. وهو يتذكر أنه فكر يومذاك: "لا بدَّ لي أن أعود، فلا خيار لي."
وعاد فويرتي إلى الوطن وأخبر أمَّه عن اللقاء. وقد انقضى ما ينوف على العشرين عاماً قبل أن تسمح الحكومة السورية أخيراً لليهود بالهجرة. وإذ بدأ اليهود السوريون ببيع منازلهم وأعمالهم وبالهجرة إلى أمريكا، تقدَّم فويرتي بطلب للحصول على جوازات سفر لأسرته كلها حتى يستطيعوا السفر إلى الولايات المتحدة. أمنيته كانت، على حدِّ قوله، أن يشهد لقاء أمِّه العجوز بابنتيها المفقودتين. وبعد أيام، منحتِ السلطاتُ السورية جوازات سفر للعائلة، باستثناء أحد أبناء فويرتي الذي مُنِعَ من السفر لأسباب مجهولة. ولم يشأ فويرتي ترك ابنه؛ لذا ظل مدة سنتين مواظباً على مراجعة مكتب ضابط المخابرات المسؤول عن الشؤون اليهودية: "كنت أزوره كلَّ يوم في المكتب. كنت مدركاً لما يفعل: كان يريد تعذيبي وحسب".
وفي النهاية، في أواخر العام 1994، بعدما هاجر معظم اليهود السوريين، مُنِحَ ابن فويرتي أخيراً جواز سفر، وبدأت العائلة تستعد للرحيل. عندئذٍ، قبل أيام وحسب من الموعد المحدد للمغادرة، بينما كانت شقيقتاه تنتظران في بروكلين، توفيت أم فويرتي فجأة. وفيما بعد، وهو في طريقه إلى المطار، توقف عند المقبرة اليهودية وتخشَّع عند قبرها: "قلت لها: أنا آسف، يا أمي، سامحيني... لا أستطيع أن أساعدك لترَي ابنتيك. إن آخر صورة أراها في سورية هي أمِّي." كان فويرتي شديد المرارة: "أشعر أنه لا أحد يقدر أن يُنسيني ما حصل معي... لماذا فعلوا بي ما فعلوا؟ لماذا؟"
لكنه بعد أن روى تجربته منفعلاً، عاد هادئاً من جديد، وقال: "أنا مشتاق لسورية، مشتاق لأصدقائي، لكني مذعور... مشكلتنا الوحيدة [في سورية] كانت مع المخابرات. كنَّا نعيش مع المسلمين والمسيحيين... كنَّا عائلة واحدة... كانوا يحبوننا".
وقال فويرتي إنه محال أن يكون الرئيس الأسد على علم بما تعرَّض له هو وبعض اليهود الآخرين من مضايقات. وأضاف: "لقد أحسن إلى اليهود... أعطانا حريتنا... يجب أن يضع هذا الشخص [رئيس الشؤون اليهودية] في السجن، لأنه شوَّه سمعة سورية. لو علم [الأسد] بالأمر لما سمح لهم".
والمفاجئ أن بعض اليهود السوريين يكادون أن يبرِّروا حتى تلك القيود التي فرضتْها عليهم الحكومةُ السورية. قال حاصباني: "كنت أعيش مع سوريين. آكل وأشرب... ولا مانع عندي أن يحرموني من بعض الأمور. ففي نظري، لا أطالب بحقوقي كلِّها [لأنهم] لن يعطوني حقوقي كلَّها، لأني أكنُّ مشاعر لإسرائيل، عدو سورية".
في العام 1987، اعتُقل شقيقان يهوديان من آل سويد لأنهما زارا سرّاً أقرباء لهما في إسرائيل – وكان هذا أمراً محظوراً على جميع المواطنين السوريين. وقد قضى الشقيقان السنوات الخمس التالية في السجن، إلى أن عفا عنهما الرئيس الأسد في العام 1992. وقد صارت قضية الشقيقين سويد آنذاك محلَّ تركيز اهتمام المجموعات اليهودية حول العالم وهدفاً لحملة شخصية نهض لها ناشطٌ كندي يدعى جودي فِلْد كار.
أما حاصباني فقد رأى وضع آل سويد من منظار مختلف. فالسفر إلى إسرائيل كان جناية كبرى، على حدِّ قوله؛ ولو لم يكن الشقيقان سويد يهوديين لكانا أُعدِما على الأغلب. وتساءل حاصباني: "أية بطولة هي التي قام بها الشقيقان سويد؟! لقد كانا في سورية، ثم ذهبا إلى الأرجنتين، ومن هناك ذهبا إلى إسرائيل، ثم عادا إلى سورية. إسرائيل دولة عدوة. فلماذا ذهبا إليها؟ هل كانا يتوقعان من حافظ الأسد أن يرحِّب بهما لدى عودتهما؟!" (في الواقع سافر آل سويد إلى إيطاليا، وليس إلى الأرجنتين.) وأضاف فردٌ آخر من أفراد الجالية أن رحلة الشقيقين سويد عرَّضتِ الطائفةَ برمَّتها للخطر: "إذا كنت حَمَلاً لا يجوز لك أن تلعب مع الأسود!"
حين توفي الأسد في العام 2000، قام ثلاثة يهود من أصل سوري مؤيدون لليكود – الحاخام اليهودي السوري المرموق جاك كاسين، وأحد رؤساء طائفة الحصيديم ["الأتقياء"، أصحاب تيار يهودي يستلهم مذهب القبالة، مفضلاً الصلاةَ على الدراسة النظرية – المترجم] جاك أفيتال، ورجل أعمال آخر يدعى سام طمب – بنشر نعي في الـNew York Times معزِّين بوفاته، على الرغم من أن طمب اشتكى لاحقاً لصحيفة The Jewish Week بأن كاسين أضاف اسمه دون أخذ إذنه. وقد دُعِيَ كاسين لحضور الجنازة، لكن مسؤولاً سوريّاً أفاده بأنه ليس في الإمكان ضمان سلامته بسبب تهديدات من شقيق الأسد الراحل ومنافسه رفعت، بحسب الصحيفة نفسها.
لكن عبادة شخصية الأسد لم تنتهِ بوفاته. فابنه وخليفته بشار، طبيب العيون المتدرِّب في إنكلترا، لا يتمتع بالتقدير نفسه الذي كان يتمتع به والدُه، حيث قال بعض اليهود السوريين بصفة خاصة إنهم يعتبرون بشار صغير السن وقليل الخبرة، يبالغ في الاتكال على مستشارين عديمي الذمة في الغالب. لكن أغلبهم قالوا إنهم واثقون بأنه قادر في المآل على مواصلة ميراث والده. فقد قال حمرا، كبير حاخامات دمشق السابق الذي يعيش حاليّاً في إسرائيل، بالعربية: "الحمد لله أن الاستقرار في سورية استمر. إن وجوده في الحكومة والوضع المستقر الدائم في سورية هو برهان على نجاحه. لكنه يحتاج إلى وقت لكي يصير في حكمة والده." وأضاف يهودي سوري آخر: "الأسد [الابن] هو أفضل رهان لأمريكا وللجميع. إذا كان قويّاً بما يكفي وتدبَّر أمره، فسيفعل الكثير من الأمور الجيدة. إنه أفضل الخيارات لأمريكا ولإسرائيل، مهما قال".
في مقابل أسلوب والده الرفيع في دبلوماسيته، أدلى بشار ببضع ملاحظات استنفرتْ إدانةً حادةً من رؤساء العالم؛ فقد انتُقِد انتقاداً واسعاً على تعليق فاه به أمام البابا في العام 2001، قرأ فيه الكثيرون عداءً للسامية. يومذاك نُقِلَ عنه قولُه: "لقد حاولوا [اليهود] أن يقتلوا المبادئ في الأديان كلِّها، بالعقلية نفسها التي خانوا بها عيسى عليه السلام، وبالطريقة ذاتها حاولوا خيانة النبي محمد وقتله." ففي حين استفزَّ التعليقُ استنكاراً واسعاً من المجموعات اليهودية في الولايات المتحدة وإسرائيل، قال بعض اليهود السوريين إنهم يعتبرون الخلاف سخيفاً ونتيجة لقلة الخبرة أو لمشورة سيئة. فقد قال أحد أفراد الجالية: "لا أظنه معادياً للسامية. إنه يقول ما يُرضي الناس من حوله." حاصباني رأى الرأي نفسه، إذ وصف ملاحظة الأسد بـ"العلاك" (تعبير سوري عامي يعني "لغو").
أغلب الظن أن آراء كهذه أنباءٌ مرحَّب بها لدى الحكومة السورية المتمترسة. فالعلاقات بين الولايات المتحدة وسورية لم يسبق لها، منذ التدخل الأمريكي الكارثي في لبنان في العام 1982، أن توتَّرت كما هي اليوم. فاسم سورية وارد في قائمة الخارجية الأمريكية بالدول الداعمة للإرهاب، وهي تتعرض حاليّاً لضغوط شديدة كي تمنع الإرهابيين من عبور حدودها إلى العراق، وتكفَّ عن التدخل في شؤون جارها لبنان، وتوقف كلَّ دعم للفصائل المقاتلة ضد إسرائيل، بما فيها حزب الله وحماس. وفي العام 2004 تحديداً، وقَّع الرئيس بوش على "قانون محاسبة سورية"، الذي فرض طائفةً من العقوبات (الرمزية في الغالب) في حقِّها، وهدد بإيقاع عقوبات جديدة إذا لم يغيِّر السوريون من سلوكهم. وفي أيلول، أفلحت الولايات المتحدة وفرنسا في تمرير قرار مجلس أمن الأمم المتحدة رقم 1559 المُطالِب بانسحاب القوات السورية من لبنان.
كذلك أدى اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري، في انفجار مروِّع وسط بيروت، إلى مزيد من التدهور في العلاقات. ومع أن سورية أدانت الاغتيال، فإن الكثيرين في لبنان والخارج يشتبهون اشتباهاً شديداً في تورط عناصر من الأمن السوري في العملية. وقد أدى هذا الاغتيال إلى قيام مظاهرات احتجاجية جماهيرية ضد سورية – كما وبعض المسيرات المؤيدة لها – في شوارع بيروت. وجددت أمريكا وفرنسا، اللتان انضمت إليهما روسيا وعدد من الدول العربية، نداءاتِها المطالِبة بالانسحاب السوري الفوري من لبنان، بالتزامُن مع إجراء الانتخابات البرلمانية اللبنانية في أيار [2005]. ولدى كتابة هذه السطور، كان الجنود السوريون قد شرعوا في شد الرحال والانسحاب إلى ما وراء الحدود.
وسط هذه المعمعة، شرع السفير السوري في الولايات المتحدة، الودود على غير العادة، السيد عماد مصطفى، في حملة علاقات عامة، في محاولة لتمليس بعض الحواف الخشنة في صورة وطنه. وقد ظهر في انتظام على شاشات التلفزيون، ومنذ تولِّي منصبه قبل ذلك بعامين، حاول أن يمد يُمنى الوفاق إلى مجموعات ومشرِّعين معروفين بعدائهم المزمن لسورية. وفي كانون الثاني من العام 2005، رافق مصطفى جون كيري، المرشح الديموقراطي السابق للرئاسة وأحد واضعي مسودة "قانون محاسبة سورية"، إلى دمشق لمقابلة الرئيس الأسد. وطوال العام 2004، ظل مصطفى يقوم بجولات في أحياء جنوب بروكلين اليهودية السورية، معرفاً بنفسه إلى أبناء هذه الجالية، عاقداً الصداقات بين صفوفها، ومشجعاً اليهود السوريين على زيارة وطنهم الأم. وفي العام نفسه، رافق مصطفى وفداً من اليهود من أصل سوري البارزين – وبعضهم معروف بصلاته الوثيقة بأعضاء من حكومة إسرائيل الليكودية – في زيارة إلى سورية؛ وفي دمشق، عقد الوفدُ لقاءً مع الرئيس الأسد وزار بعض المواقع اليهودية البارزة في البلاد.
لقد قال مصطفى إنه مدرك لصلات بعض اليهود السوريين بإسرائيل، وهو يرجو أن يساعد اختراقُه هذا للجالية اليهودية مؤخراً، في المآل، على إعادة إحياء المفاوضات بين بلاده وبين الدولة اليهودية: "نحن لا نتوقع [من اليهود السوريين] أن يفعلوا شيئاً حيال النزاع السوري–الإسرائيلي، لكننا واقعيون"، قال متكلماً تحت صورة كبيرة للرئيس بشار الأسد معلَّقة في السفارة السورية. "نحن نفهم ما يجري: لديهم علاقات مع يهود آخرين من إسرائيل، وبالتالي، في وسعهم على الأقل، على الأقل، أن ينقلوا إليهم صورتنا الحقيقية. لذلك، أجل، يمكن لهم أن يلعبوا دوراً: ليس دوراً مباشراً، بل دور غير مباشر".
في تلك الأثناء، حاول السفير التصدي للأصوات المتصاعدة من جوقة مَن يُسمَّون بـ"المحافظين الجدد" الداعية إلى إطاحة الأنظمة القائمة في الشرق الأوسط. فعلى الرغم من عدم الاستقرار المستمر في العراق، كان بعض جهابذة السياسة الخارجية الأمريكية، من أمثال ريتشارد بيرل، الرئيس السابق لهيئة الدفاع الاستشارية الأمريكية ونديم وزير الدفاع دونالد رمسفِلد، قد صرَّحوا علناً بأن سورية هدف ثانٍ مناسب لتغيير نظامها، كجزء من استراتيجية كبرى تهدف إلى دمقرطة الشرق الأوسط.
وعلى الرغم من أن العديد من اليهود السوريين يفضلون عدم الخوض في مسائل سياسية جِدية، قائلين إنهم يفضلون ترك قضايا الحرب والسِّلم لحكمة الملوك والقادة، فإن مَن تكلَّم منهم صرَّحوا بأن تغيير النظام، في حالة سورية تحديداً، يفتقر إلى الحكمة. فقد حاجَج بعضهم بأنه، على الرغم من عدم تعاطفهم مع سياسة سورية، – وخاصة دعمها لحزب الله وحماس، – ومع تفهمهم لسياسة الولايات المتحدة الرامية إلى نخس سورية لدفعها إلى تغيير أساليبها، فإن محاولة زعزعة حكومة الأسد العَلمانية قد يكون خطأً؛ إذ إن بشار الأسد، على حدِّ رأيهم، عامل استقرار في منطقة مائجة وصانع سلام في الإمكان. قال فويرتي: "أعتقد أن ابنه [ابن حافظ الأسد] يريد تحديث بلاده، وأظن أنه يكنُّ الودَّ لليهود. فإذا قيِّض أن يكون سلام، فهذا جيد لإسرائيل وسورية جميعاً".
أما حاصباني، فهو لا يخفي عواطفه فيما يتعلق بالخلاف العربي–الإسرائيلي: "قلبي يهودي. لا أستطيع أن أقول إني لست يهوديّاً؛ وأنا أحب اليهود، بغضِّ النظر عن سورية. أحب إسرائيل قطعاً أكثر بكثير مما أحب سورية، حتى وإن كنت عشت وأكلت وشربت في سورية".
غير أن تفهُّم حاصباني للمأزق السوري ملفت للنظر: فقد تكلم عن مصاعب البلد الحالية مع الولايات المتحدة بالعين المحايدة لراصد مستقل، مقدماً تحليلاً موضوعيّاً. لقد كرَّر عبارة "هذا حكي نظري"، وكأن الآراء التي عبَّر عنها لم تكن آراءه، بل كانت تقوم على المنطق السليم، قائلاً إن الصورة القومية التي شكَّل حافظ الأسد بلده وفقاً لها يجعل من الامتثال لرغبات الولايات المتحدة أو الانخراط في مبادرة سلام دراميَّة، كالتي بادر إليها الرئيس المصري الراحل أنور السادات، أمراً شبه متعذر على بشار. وأضاف: "إنهم يميِّزون أنفسهم بوصفهم يذودون عن الأمة العربية – وفي هذا سَنَد لهم. [...] لكن الحكومة السورية مرنة وذرائعية أيضاً. وعندما تواجه الحكومةُ السورية خياراً صعباً، كالانصياع لإرادة الولايات المتحدة، أو تواجه العزلة أو ما هو أسوأ منها، فإنها حتماً تفضل السلامة على التشدد. الولايات المتحدة لا يمكن لها استبعاد استعمال القوة ضد سورية، لكنها يجب أن تلزم جانب الحذر." ثم قال، مُحكِماً قبضته: "إذا شاءت أمريكا أن تضغط على سورية، لا بدَّ لها أن تُحكِمَ الضغط، أشد فأشد، اقتصاديّاً وسياسيّاً. فإذا استمرت [سورية] في مساعدة حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي وغيرهم، ورأت أمريكا أن هذا يتعارض مع مصلحتها، قد تضطر [الولايات المتحدة] أن تضربهم، لكنْ من دون أن تحتل سورية: فقط المطارات الرئيسية، إلى ما هنالك، فقط لتحذير السوريين من ارتفاع الحرارة. إذ ذاك فمن الممكن لسورية أن تتراجع." لكن هناك احتمالاً آخر، تابع حاصباني وهو يتكئ بظهره على كرسيه: "يمكن لهم [للأمريكان] أن يوجِدوا صلحاً بين إسرائيل وسورية. فإذا قُيِّضَ لصلح بين سورية وإسرائيل أن يتم، وإذا وُقِّع اتفاقُ سلام رسمي مكفول من الأمم المتحدة، في هذه الحالة، لن يعود في وسع سورية مساندة حماس وحزب الله؛ وإذ ذاك سيجلسون والسوريين إلى مائدة العشاء".
أما تحقيق مصالحة كهذه فهي، بالطبع، مسألة أرَّقتْ الإدارات الأمريكية المتعاقبة. فإبان التسعينات، بَدَتِ التسويةُ بين سورية وإسرائيل، أشد عدوين في الشرق الأوسط عناداً، وشيكة الحدوث. كان وارن كريستوفر، وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، يتنقل كالمكوك بين القدس ودمشق أسبوعيّاً تقريباً؛ لكن المفاوضات تعثرتْ لا محالة أمام مسألة مرتفعات الجولان الاستراتيجية: فسورية كانت تطالب باستعادتها كاملة مقابل معاهدة سلام؛ وإسرائيل كان يصر على إبقاء سيطرته على جزء منها على الأقل لأسباب أمنية. وقبيل وفاة حافظ الأسد بأشهر، التقى الرئيس الأمريكي بيل كلينتون مع الزعيم السوري في جنيف، في مسعى أخير للتوسط في تسوية؛ لكن المحادثات فشلت وتوفي الأسد. وبعد ذلك بفترة قصيرة، انهارت محادثات كامپ ديفيد بين الإسرائيليين والفلسطينيين هي الأخرى، واندلعت الانتفاضة الثانية.
لم يكن الحاخام حمرا متوقعاً تدهور عملية السلام حين قام بحجِّه المؤيَّد بدعاية واسعة، لكنْ المفاجئ، من بروكلين إلى إسرائيل قبل عشر سنوات. فقد قال، جالساً في منزل ابنته في بروكلين: "كل شيء كان يدل أن السلام على الأبواب. كنَّا نتخيل أنه سيكون بوسعنا أن نعمل في سورية ونقضي عطلة نهاية الأسبوع في إسرائيل، والعكس بالعكس".
والحمرا، القوي البنية، ذو اللحية السوداء الكثة، أشبه ما يكون بالحطاب؛ وهو يعيش الآن في إسرائيل، لكنه يسافر إلى الولايات المتحدة في انتظام ليزور بعض أولاده. في أواخر الثمانينات، أصبح حمرا رئيساً للطائفة الموسوية السورية، خلفاً آنذاك لرئيسها طوطح الذي وافتْه المنية. وقد قال حمرا إنه التقى بالأسد أربع مرات إبان حياته، ونظَّم مرة مسيرة إلى القصر الجمهوري تأييداً لإعادة انتخاب الرئيس المتوقَّعة. وقد أصبح وجيهاً دوليّاً إبان زمانه في سورية: "أُجرِيَتْ معي مقابلاتٌ مع بلدان عديدة، أعني مع صحافيين من إسبانيا والأرجنتين والبرازيل وأمريكا وأوروبا؛ كما التقيت بالعديد من الشيوخ وأعضاء الكونغرس".
ومع نهاية الثمانينات، قامت حركةٌ لتحرير اليهود السوريين بنشاط ضاغط على الحكومة الأمريكية للضغط على دمشق كي تسمح بهجرة مواطنيها اليهود. وفي العام 1992، أجرى وجهاءُ الطائفة الموسوية السورية، بِمَنْ فيهم حمرا وحاصباني، لقاءً مع الأسد، أمر بعده الرئيسُ السوري برفع الحظر على هجرة اليهود، لكنْ ليس مباشرة إلى إسرائيل. وقد صرف حمرا السنتين التاليتين متنقلاً بين الولايات المتحدة وسورية، قبل أن ينتقل بصفة نهائية إلى إسرائيل في العام 1994.
ألقى حمرا، الجالس في منزل ابنته، بنظرة إلى التلفزيون: كانت قناة "الجزيرة" – وهي مصدر ذو شعبية للأخبار للعديد من الأهالي اليهود السوريين – تنقل آنذاك أخبار احتضار الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات على أحد أسرَّة مستشفى باريسي. لقد التقى حمرا بعرفات مرة واحدة. وبُعيد انتقاله إلى إسرائيل، تلقى رسالة من رئيس الوزراء إسحاق رابين، الذي رُشِّح لتوِّه لاقتسام جائزة نوبل مع كلٍّ من ياسر عرفات ووزير الخارجية شيمون بيريز، جاء فيها، على حدِّ ما يتذكر، أن "[إسحاق رابين] كان يشعر أن العديد من الناس في إسرائيل يستحقون الجائزة [وأني] أحد هؤلاء: "سأكون سعيداً للغاية إذا استطعت أن ترافقني. لقد اخترتك من بين 30 شخصاً...". التقيت بعرفات آنذاك، على ما أذكر".
في بداية انتقال حمرا إلى إسرائيل، رأى في نفسه رسول سلام، متوقعاً أن الحلَّ النهائي للصراع العربي–الإسرائيلي بات وشيكاً. لكن الأمور تغيرت قبل خمس سنوات باندلاع الانتفاضة الثانية: "عادت الأمور إلى ما كانت عليه من قبل، لكن مع مزيد من العداء. شخصيّاً، لم أتأثر بإخفاق عملية السلام؛ لكن المنطقة كلَّها تأثرت به... تأثرت لأني داعية سلام." وتابع قائلاً إن الطائفة الموسوية السورية في إسرائيل تضعضعت بتدهور الوضع الأمني؛ إذ لم تكن معتادةً على خطر العمليات الانتحارية وعنفها.
غير أن حمرا مازال مصرّاً على بقائه في منأى عن السياسة، قائلاً إنه مازال يحلم في بساطة بالسلام المنشود قبل عشر سنوات. مازال يفكر في منزله، في أصدقائه في سورية، وفي حلمه في السفر بين سورية وإسرائيل في عطل نهاية الأسبوع. وقد سمع بمساعي السفير السوري مصطفى نحو جالية بروكلين: "ليتني أستطيع أن أكلِّمه"، قال، ثم سكت. "لكني لا أعرف إلي أيِّ حدٍّ سيكون إيجابيّاً. لا أعرف إنْ كان كوني من إسرائيل سيضعه في وضع حرج – وأنا لا أتمنى ذلك... لعله لو أن الانتفاضة لم تحدث، ولو بقيت الأمور على حالها، لكان من الطبيعي أن نلتقي".
"ربما"، قال السفير مصطفى. أما وأن الأمور على ما هي عليه فإن اللقاء بحمرا قد يكون إشكاليّاً: "المواطن الإسرائيلي حالة مختلفة. أنا لا أقول إني لا أريد أن ألتقي به، بل أقول إن سورية تدعو إسرائيل علناً للانضمام من جديد إلى عملية السلام. وحالما يوافق إسرائيل، سنفعل... سنباشر اللقاء بهم والتعامل معهم".
تعرَّف مصطفى إلى جالية بروكلين اليهودية السورية بواسطة زوجته. فحين كانت طالبة في جامعة دمشق، صادقتْ امرأةً يهوديةً سورية تُدعى سليمة البقاعي، ابنة رجل أعمال بروكلين جاك البقاعي. كان جاك البقاعي قد هاجر إلى الولايات المتحدة قبل عشر سنوات، لكنه احتفظ، على حدِّ قوله، بروابط قوية مع مسؤولين في الحكومة السورية. فقبل سنتين، كان ما يزال مثابراً على السفر في انتظام إلى سورية لاستيراد زخارف النحاس الأحمر والأصفر التي تزيِّن الآن متجره الصغير.
من هنا فإن مصطفى، الساعي إلى تعزيز الصلات بين السفارة والجالية السورية في المهجر، هتف إلى بقاعي وعرَّف بنفسه: "سألني إن كنت في حاجة إلى شيء، فقلت نعم، أود أن ألتقي بالطائفة الموسوية السورية. وبعد فترة وجيزة، عادوا واتصلوا بي وقالوا إنهم، إن كنت مهتمّاً بأن أزورهم، سيسرهم أن يستقبلوني في مركز جاليتهم في بروكلين".
وهكذا كان. صرف بقاعي والحاخام كاسين والزعيم الحصيدي أفيتال وغيرهم يوماً كاملاً مع السفير، فاصطحبوه في جولة في الحي. وقال مصطفى إنه لم يسبق له أن أقام صلات مع يهود سوريين من قبل، حتى في سورية. قال: "إنهم مثلنا... طعامهم، عاداتهم، أعرافهم الاجتماعية – إنهم مثلنا. جميعنا – نحن وهم – مختلفون عن الأمريكان... وهذا كان عِبْرَة لي". وهكذا انتهت الزيارة وديّاً.
وتابع مصطفى: "وللمرة الأخيرة سألوني: "هل نستطيع أن نفعل شيئاً من أجلك؟" قلت: نعم، تستطيعون في الواقع. كلما احتفلتم بعرس أو بارمتسفاح [شعيرة يهودية للاحتفاء ببلوغ الصبيِّ سنَّ الفتوة، ما يؤهِّله لاستلام دينه – المترجم]، أرجو أن تدعوني، لأني راغب في الحضور".
وبعد فترة قصيرة من هذا اللقاء، دُعِيَ السفير إلى عرس يهودي سوري في فندق والدورف–أستوريا في مانهاتن. وهناك دنا منه عجوزٌ من أسرة صباص اليهودية السورية المعروفة: "قال لي: "عمري الآن 72 أو 73 سنة، وعندي حلم." فسألته: وما هو حلمك؟ قال لي: "أتمنى أن أزور حلب. هي مسقط رأس أهلي." لم أتردد وقلت له على الفور بأن يعتبر أن حلمه تحقَّق".
بعد العرس، اتصل أفيتال – وهو امرؤ يعرف شخصيّاً رئيس الوزراء الإسرائيلي أريئيل شارون – وسأله عن إمكانية تنظيم زيارة إلى سورية. قال بقاعي: "كان [أفيتال] يراوده فضولٌ في التعرف إلى سورية، ويود أن يزورها فعلاً. لذا طلب إذناً بزيارتها، وقد رحَّبوا به... لا شيء رسميّاً، فقط بصفة شخصية".
وهكذا في ربيع العام 2004، قام وفد مؤلَّف من اثنَي عشر يهوديّاً من أصل سوري بزيارة سورية، يصحبهم السفير مصطفى. وقد اعترض بعض زعماء اليهود الأمريكيين على الرحلة، فقال مورتون كلاين، رئيس "المنظمة الصهيونية الأمريكية": "لا يجوز لليهود الأمريكيين ولا لأيِّ أمريكيين أن يساعدوا على تصحيح صورة النظام السوري بزيارة سورية." لكن المجموعة قامت بجولة في البلاد، فزارت مقبرة يهودية قرب دمشق وأسواق حلب، وقابلت أفراد الطائفة الموسوية الضئيلة التي مازالت تعيش في الوطن. وإبان الزيارة، قابلت المجموعةُ الرئيس الأسد، وقدمت له هدية عبارة عن شوفَر (قرن الكبش اليهودي التقليدي). وحين انتهى اللقاء، على حدِّ قول حاصباني، سألت المجموعةُ الرئيسَ إن كان سيدعوهم ثانية إلى سورية. وقد نقل السفير مصطفى ما حصل: "قال: "لا..." بوغتوا. قال لهم: "لا أستطيع أن أدعوكم للعودة... لا أستطيع أن أدعو سوريين للعودة إلى سورية... أنتم دوماً على الرحب والسعة".
ويتذكر مصطفى ردة فعل الرجال: "ذُهلوا! كنَّا ما نزال داخل القصر الجمهوري، لم نغادره بعد، فجاءوا إليَّ وقالوا: "نحن جدّاً متفاجئون. هناك في أمريكا قالوا لنا إنه شخص شرير، لا تذهبوا للقائه. لكن انظرْ كيف عامَلنا، كم كان صادقاً معنا!"
(جرت اتصالات متكررة مع أفيتال بغية مقابلته – دون جدوى).
وبعد بضعة أشهر من عودة أفيتال إلى أمريكا، دعا بقاعي السفيرَ إلى عرس ابنه. وقد حضر الاحتفال أكثر من 500 شخص، غالبيتهم من المهاجرين الذين قدموا إلى الولايات المتحدة قبل 10 سنوات، على حدِّ قول بقاعي: "عندما جاء الدكتور مصطفى إلى العرس، قال إنه جاء للتهنئة. ثم ألقى كلمة قصيرة، كلمة جميلة جدّاً. وقد أرسلت شريط فيديو للعرس إلى سورية، إلى القوم في سورية، حتى يستطيعوا رؤيتها. وقد كان القوم في الطائفة مسرورين جدّاً بالحفل." لقد عرض السفير، على ما يقول بقاعي، خدماتِه على أبناء الجالية: إذا كان أي رجل أو امرأة راغباً في تجديد جواز سفره أو في العودة إلى سورية للزيارة، أعرب مصطفى عن استعداده لمساعدته.
قلة ضئيلة من اليهود السوريين عادت إلى سورية نهائيّاً، لكن العديد منهم يقولون إنهم راغبون في الزيارة، لا لشيء إلا لرؤية المنازل التي سكنوا فيها ذات يوم، الكُنُس التي تعبدوا فيها، أو قبور أجدادهم. لكن أقلية صغيرة – وإنْ متنامية – عادت للقيام بأعمال ولتجديد الروابط القديمة. ويعدِّد بقاعي أسماء عشرة أشخاص على الأقل يتاجرون اليوم مع سورية أو يملكون أعمالاً لهم هناك، منذ ما يتراوح بين الخمس والثلاث سنوات.
يوسف جاجاتي واحد من هؤلاء. وجاجاتي هو الذي حلَّ محلَّ حمرا رئيساً للطائفة الموسوية في العام 1994، وهو واحد من اليهود القلائل الذين بقوا في سورية إبان التسعينات من القرن الماضي. وقد قال إنه كثير السفر إلى أوروبا والولايات المتحدة.
القلائل من اليهود الذين بقوا في سورية بعد إلغاء قيود السفر كافة يتعبدون في كنيس واحد في دمشق، ولم يعد لديهم حاخام متفرِّغ؛ لكنهم، على حدِّ قول جاجاتي، يتمتعون بحريات لم يكن لأبناء الطائفة أن يحلموا بها قبل ثلاثين عاماً. في أواسط التسعينات، كان جاجاتي أول يهودي مقيم في سورية يلقي كلمة أمام "المؤتمر اليهودي العالمي". وقد تعرَّف إبان رحلاته إلى الخارج إلى شخصيات سياسية بارزة في الولايات المتحدة وأوروبا، بِمَن فيهم أناس من أشد منتقدي سورية ضراوة، كممثل الولايات المتحدة توم لانتوس، الذي دعا جاجاتي إلى مكتبه.
كان آل جاجاتي أصحاب ما يُعَد أكثر متاجر الألبسة أناقةً في دمشق [أسفل أمانة العاصمة – المترجم]. وقد باعتْه العائلة، لكنها ما تزال تملك مصنعاً في الحي اليهودي في دمشق يديرُه خليل، أحد أبناء جاجاتي. وقد نقل آل جاجاتي فرع المفرَّق إلى نيويورك، حيث يبيعون ثيابهم المصنوعة في سورية بالجملة إلى متاجر فاخرة من نحو "پورتا بيلا".
وقد التقى جاجاتي بالرئيس السوري بشار الأسد بُعيد أدائه القسم رئيساً للبلاد في العام 2000. وهو يتذكر أنه قال للأسد يومذاك: "آمل وأتشوق إلى اليوم الذي ستذهب فيه إلى القدس وتوقِّع معاهدة سلام. فقال بشار: "كلِّم أصدقاءك في الحكومة الإسرائيلية، كلِّم [رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود] باراك." قلت: أنت صديقي، لا باراك." (كان جاجاتي يتكلم بالعربية.) ويتذكر جاجاتي أن الرئيس بشار أخبره قبل انتهاء اللقاء: "لقد حزنت حقّاً لأن الطائفة اليهودية غادرتْ، وكنت أفضِّل لو أنهم بقوا، وأرجو أن يعودوا".
بعد مضي سنة على هذا اللقاء، انتقل جاجاتي إلى نيويورك، حيث يعيش معظم أبنائه. لكنه يقول إنه مازال على اعتزازه بهويته العربية وعلى وفائه لمسقط رأسه. وإذا ما اتفق للمفاوضات بين إسرائيل وسورية أن تُستأنَف، قال إنه على استعداد للعب دور: "أرجو أن تكلِّفني سورية التفاوض مع إسرائيل، حتى أمثِّل بلدي".
من السهل عدم أخذ تعليقات جاجاتي البراقة عن سورية ورئيسها على محمل الجد؛ فهو، في النهاية، مازال يحتفظ بصلات عمل قوية مع البلد، بما يجعله حريصاً على البقاء على علاقة طيبة بحكومته. لكن من الأصعب جدّاً تفسير لماذا يستمر أفرادٌ عانوا الأمرَّين إبان حياتهم في سورية وقطعوا علاقاتِهم مع البلد منذ فترة طويلة، كحاصباني وحمرا وفويرتي، في الكلام في مودة عن البلد وعن قائده.
قد يحاجج بعضهم بأن عبادة شخصية الأسد هي ميراث النظام: فسورية بلد تزيِّن فيه صورةُ الرئيس واجهات المتاجر كافة وتُلصَق على لوحات الإعلانات، حيث توقير السلطة هو القاعدة. لكن مثل هذا الرأي يغفل عن مكسبين حقيقيين منحهما الأسد لليهود السوريين: الاستقرار والاعتبار.
لقد كانت السنوات السابقة لاستلام الأسد السلطة سنواتِ فوضى هائلة في سورية. فالانقلابات العسكرية المتتالية تمخضت عن متوالية من الأنظمة القمعية. وبخصوص اليهود، كان عدم الاستقرار مجلبةً لأبشع الإساءات إليهم، مع ارتياب دائم في المستقبل. أما الأسد، في المقابل، فقد ثبَّت دعائم سلطته سريعاً، نافياً منافسيه أو مودعَهم السجن. وأعجب ما في الأمر أن هذه السلطة التي جعلت الأسد مرهوب الجانب هي عينها التي منحتْه النفوذَ لتحسين أوضاع أكثر السوريين تهميشاً في السابق، بِمَن فيهم اليهود.
فالأسد نفسه كان ينتمي إلى أقلية العلويين. والعلويون، المتمركزون في الجبال على مقربة من مدينة اللاذقية الساحلية، كانوا ضحايا تاريخ طويل من الاضطهاد، كما يقول پاتريك سيل، كاتب سيرة حافظ الأسد المرجعية والصديق الشخصي للزعيم السوري الراحل. قال سيل: "كانوا مدقعي الفقر ومسحوقين. وكان يُنظَر إليهم كخونة متعاونين مع الفرنسيين"، المنتدَبين السابقين على سورية. "وقد عمل الكثير من العلويين الرجال مُرابعين في خدمة ملاك الأراضي السنَّة، كما عملت نساؤهم أحياناً خادماتٍ في البيوت." والطائفة العلوية باطنية نوعاً ما، لكنها معروفة بالمزج بين الإسلام الشيعي وبين بعض عناصر المسيحية؛ لذلك شكَّك الكثير من مشايخ المسلمين في البداية في موثوقية الأسد إسلاميّاً. ويقول بعض اليهود السوريين إنهم يظنون بأن وضع الأسد كابن لأقلية ربما ألهمه التعاطف مع محنتهم. فقال أحد أبناء الجالية: "كان آل الأسد مضطهدين كأيِّ يهود".
أما پاتريك سيل فهو أكثر احتراساً بهذا الخصوص: لعل مردَّ سياسات الرئيس السوري الراحل تجاه اليهود هو على الأغلب الانفتاح العام الذي تَرافَق مع صعوده إلى سدة الحكم. لكنه يضيف: "كان [الأسد] يتعاطف خصوصاً مع الفلاحين المسحوقين. فأركان نظامه كانوا من أبناء الريف عموماً، – سنَّة ودروزاً وإسماعيليين، – وليس من العلويين وحسب".
ومع أن الأسد جعل من صراعه ضد إسرائيل إحدى دعائم زعامته، لم يكن إسرائيل يوماً يشكل خطراً مميتاً على نظامه، كما لم يحدث قط أن تورَّط يهود سوريون في التجسس لحساب إسرائيل. جاء التهديد الحقيقي الأوحد لنظام الأسد، في الواقع، من تنظيم الإخوان المسلمين المارق، الذين قاموا بتمرد عنيف في حماه في العام 1982، قمعه الأسد قمعاً شرساً. قال حاصباني: "لم يكن بين يهود سورية جاسوس واحد. كذلك لم تكن لديهم أية مشكلة مع إسرائيل أو مع أيِّ بلد آخر. مشكلتهم الوحيدة أن بعضهم كان يرغب في المغادرة. وقد تفهَّم الرئيس هذا الأمر".
في مجتمع مراتبي كالمجتمع السوري، حيث يمكن للمقيم في دمشق أن يصرف حياته كلَّها دون أن يحظى بلمحة للرئيس إلا من خلال التلفزيون، فإن لقاءً رسميّاً بالأسد كان أعظم تكريم. لهذا تحظى قصاصاتُ الصحف، تلك التي يصافح فيها الأسد وجهاء اليهود السوريين، بكلِّ هذا المغزى في نظر حاصباني. فتلك الصور منحتِ اليهودَ شيئاً من الاعتبار في المجتمع السوري، كما قال، ورفعت الجالية إلى سوية من الاحترام لم تكن تتمتع به من قبل. ففي الواقع، أعاد الأسد اليهود السوريين إلى الخيمة الوطنية.
لكن هذا كلَّه يطرح تساؤلاً هامّاً: إذا كانت الحياة في ظل الأسد بهذا الخير، لِمَ يا ترى غادر جميع يهود سورية تقريباً فور إتاحة الفرصة لهم؟ لقد خلَّف معظمُهم وراءه أعمالاً ناجحة وبيوتاً غالية الثمن ليبدأ حياته من جديد في بروكلين أو في تل أبيب. صحيح أن معظم اليهود السوريين حصل على مسكن ومعونة مالية من المنظمات اليهودية المحلية والمدنية طوال سنة بعد وصولهم، لكن الكثيرين واصلوا الكفاح من أجل لقمة العيش. فحاصباني، الذي كان طبيباً محترماً، شهد كيف أضحى نكرة في بلد نَعَتَه هو نفسه بفقدان الهوية والعزلة.
بعض اليهود السوريين من أمثال حاصباني قالوا إن الخوف من المستقبل هو الذي عجَّل في الرحيل الجماعي. فمع أن الأسد عامَل اليهود معاملةً طيبة، لم يكن من ضمان بأن خلفَه سيواصل على المنوال ذاته.
جاجاتي، من جانبه، عزا النزوح إلى العطالة. فإلى أن رفع الرئيسُ السوري القيود التي تحظر الهجرة، كان معظم اليهود السوريين قد هاجروا إما إلى بروكلين وإما إلى إسرائيل، حيث أنشأوا جاليات جديدة مزدهرة. وإذ استُنزِفَتِ الحياةُ في بطء من الأحياء اليهودية العريقة في دمشق وحلب والقامشلي، لم تجد العائلات المتبقية أسباباً وجيهة للبقاء.
فيما يرى حاصباني أن تشنج الحكومة السورية نفسه كان من الأسباب التي أسهمت في النزوح الجماعي لليهود السوريين. فالأسد فتح باب الهجرة لليهود السوريين في العام 1992؛ وإذ ذاك، لأسباب لم يفهمها أحد تماماً، أُغلِقَ البابُ بعد سنة، ثم أعيد فتحُه بعد فترة وجيزة. من هنا فإن العديد ممَّن لم يغادروا بعد، إذ أتيحت لهم أول فرصة، شعروا بأنهم إذا لم يغادروا على الفور فقد يُغلَق الباب من جديد. أما فويرتي، فشرح سبب مغادرته باستعارة بسيطة: "إذا كان عندك عصفور محبوس في قفص، وفتحت له الباب، فسوف يطير. لم يكن لديَّ غير خيار واحد: الذهاب لرؤية الخارج".
لكن يهود سورية، فيما هم يعيشون في الخارج، مازالوا ينظرون وراءهم إلى الداخل. فهم، مثلهم كمثل الفلسطينيين–الإسرائيليين، يقفون على جانبَي خط تماس الصراع العربي–الإسرائيلي نفسه. ومع أن هذا الموقع الحرج سبَّب للكثيرين الشقاء والألم والعذاب، فقد زوَّدهم، في الآن نفسه، بتبصر فريد للتعمق في نزاع مافتئ يتقرح سنين أطول من أن تطاق. فاليهود السوريون لن يلعبوا في الغالب أيَّ دور في تقرير مَن سيأخذ هذه الحصة أو تلك من مرتفعات الجولان، لكنهم ربما تمكَّنوا يوماً من رعاية سلام دافئ.
قال فويرتي: "إذا حلَّ السلام بين سورية وإسرائيل – وأنا واثق من أن السلام سيحل – سنجمع بين الفريقين. يجب أن نكون جسراً بين إسرائيل وسورية".
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات