بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
سوريا... لا أسود ولا أبيض
  28/04/2011

سوريا... لا أسود ولا أبيض
غدي فرنسيس


دمشق
:
تغمر سوريا لبنان في الخريطة، كما في كل شيء، بدءاً بالمنافذ الحدودية وصولاً إلى الأمم المتحدة. لبنان شأن سوري. ومقاومة لبنان لطالما احتمت بدرعها الدمشقي، وعقول الشارع اللبناني مستنفرة حول الأزمة السورية اليوم. حلول لبنان الحكومية وغير الحكومية تنتظر على الأرجح الحلول السورية. ومن لبنان إلى دوما ودرعا وحمص، يحق للخوف أن يقرع نواقيسه. الخوف على لبنان، الصيغة، المقاومة، الأقليات. كما الخوف على استقرار سوريا.
لا احد يستطيع أن ينزع عن الدماء أحقيتها، ولكن لا بد من مشاهدة أرض الواقع. رغم أحقية المطالب والشهداء، ثمة هواجس قوية حول محاولة للتسلل من خلال هذا الحراك المتنامي، فالناس الذين يتظاهرون تحركهم دوافع عديدة: معظمها طائفية نظراً لطبيعة المجتمع في دوما أو في درعا أو في مناطق التظاهر في حمص. تلبيسة مثلاً هي كالضنية، وإن نزلت إلى «أشرفية دمشق»، فذلك لا يعني أن حريتهم صائبة بالكامل. لا احد يبرر حكم الحزب الواحد، ولا احد يعبّر عن إعجابه بالطريقة الاستخباراتية السورية التي تخنق حياة الناس، كما أن أحدا لا يستطيع أن ينكر أن دمشق اليوم مختلفة عن دمشق الأمس القريب.
في المقاهي والصحف والشوارع، علا سقف الكلام والمطالب وحتى الشتائم، الأمر الذي كان غائبا كلياً عن سوريا منذ بضعة أشهر. في الدكاكين وسيارات الأجرة والجامعات والمكاتب والشوارع، الجميع يعيش هاجس الخوف والقلق. لم يعتد السوري على طرح الأسئلة الكبرى. أصلاً لم يكن يحلم، قبل أيام بأن يشهد إزالة حالة الطوارئ أو أن يولد في زمنه قانون جديد للأحزاب. إبن دوما انطلق من مطلب بسيط أشبه بمطالب ترفع لانتخابات مجالس بلدية، لكن الإحاطة الإعلامية بالموضوع والمعالجة الغبية من قبل بعض الإعلام الرسمي، أوصل سوريا إلى ما هي عليه اليوم، من دون إغفال دور الناشطين الحقوقيين و«تيارات المجتمع المدني» والمنظمات غير الحكومية التي تنشط من لاهاي إلى السويد إلى لبنان باتجاه سوريا. المواطن السوري لا يملك أصلاً شجاعة أن يفكر بإمكانية رفض النظام، وما يحركه مختلف عمّا يسوَّق له. مطالبه إصلاحية بسيطة، من الحرية إلى الوظيفة والشقة ولقمة الخبز الكريمة.
إذا حاولت أن تنظر من زاوية شبه حيادية، ترى أن فريقي السلطة والمحتجين عرضة للإساءة من قبل مناصريهما. فلا الخطاب التخويني يصلح اليوم، وهو ما تتبعه الدوائر الموالية في وصف التحركات، ولا التغطية الإعلامية، والتعطّش المطلق لأي نوع من الثورة يصلح في معالجة الوضع السوري بينما تتربص به كل أنواع المؤامرات: من تركيا إلى الخليج إلى العراق إلى إسرائيل وأميركا، كل ذي مصلحة يحاول انتزاع مصلحته على حساب الدم السوري اليوم. لكن كيف يمكن وضع حد لكل هذا؟.
لا أحد يعتقد أن الحل الأمني خاطئ، خاصة بعد سماع وجهة نظر القيادات السورية التي تعد بالحوار. فإذا كان الحوار آت لا محال، يستحسن أن يحصل الفرز، حتى يمكن أن يجد النظام من يجلس معه حول الطاولة، في شراكة لا بد منها ولا مفر منها. يستحسن أن يوضع كل نوع من المعارضة في خانة معيّنة. المعارضة بصورة بانورامية هي كالآتي:
نخب ثقافية وفكرية معظمها علمانية، وبعضها من أصول بعثية وقومية عربية، نخب شبابية مطلبها الوحيد الحرية، «اخوانجيون» يجدون أرضية استقطابية خارج سوريا أكثر منها في داخلها، ولو أنهم قوة منظمة وبعضهم يريد إسقاط النظام والبعض الآخر يريد تسوية تجعله شريكاً في الحكم الخ... هناك سلفيون يريدون إسقاط الحكم العلوي، تيار المجتمع المدني (هنا ترتفع علامات الاستفهام الكثيرة)، رجل أعمال يريد حصة في السلطة، وصاحب امتياز يخاف على مصالحه وغيرهم.
حين تفرز المعارضات، يصبح الحوار ممكناً. والحوار هو خيار حتمي. الحل الأمني الذي اعتمد، سيؤثر على كيفية الحوار وجديّته. فحين ترى ميشال كيلو أو برهان غليون حول طاولة الحوار يختلف المشهد عن رؤية أزلام القرضاوي ومقلديه.
الرئيس السوري بشار الأسد يستطيع أن يكون الرابح الأكبر من كل ما حصل، لأن لا قدرة لأحد سواه على قيادة سفينة بناها والده (ووالده هنا ليس حافظ الأسد فقط، بل حزب البعث الذي أصبح لزاماً أن ينتهي دوره التأسيسي ليضمحل نهائياً تبعاً لقوانين العصر والتحديث). لا يزال حتى اليوم يمتلك درعاً ثلاثية لم تهتز: تجار دمشق، صناعيو حلب والأقليات الطائفية، ثقة عامة الناس به نظراً لسياسته الخارجية وخياراته القومية، والجيش السوري الذي تتنوع فيه الطوائف.
الحل بنزع الصبغة الشمولية عن الفريقين: المعارض والموالي. كل من يعرف سوريا يعرف أنها متنوعة ومختلفة وأشبه بموزاييك طوائف وإثنيات وأفكار وإيديولوجيات. كل من يعرف سوريا يعرف أن أغلبيتها لا تزال صامتة، وهواجسها وثوابتها لم تتغير. كل من يعرف سوريا يعرف أن المواطن السوري ليس كما تصوره «الجزيرة». والدليل: آلاف الشباب في مجموعات «الفيسبوك» الموالية ينشطون أكثر يوماً بعد يوم، أعلنوا يوم الجمعة المقبل «جمعة الأسد» مقابل من أعلنوها «جمعة غضب». هؤلاء الشباب لهم كلمتهم أيضاً، الآلاف يضعون صورة الأسد على مواقعهم الشخصية، ولم تتغير وجهة نظرهم بعد تقدم الحل الأمني، بل صمموا صوراً تحيي الجيش السوري.
ليس هناك أسود وأبيض، ألوان كثيرة في الشارع السوري، وأي حكم مسبق يظلم سوريا وأبناءها مهما كان اتجاهه وحرصه وصدقه، على كل من يريد أن يعطي رأيه بالأزمة السورية أن يزور درعا ودوما وتلبيسة ودمشق أولاً ثم الخروج بحكم. سوريا ليست مصر.
كل من لا يلتبس عليه الوضع السوري يصبح مطعونا بمصداقيته، وكل من يملك رأياً واضحاً مسبقاً هو غير الواضح، وكل من يبرر لظالم هو جاهل وكل من يتعطش للفوضى هو مغامر، وكل من لا يصرخ بصوت أعلى من صوت السلفية هو ليس بثائر حقيقي...لأن الحرية والثورة لن تكونا على يد سلفيّة ولا عشائرية ولا رجعية ستعيدنا مئات السنين إلى الوراء. من لم يحرر نفسه لا يستطيع أن يحرر وطنه. سوريا بأمس الحاجة للمعارضة الواعية اليوم، لأنها تحيك لباساً جديداً لجسمها، أما الرأس، فواحد.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات