بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
ما في يد السوريين وما على الشجرة الأمنية
  13/04/2011

ما في يد السوريين وما على الشجرة الأمنية



الرئيس والحزب والوطن.. (د.ب.أ)

وسيم إبراهيم
06/04/2011

«الناس لا يثقون بهذه السلطة». ما كان لجملة كهذه، قالها المحامي هيثم المالح، أن تتجوهر لولا الاحتجاجات الشعبية. جملة يجب أن تُنطق كلمة كلمة، وأن يتوقف المرء بعد كل كلمة لتركها تأخذ وزنها الحقيقي، وتتنفس بعمق دلالتها الطازجة بفضل الاحتجاجات.
جملة مثل هذه كنت لتمرّ بها من غير اكتراث، فقط قبل أن تخرج درعا معلنة بداية عهد جديد. كلماتها الآن ترنّ. كان المحامي الثمانيني يردّ على من سأله «لماذا يستمر السوريون في الاحتجاج»، رغم إطلاق عمل اللجان والدراسات الإصلاحية. كان يتساءل أي وعود يصدّق وهو يترك خلفه رفاقا كثر من معتقلي الرأي والسياسة.
ما في الواقع يستهدف بدوره احتمالات التصديق، ونحن نسبح في هواء مفعم بعدم الثقة. في بداية الاحتجاجات المطلبية، خرج التلفزيون السوري علينا برواية مؤامرة. أسندوا المؤامرة بشاهد، هو مهندس مصري أحضروه موجودا على الشاشة. حبكوا أجوبته ليصير حكاية عميل لصالح إسرائيليين، وظيفته إرسال فيديوهات مدفوعة عن الاحتجاجات. بعد أيام، يُطلق سراحه، وتخيّلوا أن الأمر مرّ وكأن شيئا لم يحصل. لا شيء استحق الالتفات. هكذا، بهذه البساطة. لم يكلّف التلفزيون السوري نفسه عناء الشرح أو الاعتذار. عندما قدّم للمؤامرة ختمت المذيعة القصة وهي تقلّب أوراقها بجديّة وعبوس: «وهذا غيض من فيض».
هذه القصة جاءت في عزّ ارتباك الجهاز الأمني، واستنفاره بالسرعة القصوى لرمي المؤامرة في وجه الجميع. لذا، يمكن تخيّل كيف ستكون الروايات «المحكمة» التي تشتغل عليها العقول الأمنية. لكن أمثولة شاهد التلفزيون السوري على «المؤامرة» ضرورية. في زمن التشكيك بكل شيء تصير واقعة مثبتة نادرة تبرّعت الشاشة الرسمية بتقديمها. شكرا، يمكن اقتباس خاتمة المذيعة، للترجيح أن فبركة كتلك هي بعينها «غيض من فيض». هذا ضروري لإعطاء إشارة واقعية لنقاش مبتدأه «قسّ على ذلك». قس على ذلك، وتأمّل في مدى فقدان الثقة.
يمكن الحديث عن فقدان الثقة، وعن أمل الشفاء البعيد. الثقة لا تولد بالفطرة، ولا تكتسب حصانة ذاتية، خصوصا في علاقة مريضة بين السلطة والمواطن. في هذه الحال، يكون المجرى المنطقي لتلك العلاقة: «أنت غير جدير بالثقة حتى يثبت العكس». لن يثق الأمنيون أن المواطن يصدّقهم، وسيعاجلون لإفحامه، ويعطونه أسبابا جديدة كي لا يصدّقهم أكثر. قس على ذلك. سيكون في أيدي الناس ما يصدقونه، وسيكون من يلوّح لهم بشجرة المؤامرات. مطلب كرامة وحرية في اليد، وسرب مؤامرات على الشجرة: أيها نصدّق؟
أما في السلطة، فهناك من لا يزال يفضّل الإمعان في مؤامرات الشجرة، بدل الالتفات إلى قدرة تحقيق المطالب الأكيدة في يديه. طبعا لا داعي للخلط هنا. بالنسبة للسلطة، ليس فقط من حقّها، بل قبل ذلك واجبها ومسؤوليتها، المدفوعة من أموال الدولة، أن تترصّد وتفكفك «المؤمرات»، لكن لتحمي الشارع، لا لأن تخوّفه وتقايضه مطالبه بها. النسج على هذا المنوال ابتزاز، ويجب ألا ننسى أن التصدي للمؤامرات هو ملعب السلطة، وبالطبع، ليس ملعب الشارع.
من على هذا البعد يمكن الحديث عن الشفاء. لن نشفى بسهولة، هذا إذا شفينا. ستعيش أجيال، ولكن الأمل أن أحدها سيخطو يوما باتجاه نصب الشهداء في درعا، وفي المدن السورية الأخرى، ويضع الورود هناك. سيترحمون على من فتحوا طريق الحرية. وسيكون لديهم الوقت، ليتأمّلوا وهم يصغون لنسوة حوران تغنّين: «من مفرق جاسم للصانمين، حاجي تهلّي الدمع يا عيني. حاجي تهلّي الدمعة السخية، يللي اتهموكي وانت البريّة». سيتأملون كيف يولد تراث في التراث. لن يعود طريق الأهزوجة الشعبية نفسه، من مفرق قرية جاسم إلى قرية الصنمين، بعدما سالت دماء الشهداء فيه. هناك ستبقى تسير، إلى جوار قصة العشاق، ملحمة أخرى عن عشق الحرية.
سيكون الشفاء بعيدا، لكن مطلب الكرامة والحرية صار في اليد. هنا سيبقى الحديث في مدار فقد الثقة. طالما يقال فلتخرجوا آمنين لتظاهراتكم السلمية، ويستمر القمع والاعتقال والقتل. الثقة بعيدة، طالما يهتف الشارع «نريد»، ويردّ منبر السلطة «سوف». وحتى لو ركبنا قارب التسويف، لا زلنا لا نعرف ما الذي يقصده القائلون بـ«إفساح المجال» للّجان لدراسة «القوانين الجديدة». وكأنّ أعضاء تلك اللجان يجلسون على شرفة الشارع السوري، ولا يمكنهم التفكير من «صخب» الهتاف بالمطالب. فليدرس من يريد إعداد القوانين، وليترك من يريد المطالب يتظاهر بسلام، حتى تتضح الصورة. رئيس الجمهورية قال إنه انتظر ليلقي كلمته المرتقبة، وعن قصد، حتى تكتمل الصورة لديه. ألا يحقّ للشارع، وقد ذاق ما ذاقه، أن يشغل موقعه أيضا حتى يتظهّر «نيكاتيف» التحقق الموعود للمطالب.
هكذا لن يكون لدينا سوى قاموس الشارع. ها هو يخرج خصبا وحاذقا، خصوصا وهو يرى هجمة الاعتقال قائمة: «لو بدها تشتّي لكانت غيّمت». شارع ليست تساؤلاته مجرد كلام، بل تصير بوصلته. ينبغي التأمّل في ذلك، لمن يريد أن يفهم ولمن يريد ألا يفهم. أسئلة بالتأكيد سيجد من يطرحها أجوبته، طالما الأجوبة الرسمية مفقودة، أو بحكم المفقودة: على الشجرة. لماذا لا تأتي «العصابات المسلحة» إلا عندما تخرج مظاهرة المطالب. ماذا يفعل عتيد أجهزة المخابرات، حتى تتمكن «عناصر مسلحة» من الاستفراد بهم وبالمتظاهرين، كل ذلك، ولا زلنا نتحدث عن تظاهرات لم تصر مليونية، ليقال إن الحشود العظيمة خارج السيطرة. ولماذا عندما تخرج تظاهرات التأييد الحاشدة، لا نرى إلا الصفو والأمان. هذه أسئلة الناس، وهي ليست بلا معنى. ربما هي مثل جملة المحامي، خلاصة المعنى: قسّ على ذلك... حتى يثبت العكس

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات