بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
يوم المقاومة والتحرير
  25/05/2010

يوم المقاومة والتحرير

سليمان تقي الدين

دعا السيد حسن نصر الله إلى كتابة تاريخ المقاومة بدقّة وأمانة وبما يحفظ للجميع أدوارهم ومساهماتهم فيها. المقاومة التي أنجزت تحرير معظم الجنوب اللبناني في 25 أيار عام 2000 ونحتفل بذكراها العاشرة اليوم هي من دون أدنى شك الأكثر أهمية في مسيرة العمل الوطني اللبناني. لكن تاريخ المقاومة يكتب بكل المساهمات في مواجهة الاستعمار الفرنسي ـ البريطاني الذي احتضن المشروع الصهيوني ورعاه، وهذا أمر يعيدنا إلى البدايات من الصراع بين العروبة والصهيونية. غير أن أقرب حدث يمكن الانطلاق منه هو عام 1968 الذي بدأت فيه بواكير مقاومة لبنانية على أرض الجنوب بوجه إسرائيل في امتداد النهضة الوطنية التي استولدتها تداعيات هزيمة الخامس من حزيران 1967. أول من بادر إلى تنظيم تلك المقاومة هو الحزب الشيوعي اللبناني من خلال تنظيم الحرس الشعبي والأنصار، والأحزاب القومية من خلال الفصائل الفلسطينية. ثم اتخذت تلك المقاومة طابعاً وطنياً عاماً عبر المطالبة بتسليح الجنوبيين وتوفير مقومات الصمود. وتوازت الأحزاب الوطنية في ذلك مع حركة جماهيرية أطلقها الإمام موسى الصدر، لا سيما بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1972 وتهجير عشرات آلاف المواطنين. أما المحطة الأبرز فكانت حمل السلاح دفاعاً عن الوجود والمخيمات الفلسطينية عام 1973 في وجه المشروع الهادف إلى تكرار تجربة أيلول الأسود في الأردن عام 1970 بتصفية المقاومة الفلسطينية. منذ عام 1975 أخذت مواجهة المشروع الصهيوني ابعاداً وأشكالاً مختلفة وصارت جزءاً
من حروب لبنانية مركّبة حتى اجتياح إسرائيل للبنان عام 1978، حتى الليطاني وهو كان بمثابة مقدمة لمشروع الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982.
أطلق الشيوعيون «المقاومة الوطنية» في 16 أيلول 1982، لكن جميع الأحزاب الوطنية (القومي السوري والبعثي والناصري والجماعات اليسارية الأخرى) شاركت بفاعلية في عمليات نوعية حتى اندحر الاحتلال عن معظم المناطق حتى جنوب الليطاني بعد 1985. في تلك الظروف نشأت حركة «المقاومة الإسلامية» بقيادة «حزب الله» الذي أعلن عن هويته ومشروعه السياسي في وثيقته الأولى عام 1985. تفاعلت الأحزاب الوطنية مع الفصائل الفلسطينية وتفاعل «حزب الله» مع «الحرس الثوري الإيراني» الذي جاء إلى البقاع لإسناد المواجهة السورية مع إسرائيل. كانت الحرب آنذاك حرباً إقليمية دولية تحتاج الكثير لكتابة فصولها. عادت القوات السورية إلى بيروت عام 1987 لوقف الفوضى الأمنية، لكنها بالمعنى الاستراتيجي، وبسبب من توازنات دولية، أعادت الأوضاع تقريباً إلى ما قبل 1982 لرفض نتائج الهيمنة الإسرائيلية على لبنان التي سقطت مع إسقاط اتفاق 17 أيار في حرب الجبل (أيلول 1983) وشرقي صيدا (1984) وانتفاضة بيروت والضاحية (6 شباط 1984). في العام 1987 توقفت أعمال «المقاومة الوطنية» أو تراجعت إلى أبعد حد، بينما تصدر «حزب الله» تلك المقاومة حتى التحرير. هذه هي المحطات والعناوين الكبرى لمسيرة «المقاومة».
فشلت «الحركة الوطنية» في متابعة المقاومة لأن مشروعها السياسي انتهى، أولاً بحل نفسها كحركة وطنية، ثانياً بغياب برنامج جامع، ثالثاً بانحلالها إلى مكوناتها الطائفية، رابعاً بالتعريب المباشر للأزمة والتدويل، خامساً بأوهام التحول إلى حركة ««ديموقراطية» تغييرية في الداخل، سادساً بعدم توافر قيادة ثورية استراتيجية، سابعاً بانهيار عناصر الوحدة الوطنية والثقافة السياسية الوطنية لصالح التيارات الأصولية الدينية، ثامناً لانغماسها في الصراعات الأهلية والتجاذبات الإقليمية، تاسعاً لانهيار منظمة التحرير الفلسطينية ومناخ التراجعات العربية المسيطر، عاشراً لأنها تعرضت للحصار طوائفياً وإقليمياً وفقدت مصادر الدعم الخارجي.
نجحت «المقاومة الإسلامية»، لأن برنامجها أولاً هو المقاومة والتحرير، ثانياً لأنها لم تدخل في النزاعات الداخلية، ثالثاً لتوافر قيادة حقيقية، رابعاً لتطابق مشروعها مع جمهورها عقيدة وأرضاً وبشراً، خامساً بتنظيمها الفعّال وإدارتها الحازمة، سادساً بالعمل على أرض لا سلطة عليها ولا مرجعية فيها، سابعاً بابتعادها عن النزاعات الداخلية والوصاية الخارجية، ثامناً بتضافر وتنظيم وتفعيل الموارد الخاصة والمساعدات الخارجية، تاسعاً بالإفادة من الدور الإيراني والسوري وحاجة هاتين الدولتين لهذه المقاومة، عاشراً، لأن مشروعها جذري من الزاوية العقائدية والإيمانية ولا تحسب لمشروع السلطة والدولة القائمة حساباً ولم تجعل منهما هدفاً مستقلاً عن هويتها.
أنجزت «المقاومة الإسلامية» التحرير واستثمرت سياسياً تضحياتها وجهودها ومصداقيتها ومثابرتها، وكذلك كل العناصر الخارجية التي تضافرت آنذاك لفرض الانسحاب الإسرائيلي، من داخل إسرائيل نفسها، من المناخ اللبناني الداعم، من الوضع الإقليمي والدولي الساعي إلى إخراج الدور الإسرائيلي المباشر من لبنان لما له من آثار سلبية على صورة إسرائيل.
استثمرت المقاومة أيضاً على مجتمعها الخاص فأنشأت ما يمكن وصفه بالمجتمع المقاوم، فهي لم تترك الميدان الاجتماعي والسياسي والثقافي وعملت على تأطيره ورعايته، وأنشأت مؤسسات رديفة حتى قاربت صورة الدولة. ولأسباب عقائدية وبرنامجية ولطبيعة مكوناتها وحاضنتها الإقليمية المتعاظمة مع تطورها ونجاحها، استأنفت دورها ولم تعتبر لحظة أن مهمتها تتوقف عند إنجاز التحرير بل الدفاع عنه والاندراج في مشروع دفاعي أوسع صار ذا بعد إقليمي أهّلها لأن تخوض حرب تموز 2006 بنجاح أكبر، مما جعلها عنوان المواجهة ورأس حربتها ومصدر إعجاب وإلهام ورفعها إلى رتبة الدور الوطني الكبير الذي تتضاءل حياله كل الأدوار الأخرى.
هذه هي المقاومة التي ندين لها بالتحرير ونحيي بفخر واعتزاز تجربتها. أما غد المقاومة فهذا شأن آخر
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات