بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
ليلى خالد : تفرد القيادة بقرار المال والسلاح أبرز مظاهر الخلل والفساد
  27/02/2010

 
ليلى خالد : تفرد القيادة بقرار المال والسلاح أبرز مظاهر الخلل والفساد على الساحة الفلسطينية


الحلقة الثانية
نادية سعد الدين


عمان – التسيب والمركزية وتفرد قيادة منظمة التحرير بقرار المال والسلاح، كان بالنسبة إلى عضو المكتب السياسي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ليلى خالد، أبرز "مظاهر الخلل والفساد في الساحة الفلسطينية".
وقالت خالد إلى "الغد"، في الحلقة الثانية من سلسلة حلقات تنشر تباعاً عن المناضلة الفلسطينية بصفتها شاهدا على العديد من الأحداث التي مرت على ساحة النضال الفلسطيني، إن "القيادة تعاقب أية معارضة لها في الداخل بالمال والاعتقال"، بينما "لم يتمكن اليسار الفلسطيني من انتزاع القيادة التي سيطرت عليها فتح، بسبب عدم توحده ومصلحة بعض أطرافه في تفادي الصدام والإبقاء على امتيازاته".
واعتبرت خالد، وهي عضو في المجلس الوطني، أن "المنظمة باتت أسيرة المال المغدق عليها من بعض الأنظمة، بشروطه غير المعلنة والمؤثرة في مواقفها"، بينما "شكل انشقاق "الديمقراطية" عن "الشعبية" الأم بمساعدة الرئيس الراحل ياسر عرفات أكبر محاولة لشق الجبهة وإضعافها". وتوقفت خالد في تلك الحلقة عند خطأ "الديمقراطية" وأوساط من فتح الذي كلف الفصائل الكثير في مرحلة أيلول وما قبلها، بينما "شكلت معركة الكرامة أول اختبار قوة وإثبات لقدرة الجندي العربي والمقاومة على إيقاف العنجهية الإسرائيلية وإلحاق الأذى بها".
ورأت أن "أسلوب خطف الطائرات الذي ابتدعته "الشعبية" هدف إلى لفت أنظار العالم للقضية، والتأكيد على أن الشعب الفلسطيني ليس مجرد حفنة لاجئين بحاجة إلى مساعدات إنسانية للعيش، ولكنه كان تكتيكاً.
وكانت خالد تحدثت في الحلقة الأولى عن البدايات الأولى للنكبة التي عايشتها وقادتها إلى النضال من أجل تحرير فلسطين، وعن التحاقها مبكراً بحركة القوميين العرب ومن ثم الجبهة الشعبية، وعن نشاطها النضالي آنذاك.
وفيما يلي نص الحوار:
حملة تضييق واعتقالات

ما هي أبرز نشاطاتك كعضو في حركة القوميين العرب، ومن ثم الجبهة، في الكويت التي عملت في ساحتها مدرّسة لغة انجليزية، وكيف كان وقع عدوان 1967 عليك هناك؟
- لقد كان التحرك محدوداً ومجال العمل السياسي ضيقاً، ومع ذلك، كنت أحضر اجتماعات الحركة التي عقدت سرياً في منزل شقيقي الذي كان موجوداً مع زوجته هناك، كما حرصت آنذاك على بث التوعية والتثقيف بالقضية الفلسطينية بين صفوف المعلمات وعبر أثير الإذاعة المدرسية من دون الإفصاح عن هويتي السياسية، غير أن الضربة التي وجهت للحركة في الكويت، أسوة بدول أخرى، تسببت في التضييق على التحرك بعد إغلاق مجلة "الطليعة" في العام 1966 وطرد الكثير من أعضاء الحركة، ومن بينهم أخي، فتوقف انعقاد الاجتماعات وانقطعت صلتي بالحركة.
لقد أحدثت حرب 1967 صدمة كبيرة بالنسبة إلينا، انعكست على العمل السياسي، بخاصة مع استحالة مغادرة الكويت بسبب إغلاق الأجواء العربية، فكنا نتابع الأخبار عبر "الترانزتور"، إضافة إلى تنظيم مظاهرات عارمة بمشاركة الكويتيين، وجمع التبرعات للفدائيين، والانخراط في نشاطات التوعية المدرسية.
وقد تمكنت في شهر كانون الثاني (يناير) 1968 من الذهاب إلى لبنان، حيث أخذت بالبحث عن الجبهة الشعبية التي كان قد أعلن عن تأسيسها في 11/12/1967 بعد حلّ الحركة كنتاج أول عملية عسكرية وصدور البيان الأول عن الجبهة. وقد طلبت من الدكتور وديع حداد عند لقائي به في بيروت الالتحاق بالمقاومة، ولكنه دعاني للعودة إلى الكويت وتنظيم خلايا شعبية سياسية باسم "الشعبية" عبر الاتصال والتنسيق مع أحد الأشخاص العاملين هناك. وفي هذه الأثناء أعيد صدور "الطليعة" التي حملت بعد ذلك اسم "المنبر الديمقراطي".
لقد توجهت الجبهة بأفكارها وتحركاتها نحو القاعدة الشعبية للقناعة بأنها الأبقى.
وفي ضوء ذلك، تحركت علنياً بين صفوف المعلمات، من خلال جمع التبرعات وتنظيم النشاطات الداعمة للقضية الفلسطينية، وبث التوعية بقصد التعبئة، وتوزيع البيانات والمنشورات، ضمن أجواء تضامن عالية مع المقاومة. وقد استمر هذا الحال خلال عامي 1968- 1969، ولكن الاعتقالات المتواصلة على الساحة الفلسطينية المحتلة، واغتيال الشهيدتين شادية أبو غزالة وأمينة دحبور، دفعتني إلى مغادرة الكويت صوب لبنان مجدداً
جبهة التوحد
سعى الحكيم بعد عدوان العام 1967 إلى تشكيل جبهة تضم القوى الفلسطينية القائمة، ولكن فتح تصدت لها بتكريس قيادتها لمنظمة التحرير الفلسطينية (تأسست العام 1964)، هل تسبب ذلك في إحداث الصدع داخل الصفوف آنذاك
؟
- نعم، فقد طالبت "الشعبية" خلال لقاء عقد مع فتح عقب العدوان بتنظيم الداخل، فالشعبية كتنظيم لم تكن موجودة آنذاك في منظمة التحرير، ولكنها كانت من المؤسسين لها وحاضرة فيها كأشخاص في الحركة، مثل حداد الذي شغل منصب النائب الأول للقائد الفلسطيني الراحل أحمد الشقيري، إضافة إلى أبو ماهر اليماني. إذ بعد إعلان فتح عن الكفاح المسلح وتنفيذ العمليات، عقد اللقاء بهدف التوافق على بدء تنظيم خلايا عسكرية في الداخل من دون الإعلان عن إطلاق نار أو الكفاح المسلح بمفهومه الذي ساد بعد ذلك، لضمان استمرار المقاومة، ولكن فتح لم تلتزم بذلك، لأنها اعتبرت نفسها أول من أعلن الكفاح المسلح، رغم محدودية نطاقه، حيث لم تكن الضفة الغربية محتلة آنذاك، وبالتالي بدأت بتنفيذ عمليات عبر النهر من الأردن.
وفي تلك الأثناء، لم يتم الالتفات إلى المنظمة باعتبارها إطاراً جامعاً للجميع إلا في العام 1969، حينما تشكل الوعي بها، فيما تشكلت في هذه المرحلة فصائل أخرى، انضمت إلى المنظمة خلال جلسة عقدت للمجلس الوطني آنذاك.
ولم تتعلق المسألة هنا بموقف من المنظمة، ولكن الكل كان يحاول ترتيب أوضاعه على أساس التشكيلات العسكرية ومقاتلة الاحتلال والبدء بالعمل، ومحاولة تجميع الفصائل والقوى الفلسطينية حول رؤية سياسية بعيدة المدى، وبالتالي الانخراط في المنظمة باعتبارها منظمة على برنامج الحد الأدنى، تم الاتفاق عليه من خلال الميثاق الوطني للمنظمة (صودق عليه في ذات عام تشكيلها ومن ثم جرى تعديله العام 1996) الذي تحدث عن المقاومة والكفاح المسلح ضد الاحتلال الصهيوني كطريق وحيد لتحرير فلسطين باعتباره استراتيجية وليس تكتيكاً، (وعن حدود فلسطين التاريخية واعتبار الصهيونية حركة عنصرية معادية لحركات التحرر الوطني).
كان لا بد من توحد الفصائل على برنامج عمل ضمن علاقة تقوم، وفق وجهة نظر "الشعبية"، على "الوحدة والصراع والوحدة"، بمعنى التوحد على الهدف والبرنامج وإدارة العمل والتصارع على بعض المواقف من أجل الوحدة. لكن المسألة لم تأخذ هذه الرؤية بالنسبة إلى بقية الفصائل، ففتح تريد الهيمنة على الساحة وتكريس قيادتها لمنظمة التحرير وفرض رؤيتها بصرف النظر عن أية ملاحظات أخرى.
وقد تبين ذلك خلال الأحداث التي وقعت في الأردن، حيث كان مقر القيادة الفلسطينية، فوقعت خلافات حول العلاقة مع الأردن، فيما رفعت "الديمقراطية" وأوساط أخرى من فتح شعار "كل السلطة للمقاومة"، مما حرف الصراع بعيداً عن الهدف، فالتف نحو الصراع مع الأردن بدل أن يكون موجهاً صوب العدو.
وقد وقفت "الشعبية" ضد ذلك التصرف ولم توافق عليه، من منطلق رؤيتها للصراع مع العدو في الأرض الفلسطينية باستخدام الأرض العربية، وبخاصة الأردن بحكم أطول حدود مع فلسطين وسهولة الانتقال للداخل الفلسطيني، حتى لا تتشعب المعركة، وضرورة توجيه بوصلة العمل نحو العدو وتحييد أي طرف عربي، حيث أمكن، وعدم خلق أية مشاكل مع الأنظمة. ولكن ذلك شكل أحد الخلافات الكبيرة بين الفصائل، وتم دفع ثمنها كثيراً في الأردن، خلال أحداث أيلول (1970) وما قبلها.
لكن العلامة الفارقة تمثلت في معركة الكرامة (وقعت في آذار/ مارس 1968) التي شكلت أول معركة لاختبار القوة واثبات قدرة الجندي العربي مع المقاومة على إيقاف حالة العنجهية الإسرائيلية، التي انتشت بانتصارها في عدوان 1967، وعلى إلحاق الأذى بها. وبالتالي دخلت إسرائيل في المعركة ولكنها توقفت بفضل سواعد الجيش الأردني والمقاومة في عملية المواجهة.
الانشقاقات عن الجبهة
إلى أي مدى أثرت الانشقاقات عن الجبهة على صفوفها، بخاصة انشقاق "الديمقراطية" الذي تم أثناء وجود الحكيم في أحد السجون السورية العام 1968 وتعمق بعد تهريبه منها، وانشقاق "الشعبية- القيادة العامة"، والانشقاق الذي قاده أبو شهاب (العراقي)، بمساعدة بعض القوى الفلسطينية والأنظمة العربية؟
- جرى استهداف "الشعبية" بسبب ما مثلته من حالة المعارضة داخل الساحة الفلسطينية وجراء طرحها لرؤية مختلفة لا تتناسب مع النظام العربي ومع حركة فتح التي تحمل رؤية منسجمة مع الأنظمة القائمة. وبالتالي، كان لا بد من توجيه السهام نحو الجبهة لإضعافها، بينما لم يكن يلتفت إلى التنظيمات الأخرى. وقد تمت محاولات للاستفادة من أية خلافات داخلية في الجبهة لتشجيع الانشقاق عنها، فخرجت من التنظيم الجبهة الشعبية - القيادة العامة ممثلة لعدد من القوى المسلحة التي انضمت للتشكيل الذي أعلنته "الشعبية" الأم، ولكن انشقاق "الديمقراطية" الذي تم بمساعدة الرئيس الراحل ياسر عرفات لشق "الشعبية" شكل أكبر انشقاق حصل للجبهة. فيما خرجت مجموعة صغيرة من صفوف الجبهة بقيادة أبو شهاب في العام 1972، ومن ثم جرت محاولات انشقاقية أخرى لم تنجح، غير أن خروج كوادر وقيادات من صفوف أي تنظيم من شأنه أن يضعفه.
لقد نظرت فتح إلى "الشعبية" على أنها تصارعها على القيادة، وبالتالي لم تأخذ الخلافات منحى ديمقراطيا، وإنما جرت محاولات من جانبها لجذب أشخاص من داخل الجبهة لإحداث تصدعات في صفوفها والانشقاق منها، إضافة إلى دعم تنظيمات صغيرة بهدف إضعافها، ولكن الجبهة واجهتها بحكمة من منطلق أن من يريد الخروج من التنظيم له ذلك، وكأنه بمثابة طلاق ديمقراطي يحدث على المستوى الفردي.
وتعاملت الجبهة مع الحوارات الداخلية الدائرة بشأن الخلافات السياسية التي برزت في مرحلة ما بعد الخروج من الأردن تحديداً، بالكثير من الصبر، ارتكازاً على مبدأ الديمقراطية وسيادة رأي الأغلبية.
وفيما لعبت بعض الأنظمة دوراً في التصدي لنمو المقاومة، في ظل أجواء مناخية متأثرة بفكر الرئيس عبدالناصر الذي رفع شعار "المقاومة وجدت لتبقى"، وتلقيها دعماً من بعض الأنظمة مثل سورية والعراق والجزائر واليمن. ولكن علاقة الجبهة مع مصر شهدت مساراً متذبذباً بسبب تباين الرؤى، بخاصة بعد رحيل الرئيس عبدالناصر. فقد وجدت أنظمة عربية في "الشعبية"، التي ترفع شعار المقاومة وتحمل موقفاً ثابتاً منها، مصدراً للقلق ومبعثاً للخطر على نفسها، خوفاً من امتدادات تلك المواقف بين صفوف جماهيرها، بخاصة وأن "الشعبية" أنشأت علاقات قوية مع القوى الموجودة في تلك البلدان، إذ ليس من مصلحة أي نظام أن تتأثر شعوبه وقواه بمثل تلك الرؤى والمواقف، مما تسبب في بهتان العلاقة بينها وبين الجبهة.
بيدَ أن فتح اعتمدت على الأنظمة التي تتلقى منها الدعم المالي، وليس على الجماهير، فتلاءمت مواقف الحركة المسيطرة على قيادة المنظمة مع موقف النظام العربي وتكيفت معه، وبخاصة في مرحلة السبعينيات وما بعدها، في وقت كانت تقود فيه الكفاح المسلح، ما انعكس لجهة اتخاذها مواقف متأثرة بسياسات الأنظمة العربية ومنسجمة معها. فيما بات التعامل مع منظمة التحرير بعد الاعتراف بها في قمة فاس بالمغرب العام 1974 "ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني" على أنها نظام، رغم كونها حركة تحرر، وهو الأمر الذي لم يصب في صالحها، على غرار ما جرى لاحقاً من خلط في العلاقة بين المنظمة والسلطة الوطنية.
التفرد بقرار المال والسلاح
هل شكل الدعم المالي مدخل تلك الأنظمة إلى فتح، وبالتالي منظمة التحرير؟
- نعم، فقد أغرقت بعض الأنظمة منظمة التحرير بالمال، بخاصة "البترودولار"، ليس من أجل الكفاح المسلح، وإنما بهدف إنشاء فئة مستفيدة عبر إغداق المال عليها، من دون أن يكون همّها مسألة التحرير الذي يحتاج إلى تضحية، وقد باتت تلك الفئة تشكل شريحة واسعة في القيادة ومصدر مخالفاتها. وللأسف؛ فإن من يدفع المال يؤثر في القرار، وبالتالي أصبحت المنظمة أسيرة لهذا الدعم بشروطه غير المعلنة، بخاصة وأن المال كان بيد القيادة، رغم ما أثير حول ذلك من جدل واسع.
ولكن الجبهة الشعبية تتلقى حصتها المالية من مخصصات منظمة التحرير؟
- إن "الشعبية" تتلقى مخصصات مالية من الصندوق القومي الفلسطيني الذي هو للشعب، وبالتالي لها كما لبقية الفصائل الحق في ذلك، ولكن غالبية الأموال كانت بيد فتح، في ظل خلط كبير قائم حتى اليوم بين ما هو لفتح وما هو للمنظمة.
غير أن هذه الإشكالية انسحبت فيما بعد على العلاقة بين السلطة الوطنية ومنظمة التحرير؟
-نعم، وهي من الأخطاء التي وقعت فيها المنظمة، فقد كان الصندوق القومي يقدم خلال جلسات المجلس الوطني تقريراً نكتشف أن العديد منه يحمل توقيع (الرئيس الراحل) عرفات من دون محاسبة، وقد تبين بعد ذلك وجود اختلاسات وفساد مالي، مصحوبة بشبهات تطال بعض القائمين على الصندوق. إن هذا الأمر يدلل على حالة التسيب والمركزية والفردية المتصلة بالمال والسلاح. وقد جرى توظيف ذلك من قبل القيادة لمعاقبة أية معارضة لها من الداخل، حيث عوقبت "الشعبية" بالمال بسبب مواقفها، على غرار ما حدث في العام 1991 حينما توقفت القيادة عن إعطاء "الشعبية" حصتها من المال، الذي يعتبر حقاً لها، وذلك بسبب مواقفها المتعارضة معها، بخاصة فيما يتعلق بالعملية السياسية.
إن قيادة منظمة التحرير تفردت في اتخاذ القرارات المصيرية، مما أوقع الساحة الفلسطينية في مآسٍ جديدة، إذ لم تكن القيادة صارمة في مسألة المحاسبة على الأخطاء، سواء الأخطاء المالية منها أم السلوكية، وهذا يأتي ضمن رؤية سياسية متكاملة لدور هذه القيادة التي استقوت متفردة بالمال والسلاح، فضلاً عن دعم الأنظمة العربية لهذه القيادة التي تشبهها في الرؤية وبالتالي منسجمة معها.
ولكن أين صوت الجبهة الشعبية المعارض لذلك؟

- إن هذه القيادة لم تؤمن بالشراكة في اتخاذ القرار، وإنما تتشدق به شكلياً، ونحن لم نتمكن من انتزاع القيادة أو المشاركة فيها، ولعل هذه أحد أخطاء اليسار الفلسطيني الذي لم يتمكن من انتزاع القيادة رغم قناعته ورؤيته بوجود أخطاء تحدث، لأن اليسار لم يكن موحداً، فيما وجدت بعض أطرافه أن مصلحتها تقتضي تفادي الصدام مع القيادة حتى لا تفقد امتيازاتها.
ألم تحدث محاولات من قيادة المنظمة لاستمالة بعض أعضاء "الشعبية" إلى جانبها؟
-وقعت محاولات من هذا النوع، لعل أبرزها ما حدث مع بسام أبو شريف (قيادي سابق في الجبهة) حينما نجحت في استمالته، ولكنها لم تشكل حالات فاقعة. حيث تتمتع الجبهة بنظام صارم، يرتكز على ضرورة الالتزام برأي الأغلبية، بخاصة في الموقف السياسي، مع تعرض الخروج منه إلى المحاسبة، كما تتمتع بمؤسسة مالية مشفوعة باللوائح والقوانين والمحاسبة لأي خرق لها، وبالتالي لم يسجل في تاريخ الجبهة حالات فساد أو اختلاسات، فهي تنظيم فقير مالياً مقارنة بفتح.
لماذا لا نسمع أصواتا عالية تطالب بالمحاسبة؟
- وضعت "الشعبية" مع "الديمقراطية" قبل اتفاق أوسلو (1993) رؤية للإصلاح الديمقراطي داخل المنظمة يتناول كل جوانب عملها، بما فيها الشق المالي، وهي ما زالت موجودة، حيث نظمنا حملة جماهيرية لصالحها، إذ أن الوسيلة التي نواجه بها الخلل القائم تتمثل في طرح رؤيتنا ومن ثم الذهاب بها إلى مؤسسات المنظمة، ولكننا لم نتمكن من إحداث التغيير المطلوب.
أين يكمن الخلل في التغيير؟
- إن غالبية المجلس الوطني تؤيد فتح، وهو الأمر الذي كان يقف كثيراً أمام أي موقف مشترك كانت تتخذه بعض الفصائل، ومن بينها "الشعبية"، رغم حشدها للرأي العام داخل مؤسسات المنظمة وخارجها، فيما كان يصل الأمر إلى درجة الاعتقال بسبب الموقف، على غرار ما حدث في العام 1996، فبعد دخول القيادة إلى الأراضي المحتلة وتأسيس السلطة الوطنية (في العام 1994) طرحنا ضرورة التوقف عند حالات الفساد المالي والإداري القائمة، فتم اعتقال عدد من الأشخاص الذين طالبوا بالمحاسبة، فيما جوبهت الخلافات التي نشبت من داخل فتح نفسها بحملة اعتقالات طالت الأصوات المعارضة منهم.
غير أن ما شغل حيزاً واسعاً من النقاش مسألة التوافق على حسم الخلافات بين فصائل المقاومة بالحوار وليس بالسلاح، جرى تثبيته في الدورة التاسعة للمجلس الوطني في العام 1974، فبات المنحى الرئيسي رغم حدوث حالات فردية، ولكن ليس بالشكل السابق.
اعتمدت الجبهة الشعبية في تلك المرحلة أسلوب خطف الطائرات في العمل النضالي وسط جدل واسع حيال نجاعته، ماذا كان الهدف من ورائه؟
- لقد رفعت الجبهة شعار "وراء العدو في كل مكان" نبع من رؤية أن الحركة الصهيونية استخدمت كافة الوسائل وجندت العالم من أجل تنفيذ مخططاتها، وملاحقة الفلسطينيين داخل فلسطين وخارجها، في ظل غياب عربي وفلسطيني، وقد ترجم الشعار من خلال استهداف مصالح إسرائيل في الخارج، قياساً بتجارب الشعوب الرازحة تحت نير الاحتلال وبحثها الدؤوب عن النقاط الضعيفة لضرب المستعمر، وانطلاقاً من إدراكنا صعوبة مواجهة الجيش باعتبارنا حركة تحرر، فجرى اعتماد أسلوب خطف الطائرات في هذا السياق، فيما اقترن إشراكي في التنفيذ تحت شعار "المرأة والرجل معاً في معركة التحرير".
وقد شكل هذا العمل ابتداعاً من الجبهة لم يسبقها أحد في استخدامه، ما أثار نقطة خلاف مع عرفات والمنظمة حول العمل الخارجي، رغم أنها لجأت إلى نفس الأسلوب بعد العدوان الإسرائيلي العام 1967 بضرب أهداف إسرائيلية.
لقد هدف الخطف إلى إطلاق سراح المعتقلين في سجون الاحتلال، ولفت أنظار العالم إلى القضية الفلسطينية والتأكيد على أن الشعب الفلسطيني ليس مجرد حفنة لاجئين بحاجة إلى مساعدات إنسانية للعيش، في ظل الافتقار لرؤية على المستوى الدولي رغم القرارات الدولية غير المطبقة. وتدين الجبهة في هذا العمل إلى الدكتور حداد الذي أوكلت إليه مهمة متابعة العمل خارج فلسطين.
واستخدم أسلوب خطف الطائرات كجزء من عمليات أخرى جرت لاستهداف مصالح إسرائيل، باعتبارها تكتيكاً لمرحلة معينة من أجل تحقيق الأهداف، حيث لم نتوقع أن يأتي الجواب من خطف طائرة وإنما من ثورة.

ليلى خالد: حركة القوميين العرب أول من بدأ العمل المسلح في فلسطين المحتلة- الحلقة الاولى

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات