بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
جمر اللاذقية... بعيون أهلها
  04/05/2011

السفير» على خط القلق السوري ..جمر اللاذقية... بعيون أهلها


غدي فرنسيس

اللاذقية :

لا يمكن معرفة تاريخ ميلاد الطائفية في اللاذقية، كما لا يمكن نكران صوت المذهبية المرتفع في الشارع والأفواه والمقاهي والاجيال الفتية. معظمهم يشدد على انها استفاقت بعد درعا. يتفق المعارض والموالي والرمادي، سائق الاجرة والدكتور والرسام، الصيدلي والمهندس وصاحب المطعم، الكاهن والصحافي وبائع الجنارك، يبرئون أنفسهم من التهمة. تتفق كل حاراتها على ان الطائفية طارئة ولم تكن من ميزة ناسها يوماً. كثيرون يستعملون عبارة: «الجمر الذي كان نائما تحت الرماد» لوصف الشبح المذهبي المخيّم فوق مدينة الهوى. إذا كانت جمرا تحت الرماد، فما الذي ايقظه؟ ولماذا؟ وما الذي أتى به على جميع الافواه؟
رواية الشارع:
يوميات جمعة اللاذقية

خلف ساحة «سينما أوغاريت» التي تعج بالجيش في الصليبي، يقف الجامع الذي تنطلق منه الصرخات. كل يوم جمعة، بعد الصلاة، يخرجون من بابيه، فيمر بعضهم تحت اللافتة التي تقول: «معهد الأسد لتعليم الشريعة». يصرخ أحدهم، يرد الباقون، يمشون الشارع باتجاه الجيش بطريقة سلمية أحياناً و«تخريبية» احياناً اخرى. في الوقت نفسه، والجمعة نفسه، يحرق البعض منهم عربتي الجيش في ساحة الشيخ ضاهر في وسط البلد، ويحطم مكتب شركة «سيرييتل» ويحرقه، ويمتد الحريق والتكسير إلى طوابق المبنى الآهلة بالمكاتب والسكان. وأيضاً ضمن احداث الجمعة يطلق الرصاص، واحياناً بالاتجاهين، ويسقط الدم في الطرفين.
لذلك سرعان ما تحوّلت الحرية إلى شعار الحكومة في لافتاتها العامة المعروضة، ولذلك طغى مطلب الامن والإستقرار. ومنذ درعا حتى اليوم، يشكو السوق من الكساد، والطاولات من فرز طائفي فاقع حد الألم. وفي الشارعين، ثوابت وأرضية مشتركة وانكسار لحاجز الشمولية التامة، فمن أقصى الموالاة في المقاهي الشبابية، إلى أقصى المعارضة في مرسم الرسام الشاعر، الرأي العام اللاذقاني شبه موحد خلف التالي: نعم هناك فساد وظلم، نعم نريد مزيدا من الحريات، والحرية ليست تهديدا للسلم الاهلي.
رسام وكاتب مشاكس:
«إذا نظرت إلى الشارع لا أجد لنفسي مكانا... وإذا مددت رأسي لانظر إلى الحراك، لا اجد لنفسي مكاناً. كنا ننتظر ان يتطور الحراك بما يجمع الشعب السوري بمكوناته لكنه اتخذ درباً أخرى... نتيجة العنف لا نجد مكانا...كل ما نملك ان نفعله اليوم: ان نلقي النظر ونتمنى السلامة».
هكذا يستهل منذر مصري الكلام في القبو الذي جعله مرسماً ومرتعاً ثقافياً ملوّناً. هو ذاك الشاعر الرسام الثائر الذي يعبق زمن السبعينيات في كل أغراضه. هو كاتب المقالات في الصحف اللبنانية والسورية وكاتب الشعر الثائر الذي صودرت كتبه من الأسواق في سوريا والعالم العربي. وبطبيعة الحال، هو المعارض الذي حدث ان زار المكاتب الامنية مراراً نتيجة استدعاء من هنا واعتقال محدود من هناك. لم يمنع من السفر يوماً لكنه كان يضطر إلى أخذ الموافقة كلما اراد ان يسافر، حتى يسمح له. فلم تكن كلمة «لا» رخيصة الثمن يوماً.
وبرأيه، فان المعارضة السورية معارضة تصالحية، ويطرح اسم ميشيل كيلو مثلاً. يرفض ان يعترف بالطائفية ويلقي اللوم على السياسة: «لبنان المثل، السياسة فيه ولّدت الطائفية وهنا أيضاً حين يبدأ الموضوع السياسي تظهر الطائفية. الناس يعيشون مع بعضهم ولم يكن هناك فرز في ما بينهم من قبل».
ويخلص في كل حوار إلى النتيجة التالية: سوريا تعيش ازمة، والدليل ان هناك دماء، لكن مفاتيح الحلول جميعها في يد السلطة. اظن ان النظام يملك الحل حتى الآن ويدعم وجوده إقامة حوار حقيقي وصادق مع الشعب السوري بكل أفكاره وليس المعارضة فقط، بل حوار موسّع ليبــرز منه ناس لهم قدرة وموهبة التكــلم باسم الآخرين فيتحوّل رويــداً رويداً وبهدوء إلى حوار يقرر مستقبل البلد. حوار يأتي بحياة أفضل وبمواطنة حقيقية. الشعب السوري عانى، لكن الحل لا يتم إلا إذا كان جميع السوريين مع بعضهم البعض.
المقاهي أيضاً «طائفية»؟
من طاولة الشباب إلى طاولة البنات في المطعم هذا وذاك، الحديث متشابه في وصف «المخربين» و«السلفيين» واعمال العنف وجرحى وقتلى الجيش والشائعات والأقوال والتصاريح والفضائح والمؤامرات و«المندسين». لكن الحديث لا يمر من دون صفارة إنذار مذهبية. من الطاولة الشبابية يصر جاك بخعازي على أن الطائفية الطارئة في اللاذقية، تعكس الواقع العربي كالمرآة وآتية من الخارج، مؤكداً ان ابن اللاذقية بسيط و«حباب» ووطني.
هنا يقاطع الحديث محمد مشرقي شارحاً كيف ضرب الشرخ الطائفي زمر الشباب. «للزمر طابع واحد ولون واحد، لكن الانقسام سياسي أكثر مما هو ديني والموقف حسّاس، ترانا نبتعد عن بعض ونعيد ترتيب لوائح اصدقائنا على الفيسبوك، لكن لا يمكن نكران أن الحراك وخاصة في اللاذقية انطلق من مناطق متخلفة، أنا عشت 3 سنوات في اللاذقية ولم أدخل إلى السكنتوري يوماً».
وهنا يرد جاك «أنا إبن اللاذقية وعمري 30 سنة ولم ادخل يوماً إلى هناك، الكل في المدينة يدرك طبيعة المجتمع في السكنتوري والرمل، و«ابو نظيرـ ربي يسّر»، ملك الشاشة يصلح كعيّنة، فهو «عقيد» حارة في السكنتوري.
هذا فضلاً عن كيف يشرح الشباب ولادة ظاهرة تصنيف المقاهي المخجلة: «فيو» للعلويين، «جغنون» للمسيحيين، «وبيوتي» لأهل السنّة!!
ويدخل «طارق» على الجلسة، وهو سني ومع الرئيس وضد الحراك، فيعدل الشباب عن رأيهم ليقولوا «الانقسام سياسي وطائفي أو حتى طبقي».
يترامون بين ما يحصل امامهم ومعهم وما يحصل حولهم وفي الإعلام. ما يعرفونه أنهم ليسوا طائفيين لكنــهم يتنبهون للمشاريع السلفــية والوهابية التي تتنامى في مجتمعهم. ويخافون على الغد، ويشدون اليد على سلاح الجيش وحلّه الامني الذي برأيهم يحمي الوطن من المخاطر والمؤامرة.
طاولة بنات
حول طاولة مسائية يجتمعن بألوانهن المختلفة. جامعيات مثقفات جميلات كل واحدة من منهل طائفي واجتماعي مختلف. الى طاولة الصديقات: صبا وكريستال ونيرمين... تتكلم عايدة امون باسمهن بيدين تؤشران وعينين تتسعان مع الغضب وتبتسمان مع العبارات الطريفة. تدافع بشراسة عن النظام وتدين التخريب كما تنتقد حراك الحرية: «يريدون لبن العصفور ولا يعرفون الحرية، هل الحرية هي التخريب والقتل والسلاح؟ خرجوا بمطالب وأيّدناهم ثم تحوّلوا إلى حركة طائفية... سمعنا هتافات تقول بالروح بالدم نفديك قرضاوي من هنا من قلب اللاذقية كما رأينا اصحاب لحى بلا شوارب يقطعون الطرقات امام الناس في بانياس... بعضهم يدعو للجهاد. لا ننحاز لجهة على جهة بل نرفض التطرف في كل الاديان... التطرف يخنق التنوع الطائفي الذي تتمتع به اللاذقية. الرئيس استجاب لمطالبهم، مسؤول درعا الذي اخطأ هو ابن خالته، لكنه يحاسبه. عيب ان ننجر خلف الغرائز، هل يعقل أن تنتقد سيدة الرئيس على إحدى صفحات الفيسبوك المعارضة لأنها تلبس تنورة؟ أهذا ما يريدون تغييره في النظام؟ نعم هناك مطالب محقة، لكن خوفي على استخدام الحق لتمرير الباطل. ليتهم يحترمون القوانين التي يطالبون بها، عندها لكنا نزلنا جميعنا للهتاف، نحن لسنا قطعانا طائفية ولا موالاة منقادة لكن هذا الحراك لا يعبر عنّا».
مدينتنا حالة خاصة
صباحاً في صيدلية إياد مرهج في شارع 8 آذار، يجتمع أطباء بشكل عفوي لفنجان قهوة سريع بينما يجلس أبو هيثم السبعيني ليفصل المؤامرة الإسرائيلية ويخوّن كل من يقول أي نوع من «لا». جندي قديم كان يخدم على الحدود اللبنانية، لم يمر بعد في تاريخ عمره أن أحداً يستطيع ان يعارض الحزب الواحد والنظام الحاكم، ثم إن قتل الجيش جعل كل الخطوط حمراء. يدعو للمخربين بالموت والحريق والاندحار عن الكوكب، كما يصف كل من نزل إلى تحرك بأنه «مخرّب». يمثّل أبو هيثم شريحة كبيرة من اهالي المدينة، وبغض النظر عن صوابيتها من عدمه، فان هذه العقلية منتشرة في اللاذقية.
ووسط مداخلات أبو هيثم «المتطرفة»، يحاول الدكتور أن يكون «معتدلاً». يستعين بحجج وشهادات من اطباء المستشفى حول جرحى يحملون آثار إصابات أو طعنات. كما يروي تجربته الخاصة مع المناطق التي أتى منها هؤلاء: أنا طبيب وأحياناً أضطر للذهاب ودخول البيوت في السكنتوري وغيرها. ناس يعيشون حالة بؤس شديد وفقر مدقع. هناك من ينام من دون وسادة... هذا لا ألومه أنا، لكنه بالتأكيد لا يمثلني. هذا ابن وطني وأريد أن أحسّن حياته وظروفه، لكنه لا يمكن ان يأخذنا إلى حيث لا نريد.


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات