بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
سهى بشارة: المناضلة الهادئة تحمل جراحها وتمشي
  09/03/2010

سهى بشارة: المناضلة الهادئة تحمل جراحها وتمشي
ليال حداد


كان يمكن سهى بشارة أن تكون مدرّبة رياضية. كان يمكنها أن تكون مهندسة ناجحة. وكان يمكن أيضاً أن تكون ربّة منزل إن أرادت. ببساطة، كان يمكن حياتها أن تكون هادئة. ولكن ذلك لم يحصل. اختارت ابنة بلدة دير ميماس (جنوب لبنان) طريقاً آخر يشبهها، ويجسّد نظرتها إلى العيش بكرامة وحرية.
سهى بشارة التي تزور بيروت للمشاركة في «أسبوع الفصل العنصري الإسرائيلي» في «الجامعة الأميركية في بيروت»، لم تتعب بعد. تراها تتنقّل من عاصمة إلى أخرى، تحمل سنوات نضالها، وتروي للعالم حقيقة ما يجري في المنطقة، والصورة الحقيقية للاحتلال الإسرائيلي. بعناد وصرامة يوازيان سنوات اعتقالها العشر (1988 ـــــ 1998)، تناقش الملفات المحلية والإقليمية والدوليّة، بدءاً بنصر تموز 2006 الذي «أرسى ميزان قوى جديداً في الصراع الذي تشهده المنطقة»... عن دور إيران تسأل:«هل هي معنيّة فعلاً بتحرير القدس؟ وما دوافعها والحالة هذه؟»... أمّا تصويت السويسريين ضدّ بناء المآذن، فتردّه إلى «التجييش الإعلامي الأوروبي طيلة تسع سنوات، تخيّلي لقد صوّروا المآذن على شكل صواريخ. الإسلاموفوبيا تجتاح أوروبا».
هذه المقاوِمة الجنوبية لا تعرف الفصام. لم تبعِدها سويسرا، حيث تقيم اليوم مع زوجها السويسري وابنتيها، عن هموم الشارع العربي. كما أن حياتها الأوروبية والجوائز التي حصدتها، وأبرزها جائزة «امرأة منفية، امراة ملتزمة» عام 2006 في سويسرا، لم تُنسِها جحيم الظلم والقتل الذي يتعرّض له الفلسطينيون. حالياً تنشط في إطار هيئة سويسريّة هي «تحالف الطوارئ من أجل فلسطين».
من أين تأتي المرأة الأربعينية بكلّ هذه الصلابة؟ كيف تجد القدرة على الاستمرار، بعد سنوات التعذيب والاعتقال؟ ألم يحن الوقت لترتاح بعدما أدّت قسطها للوطن والمقاومة والنضال؟ أسئلة تراودنا ونحن نتوجّه إلى الموعد معها... لكن سهى بشارة ما إن تتفوّه بكلمة، حتى تزيح كل الأسئلة جانباً، وتسترسل في الحديث بحماسة عن مقاومة الاحتلال. تعود بنا إلى بداية الحرب الأهلية في لبنان. يومها، لم تكن قد تجاوزت الثامنة من عمرها.
ابنة الشيوعي الذي رفض حمل السلاح خلال الحرب الأهلية، أقنعت أهلها بأنّها مغرمة بشاب جنوبي لتغطية عملها السرّي مع المقاومة
على خطّ تماس الشياح ـــــ عين الرمانة، حيث كانت تسكن مع أهلها، شهدت عمليات القنص، ورأت قتلى وجرحى يتهاوون على الطرقات. «لم يكن هناك مجال لطفولة عادية» تقول. لعلّ الفتاة الشقية، لو سئلت رأيها حينذاك، لما كانت أصلاً ستختار طفولة عادية... كان بالها مشغولاً بأمور أخرى. الانتماءات السياسيّة التي ترعرعت عليها داخل العائلة، أسهمت في تغذية هذا الوعي السياسي المبكر. «كان والدي شيوعياً ومناضلاً نقابياً من الطراز الأوّل. حاولت «الكتائب» اغتياله عام 1976». لكن فوّاز بشارة، رفض حمل السلاح مع اندلاع الحرب. وطيلة سنوات القتل المتبادل، كان مصرّاً على أن المعركة سياسية أساساً، ويجب حلها بالطرق السياسية. انطلاقاً من هذه القناعة، منع أولاده من حمل السلاح «حتى إنّه منعنا من اقتناء «نِقَّيفة» (أي المطيطة)» تقول ضاحكة.
لكن عام 1982 وصل حاملاً معه الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، ومجازر صبرا وشاتيلا و... انطلاق «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية». كانت هذه العوامل الثلاثة كافية لتحدّد مستقبل سهى بشارة. وبعدما كان عملها السياسي يقتصر على نشاطها في صفوف «اتحاد الشباب الديموقراطي اللبناني»، والتحرّكات المطلبية، قرّرت الانتقال إلى مستوى آخر من النضال: «سأنخرط في الجبهة» قرّرت ابنة الخامسة عشرة.
كان ذلك قبل أكثر من 25 عاماً، واليوم تلمع عينا «جوهرة الجنوب»، عندما تستعيد تلك المرحلة. تروي التفاصيل كأنها وقعت أمس. كأنها لم تذهب إلى سويسرا ولم تتزوّج. تخيّلنا أنها طوت تلك المرحلة مع صدور كتابها «مقاوِمة» (2000) لكنها هنا. تتحدّث، تنفعل، وتبتسم وتضحك... تضحك كثيراً.
تستعيد فشل مخططها بالالتحاق بصفوف «جمّول» (جبهة المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة) طيلة أربع سنوات، إلى أن حسمت طالبة كلية الهندسة أمرها عام 1986، ومضت إلى الجنوب. في تلك الفترة، بدأ التواصل مع «الرفاق»، «أقنعت أهلي بأنني مغرمة بشاب جنوبي لتبرير زياراتي المتكررة إلى المنطقة». وكانت عائلتها حتى تلك الفترة قد قدّمت أربعة شهداء من بينهم ابنة عمتها لولا الياس عبود، التي سقطت في مواجهة بين «جبهة المقاومة» والقوات الإسرائيلية في القرعون (البقاع الغربي) عام 1985.
عشرة أعوام قضتها في معتقل الخيام بعدما نجحت في دخول منزل العميل أنطوان لحد وإصابته
طيلة سنتين، أُوكِل إلى المناضلة الشابة عدد من المهمّات الاستطلاعية إلى أن علمت بأن مينيرفا لحد، زوجة أنطوان لحد رئيس «جيش لبنان الجنوبي» المتعامل مع إسرائيل، تبحث عن مدربة رياضة لأحد نوادي مرجعيون. هنا، تتوقّف سهى بشارة عن الكلام. تبعد كوب العصير من أمامها، وتستعين بأصابعها لترسم على طاولة مقهى «غوندول» البيروتي، حيث التقيناها، طبيعة العلاقة بين عائلة أنطوان لحد وباقي أهالي مرجعيون. «كانت مينيرفا مستعدة للقيام بأيّ خطوة، كي تثبت فقط أنها تنتمي إلى مرجعيون وكي يتقبلّها الأهالي، وخصوصاًَ أنها لم تكن جنوبية. كما أنّ الأجهزة الأمنية المتعاملة مع إسرائيل في مرجعيون لم تكن تحبّ زوجها». تدخل بشارة في تفاصيل العلاقة بين مختلف الأجهزة العميلة في الجنوب، لتؤكّد حقيقة واحدة «امتعاض الأجهزة الأمنية العميلة من أنطوان لحد، كان سببه غضبهم من المنصب الذي سلّمته إياه إسرائيل، فيما هناك في رأيها من هو أحقّ به». استغلت سهى بشارة هذه العلاقات المعقّدة بين مختلف الأطراف، ونجحت في بناء علاقة متينة مع مينيرفا لحد. ورغبةً منها في توطيد تلك العلاقة، اشترت أشرطة جاين فوندا كي تتعلّم أصول الـ«آيروبيك»، وتتمكّن من تسلّم مهمتها الجديدة.
هكذا، وثقت بها مينيرفا وأدخلتها إلى منزلها، «هناك، رأيت للمرة الأولى أنطوان لحد... لم أطلق النار». ثمّ كان اللقاء الثاني الذي سبقه تدريب عسكري قصير. «الساعة السابعة والنصف مساءً. كان أنطوان لحد جالساً بجانبي، لا تفصل بيننا سوى طاولة عليها هاتف. ومقابلي، جلس صديقه وزوجته. وفي الجهة الأخرى، كانت مينيرفا وأولادها. سحبتُ المسدّس، أطلقت الرصاصة الأولى باتجاهه، أردتها تحية إلى أطفال الحجارة. ثمّ ألحقتها برصاصة ثانية أردتها دعوة إلى اللبنانيين كي يحملوا السلاح في وجه الاحتلال». ظنّت سهى أنها أصابت هدفها، لم يتسنّ لها الوقت للتأكّد من الأمر، إذ حضر رجال أمن لحد، وحقّقوا معها، وعذّبوها وجلدوها. ثمّ نقلوها إلى فلسطين المحتلة، لتعود بعدها إلى معتقل الخيام، وتبقى هناك عشر سنوات... تتمّة القصة معروفة، أو هذا ما نتخيّله. نخشى أن نعيد إلى هذه المرأة، آلاماً وذكريات تحاول نسيانها. لكن مجدداً، تفاجئنا سهى بشارة. تسقط كل الجدران، تحكي عن أساليب التعذيب الجسدية والنفسية، وعن مواجهتها اليومية للإسرائيليين وعملائهم. تتحدّث عن أيام أنهكتها، وأتعبتها لكنها لم تهزمها... حتماً، لم تهزمها. وها هي اليوم في بيروت، لتلتقي الأجيال التي أتت بعدها وتحكي لها عن دور المرأة في النضال.
1967
الولادة في بيروت
1986
الالتحاق بصفوف «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية»
1988
محاولة اغتيال أنطوان لحد واعتقالها في معتقل الخيام إلى أن أطلق سراحها عام 1998
2000
صدور كتابها «مقاوِمة» (دار الساقي)
2010
تلقي محاضرة اليوم في «الجامعة الأميركية في بيروت»، بعنوان «نساء في النضال: نداء إلى الجيل القادم»، في إطار «أسبوع الفصل العنصري الإسرائيلي»، الذي انطلق في «جامعة تورونتو» قبل ست سنوات

 عن المحاضرة في الجامعة الامريكية  كتبت جريدة السفير

سهى بشارة: بناء لبنان يكون بإعطاء الفلسطينيين حقوقهم المدنية
ابراهيم شرارة
جريدة السفير 06/03/2010
لن تعرف سهى بشارة عما ستتحدث أمام الحاضرين في قاعة الـ «ويست هول»، في الجامعة الأميركية في بيروت. ستكرر السؤال مراراً: «عن شو بدي أحكيكم؟ وبأي موضوع بدي أقنعكم؟».
في فرنسا مثلاً، أو في أي دولة أوروبية، كانت لتتحدث عن القضية الفلسطينية، أو عن العمليات الاستشهادية ربما، «أمّا هنا، أمام جمهور عربي، فعن ماذا سأتكلم؟ عن النكبة، عن حرب الـ67، عن أيلول الاسود، عن تلّ الزعتر، عن المجازر في المخيمات..».
لن تطول حيرة الأسيرة المحررة كثيراً.
هي أرادت ربما تصنّع تلك الحيرة لتصل إلى القضية الأساسية من وجهة نظرها، هنا، وفي هذه المرحلة: الحقوق المدنية للفلسطينيين في لبنان.
دقيقتان أو ثلاث للبداية، كانت كفيلة بأن تعتري صوتها نبرة غاضبة، مع قليل من الحزن، أو الأسف ربما. صوت لم يهدأ لنحو ساعتين، هي مدّة الندوة التي شاركت فيها، ضمن فعاليات أسبوع الفصل العنصري في بيروت»، بعنوان «نساء في النضال: نداء إلى الجيل القادم» في الوست هول في الجامعة الاميركية في بيروت.
وحديث بشارة لا يمكن له إلاّ أن يتشعب، لكنه في كل مرّة يعود إلى حيث تريد أن تكون حاضرة، بقوة. الحقوق المدنية، ثم الحقوق المدنية، مرّات ومرّات، لا كخدمة نقدمها للفلسطينيين، كما تقول، بل لأنفسنا.
من هذا الباب تدخل بشارة إلى لبنان.
«الجميع هنا مع القضية الفلسطينية، والجميع ضد التوطين. من (سمير) جعجع إلى (ميشال) عون إلى حزب الله و«أمل» واليسار. لكن كل طرف من الإطار الذي يراه لنفسه. هذا الإطار تحديداً هو ما يجب إعادة التفكير فيه، وليس القضية بحد ذاتها».
مقدمة لا بد منها لتقول في وقت لاحق من الندوة: «المطالبة بالحقوق المدنية للفلسطينيين في لبنان موضوع يجب أن يستوقف كل واحد منا». تقول ذلك، وتسخر من التذرع بالحساسيات الطائفية المرتبطة بهذا الموضوع: «إذا اعطيناهن حقوقهن بصير بدهن يقعدوا عنا»، أو مثلاً: «الفلسطينيون سنّة، ولا يوجد فلسطينيون مسيحيون، وهذه مشكلة. كلهم من السنة، كيف إذا قرروا أن يتشيعوا لاحقاً؟! هيدي مصيبة أكبر».
تستحضر أيضاً حال البلد: «بلد ما فيه شي راكب. شيء واحد ظلّ في خلال كل تلك السنوات ثابتاً، هو حياة الفلسطيني داخل المخيمات». ثم: «في الفترة الأخيرة، استطعنا أن ننزل الناس بالملايين، ملايين هنا وملايين هناك، تحت شعار رفعه البعض: كيف يمكن أن نبني بلد القانون والعدالة الاجتماعية، وبلد الديموقراطية، وأن يعيش أبناؤنا فيه بسلام. يرفعون هذا الشعار، وفي الوقت نفسه يمارسون العنصرية تجاه الفلسطينيين المقيمين هنا».
وفي المقابل: «الأحزاب التي تتلطى خلف القضية، وأيضاً الأحزاب التي سقط لها شهداء في سبيل القضية، هذه الأحزاب ولا في مرّة عملت تظاهرة جدّية لأجل الحقوق المدنية للفلسطينيين في لبنان».
وتؤكد: «إذا أردنا أن نبني هذا البلد، فهناك بوابة عبور واحدة، هي الحقوق المدنية للفلسطينيين، فلا يمكن بناء بلد بوجود قوانين عنصرية».
قبل ذلك وفي خلاله، تمرّ بشارة في حديثها على المرحلة التي تعرفت خلالها الى القضية الفلسطينية.
في العام 1982، بعد مجزرة صبرا وشاتيلا: «هيدا الفلسطيني لو كان عندو هويّة، متل غيره، لكان قدر يطلع من المخيم، قبل ما يجزّروا فيه».
وتحكي عن تجربتها في المقاومة وفهمها لها: «إن متّ، فهذا يعني بداية جديدة. الطريق هو نفسه، لكن إلى حيث وصلت، سيكمل غيري من بعدي».
تحكي أيضاً عن القضية عندما تصير مناسبة: «في حدث معين نلتقي، ونفترق بعده، ثم ننتظر صدمة لنتحرك. الصدمة تأتينا مِمن؟ من الإسرائيلي. ننتظر صدمة من الإسرائيلي: مجزرة مثلاً، أو حربا. وعندها فقط نعود لنتحرك».
وأيضاً، عن الانتفاضة الفلسطينية: «لا شيء أعنف وأقوى من وقوف شعب أمام ملاّلة. كانت هذه الثورة قادرة على فعل الكثير، لذلك أسرعوا في إخمادها. وفلسطين إذا كانت تريد أن تقف على قدميها فعليها الوقوف بوجه ملالة».
وتستدرك: «استطيع قول أي شي، إلا أن أقول للشعب الفلسطيني كيف يقاوم»، فالمقاومة اللبنانية وصلت إلى ما هي عليه، بحسب بشارة، لأنها تعلّمت من المقاومة الفلسطينية.
«الأم الفلسطينية هي التي علمتنا كيف نحمل البارودة، ومن نضالها ودورها في المخيمات تعلمنا أن نناضل في قرانا وبلداتنا».
وتضيف: «اعتاد العرب، للأسف، أن «يتفلسفوا» على الفلسطينيين ووسائل دعمهم. لكن الدول العربية لم تكن ترى في القضية الفلسطينية قضية شعب، بل كانت ترى فيها قضية مصالح. ولو كان الوضع غير ذلك لكنّا عاملنا الفلسطينيين باحترام في الدول العربية».
وتصل بشارة إلى نتيجة تبدو واضحة بالنسبة إليها:
إذا كان يمكن لعب دور لدعم القضية الفلسطينية على المستوى الشخصي، هنا في لبنان، فهو من خلال أمرين: تبنّي قضية الحقوق المدنية، وتكريس أسبوع الفصل العنصري، كنشاط دائم، في الجامعة الأميركية وفي غيرها من الجامعات في كل لبنان، «لا أن يتوقف عند حدود كلية العلوم في الحدث، بل أن ينظّم في الفنار أيضاً، ليه لأ».

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات