بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
في ذكرى الوحدة المغدورة: الثورة الشعبية تعيد للعروبة ألقها
  22/02/2011

في ذكرى الوحدة المغدورة: الثورة الشعبية تعيد للعروبة ألقها

معن بشور

حين انقض الانفصاليون في 1961/9/28 على أول وحدة عربية معاصرة بين مصر وسوريا، مستفيدين من دون شك من ثغرات وأخطاء في نظام الوحدة نفسه، لم يكن هدفهم، وهدف من وراءهم، مجرد الاجهاز على دولة وحدوية وليدة انطلقت في 22 شباط 1958 فحسب، بل كان الانفصال المشؤوم خطوة أولى في استراتيجية كبرى، هي الانقضاض على الوحدة العربية، كفكرة جامعة، وكمشروع نهوض وكتعبير متجدد عن مصير واحد، تماما كما كان الهدف هو تحقيق التجزئة، أي جعلها حقيقة وحقا، والانتقال من خارطة التجزئة التي وضعها يوما سايكس وبيكو في إحدى غرف مجلس العموم البريطاني، إلى تفتيت شامل يرتكز على اثارة كل أنواع العصبيات عرقية كانت أم طائفية أم مذهبية أم جهوية أم حتى قبلية.
وليس من قبيل الصدف ان نجد اليوم أنظمة سايكس ـ بيكو، القديمة والجديدة والمتربعين على عروش الدول القطرية، صغيرها وكبيرها على حد سواء، يشهرون هذه العصبيات على أنواعها لمواجهة الثورة الشعبية الزاحفة إلى قصورهم تماماً كما يشهرون سلاح القتل الجماعي بوجه أبناء وطنهم فتقدم أجهزة هذه الدول النظامية منها وغير النظامية، على ممارسات مستنسخة تماماً عن ممارسات جيوش الاحتلال وأجهزته القمعية.
فالاستبداد الداخلي والهيمنة الخارجية، قاما على الدوام وبفعالية، في حراسة التجزئة ورعاية التفتيت والتقسيم كاحتياطي استراتيجي لهذه التجزئة.
من هنا تأخذ الثورة الشعبية العربية بعدها القومي والوحدوي لا في مواجهة انظمة التبعية والفساد والاستبداد فحسب، بل في مواجهة جذور هذه الأنظمة المرتكزة أساساً على تجزئة الأمة، وتزييف هويتها وسلب خيراتها، وتهديد أمنها القومي، وتدمير مقومات وحدتها ونهضتها.
لقد كان المشهد على مساحة الأمة كلها مشهداً واحداً: جماهير باسلة يقودها شباب انعتق من كل قيوده والتحق بروح العصر بكل تقنياته من جهة، وأنظمة متوحشة يوجهها حكام مستعدون لإحراق البلاد كلها كي يبقوا على عرش السلطة من جهة ثانية.
في المشهد ايضا متظاهرون من المحيط إلى الخليج يرددون قصيدة واحدة لشاعر عربي من تونس قالها قبل 80 عاما، (إذا الشعب يوماً) مستشرفاً تمرد أبناء أمته على كل أنواع القيود العفنة ومستشرفاً في الوقت ذاته دور بلده تونس الخضراء كرائد للثورة الشعبية العربية، بل كملهم لجماهير الأمة كلها.
وفي المشهد نفسه كذلك شعارات واحدة تنتقل من قطر إلى قطر كما النار في الهشيم، فيصبح هتاف «الشعب يريد إسقاط النظام»، هتاف الأمة كلها، وحتى الذين لم يصل بهم الأمر لإسقاط انظمتهم فاستخدموا كلمة «اصلاح» بدلا عن كلمة «إسقاط» من دون ان يبدلوا في نبرتهم وعزمهم وتصميمهم على التغيير.
وفي المشهد أيضا أنظمة تتصرف وفق «دليل سلوك» واحد، قوى أمنية علنية وسرية، نظامية وغير نظامية، بلطجية ومرتزقة، اغلاق كل وسائل التواصل الالكتروني والاعلامي، حديث «أبوي» من الحاكم عن الحوار مرفق ببطش وحشي «بالأبناء».
وفي المشهد عينه ان الثورة الشعبية تنتقل من دولة إلى أخرى، كما وكأنها تنتقل من محافظة إلى محافظة، او من مدينة إلى مدينة، داخل البلد الواحد، فيما الناس في الشوارع والساحات يحيون بعضهم بعضا عبر الحدود والاسلاك الشائكة، مؤكدين على هويتهم الجامعة وعلى قضايا أمتهم العربية والاسلامية وفي مقدمها قضية فسطين.
وفي المشهد ذاته وحدة وطنية تترسخ في مناخ الثورة الشعبية، فالمسلمون والاقباط يصلون معاً في ميادين مصر فيما تعلو الاصوات متهمة وزير داخلية نظام مبارك بتدبير جريمة التفجير لكنيسة الاسكندرية ليتهم الفلسطينيين والاسلاميين بارتكابها بهدف ضرب الوحدة الوطنية المصرية، والوحدة القومية بين مصر وفلسطين.
والوحدة ذاتها تجلت في ليبيا حيث حاولت أجهزة النظام ان توحي بأن نزعات جهوية تقف وراء الثورة التي انطلقت من بنغازي في الشرق (مركز ثورة عمر المختار) فإذا بمدن الغرب بدءا من مصراطة وصولا إلى زنتانه وكل مدن الجبل الأخضر تنضم للثورة ولوحدة ليبيا في آن.
وفي اليمن طوت الثورة الموحدة شعارات الانفصال التي طالما استخدمها النظام لإطالة عمره، فإذا بالتظاهرات تعم اليمن كله، بشماله وجنوبه، ويرفع المتظاهرون الشعار نفسه.
أما في العراق، حيث عمل سكين الاحتلال وعملائه، وعلى مدى سنوات، لتمزيق الشعب العراقي إلى اثنيات وطوائف ومذاهب وقبائل متناحرة فقد عمت الاحتجاجات، وفي وقت واحد بلاد الرافدين من شمالها في السليمانية حتى جنوبها في شط العرب، مروراً بالكوت والعمارة والديوانية والناصرية والحلة وكركوك وبعقوبة والموصل والرمادي والفلوجة، ودائماً في بغداد بكل أحيائها ومكوناتها، وكل هذه الاحتجاجات تمهد لانطلاق ثورة شعبية في 25 الجاري.
وفي البحرين، أدرك المتظاهرون المعتصمون في دوار اللؤلؤة ان المؤامرة التي يواجهونها لا تنحصر بالبطش الدموي غير المسبوق، وغير المعروف في جزيرة عريقة بتقاليدها الديموقراطية وبحركتها الوطنية الجامعة، بل ان لهذه المؤامرة أبعادا تتجاوز حدود البحرين لتصب في مخطط إشعال نار الفتنة المذهبية على امتداد الجزيرة العربية وصولا إلى أقطار الوطن العربي وبلدان العالم الاسلامي، فكان حرص قياداتهم، رغم المرارة والجراح، على افساح المجال للحوار مع التأكيد على متطلبات تسبقه، أولها من دون شك سحب الجيش من الشوارع والاقرار بحرية التظاهر والاعتصام السلمي ومحاكمة المسؤولين عن الجرائم.
إذاً هي أمة واحدة من محيطها إلى الخليج، الجماهير تتصرف بشكل موحد، رغم الخصوصيات وتباين الظروف، وكذلك الانظمة وهي تستعير من بعضها البعض وسائل القمع والقتل وآليات التضليل التعتيم، بالاضافة إلى المفردات والمصطلحات التي تتكرر في أجهزة اعلام النظام.
في عام 1956، وعشية معركة السويس التاريخية في مصر، كتبت صحيفة «لوموند» الفرنسية تقول إنه «إذا أردت ان تعرف حدود القومية العربية فما عليك الا ان تعرف من هي الشعوب التي ستتجاوب مع الدعوة للاضراب التضامني مع مصر بوجه التهديد الاستعماري بالعدوان عليها». يومها كانت كل أقطار الأمة من المحيط إلى الخليج متجاوبة مع نداء التضامن مع مصر الذي أطلقه مؤتمر تضامن الشعوب الافروآسيوية الذي كان يرأسه الزعيم الوطني اللبناني الراحل حميد فرنجية.
واليوم تضع كل وسائل الاعلام الغربية، عناوين لتغطيتها الاعلامية تشدد على الطابع العربي لهذه الثورة، فالـ(سي ان ان) CNN مثلا التي لم تكن تسمي منطقتنا الا بالشرق الأوسط، وتضيف أحيانا شمال افريقيا، يتصدر شاشتها اليوم تعبير «التململ العربي» (ARAB UNREST).
أما الهلع والقلق والذعر فيجتاح الكيان الصهيوني، بقيادته ومواطنيه، بعد ان ظنوا بأن المارد العربي قد مات منذ زمن فإذا بأبنائه وأحفاده يدقون أبواب الثورة والوحدة والنهضة والتحرير من جديد.
سنة 1958 غنت الفنانة اللبنانية الكبيرة نجاح سلام للوحدة المصرية ـ السورية واصفة شهر فبراير «بشهر الفرحة والبشاير»، وبعد 53 عاما تغني الأمة ايضا لفبراير «شهر الثورة والبشاير» لا سيما مع انتصار تونس الرائد وثورة مصر التي يغني أبناؤها مع شاعر الثورة «الراية مصرية والأمة عربية».
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات