بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
رؤى الشيوعيين السوريين للمتغيرات في العالم المعاصر
  18/05/2011

رؤى الشيوعيين السوريين للمتغيرات في العالم المعاصر

 الحزب الشيوعي السوري

موقع الجولان

الكلمة التي ألقاها الرفيق د. عمار بكداش الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري في المهرجان الثقافي الأول لفرع الشبيبة الشيوعية السورية ــ شبيبة خالد بكداش في الجزيرة ــ القامشلي /21/ نيسان /2011/
مساء الخير .. الرفاق والأصدقاء الأعزاء.

بداية أريد أن أوجه الشكر لقيادة منظمتنا الحزبية في الجزيرة الأبيّة ولقيادة فرع الشبيبة الشيوعية السورية في الجزيرة، على إتاحة هذه الفرصة للقـّاء مع جمهور الجزيرة، المعروف بوطنيته وصدقه وإخلاصه لقضايا الوطن والشعب. هذا الجمهور الذي ليس بحاجة لإثبات إخلاصه لقضايا الوطن وقضايا الشعب، هذه القضايا السامية. فالدليل على ذلك قافلة الشهداء التي قدمها في النضال ضد الاستعمار وضد العدوانية الصهيونية وضد الرجعية الداخلية.
كما أني أتوجه بالتهنئة الخاصة لأبناء الجزيرة بمناسبة صدور المرسوم التشريعي رقم /49/ لعام /2011/، الصادر عن السيد الرئيس بشار الأسد، والقاضي بإعادة الجنسية السورية لجزء مهم من المواطنين الأكراد الذين يشكلون جزءاً مهماً من الشعب السوري العريق في وطنيته وبطولته، وهو نبراس للأحرار في دنيا العرب.
كما أني أتوجه بالتهنئة أيضاً بمناسبة تعديل المرسوم والقانون /41 ــ 49/ المتعلقين بالتملك في المناطق الحدودية. ولاشك أن هذا التعديل سيُيَسر عمل ومعيشة جزء كبير ومهم من شعبنا، بما فيه أهلنا في الجزيرة.
اشتداد تناقضات  الرأسمالية المعاصرة...
الرفاق والأصدقاء الأعزاء!
موضوع بحثنا واسع، وأعرف أنكم تريدون أن نتحدث عن الوضع الداخلي. ولكن سورية ليست معزولة عن العالم الموحد، لذلك سأسمح لنفسي أن أبدأ بالوضع الدولي والمتغيرات العالمية.
ما يحدد تطور العالم كله ومنه تطور المنطقة وسورية، هو آثار الأزمة الاقتصادية الدورية الكبيرة التي ضربت العالم الرأسمالي بمجمله. فهذا الحدث لم تنتج عنه فقط توابع سياسية واقتصادية واجتماعية، بل أنه غيّر رؤى الكثيرين حول الواقع في العالم. لأنه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية، في بداية التسعينات من القرن الماضي، جرى الإعلان من قبل جهابذة الفكر الإمبريالي بأن البشرية وصلت إلى نهاية التاريخ، أي إلى السيطرة الإمبريالية الكاملة على العالم. وأن أي شيء غير ذلك يأتي من الخيال وليس من الظروف الموضوعية. وقد عبّر عن ذلك جورج بوش الأب أثناء حرب الخليج الأولى، وقد صدرت كتب كثيرة عن ذلك، أهمها كتاب فرنسيس فوكوياما «نهاية التاريخ».
نحن، الشيوعيين السوريين، في تلك الفترة التي سادها جو من اليأس والارتداد، بقينا ثابتين على مبادئنا، بقينا قابضين على الجمر. وذلك ليس فقط انطلاقاً من مشاعرنا وطموحنا الدائم في الحفاظ على السيادة الوطنية وبالوصول إلى العدالة الاجتماعية، بل وأيضاً بدافع ثقتنا بفكرنا، الفكر الماركسي ــ اللينيني. وكان هذا الفكر، الذي يتطابق مع مصالح البشرية بما فيها مصالح الشعب السوري، نبراس نضالنا في تلك الفترة الصعبة. وقلنا في حينه أن كل هذه المقولات الإمبريالية والتيئيسية غير صحيحة. وقلنا أنه بوجه هذا القطب الإمبريالي هناك قطب لا يقهر، يمكن أن ينتكس ولكنه لا يقهر، ألا وهو قطب الشعوب.
وانطلاقاً من التحليل الماركسي، وفي فترة ذروة النشوة الإمبريالية والنشوة الليبرالية الاقتصادية، وحين كان يزعم أن ليس لهما بديل، تنبأ حزبنا بشكل دقيق بأنه لابد أن تأتي أزمة اقتصادية كبيرة تهزّ أركان الاقتصاد الرأسمالي العالمي. ولم يكن هذا تنجيماً، بل تنبؤاً مبنياً على التحليل العلمي. وفعلاً حصلت هذه الأزمة.
قبل اندلاع الأزمة الاقتصادية الدورية، كان يجري تصوير المنظومة الرأسمالية العالمية كونها عبارة عن الازدهار الدائم. وكان يُزعم أن هذا الازدهار الدائم آت من تطبيق الليبرالية الاقتصادية. أي ذلك النهج المرسوم من قبل المراكز الإمبريالية العالمية ــ صندوق النقد الدولي والبنك العالمي وغيرهما، والتي تمثل مصالح الاحتكارات العالمية. حزبنا رفض هذه المقولات وتصدى لها. بل وأكد أنه ستأتي أزمة وقد تشبه أزمة عام /1929 ــ 1932/، لأن تلك الأزمة أيضاً اندلعت ضمن ظروف كانت تسودها الأساليب الليبرالية مما شدد من وقع هذه الأزمة.
يعرف رفاقنا ما قاله حزبنا آنذاك، وقد لا يعرف بعض أصدقائنا ذلك. فهذا ما جاء في بلاغ اللجنة المركزية لحزبنا في 5/10/2007: «ومع تنامي الأزمة الاقتصادية الدورية والتي باتت آثارها واضحة، ليس فقط في الولايات المتحدة الأمريكية، بل امتدت لأوروبا وشرق آسيا، وليس فقط في قطاع العقارات كما حاولت وسائل الإعلام اختزالها، بل امتدت إلى قطاع المصارف وتلاحقت أسماء معروفة منها بإعلان عجزها، مع تنامي هذه الأزمة تزداد وحشية وهمجية الرأسمالية وتتجه لإثارة المزيد من بؤر التوتر في العالم وإشعال الحروب الجديدة التي غالباً ما تكون الطريق الوحيد الذي تتخذه المراكز الإمبريالية لتـَعبرُ وتتجاوز به أزماتها الاقتصادية الحادة».
إذاً .. نحن لن نستشرف فقط مجيء الأزمة، بل حددنا أيضاً ما هي الأساليب التي يمكن أن تتبعها الطغم الرأسمالية العالمية، أي الإمبريالية، لتفادي عواقب هذه الأزمة وتخفيفها. وهذا ما حصل. إذ نرى يومياً تزايد عدوانية الإمبريالية في شتى بقاع العالم.
واليوم الأزمة الدورية الاقتصادية انتهت كأزمة بمفهومها الضيق. لماذا؟ لأن جوهر مفهوم الأزمة الاقتصادية معناه تقلص الإنتاج بشكل مستمر يوماً بعد يوم. وهذا حالياً غير موجود. الآن هناك مرحلة الركود ما بعد الأزمة. أي أن الإنتاج لا يزيد أو أنه يزيد بوتيرة بطيئة عن التي تريدها الرأسمالية، متصاحباً بانتكاسات.
في هذه المرحلة، مرحلة الركود، تشتد التناقضات الاقتصادية الاجتماعية والسياسية المعبرة عنها في المنظومة الرأسمالية. وهذا الشيء أشار إليه حزبنا بوضوح. إذ تشتد التناقضات:
1 ــ فيما بين الطغم والدول الرأسمالية ذاتها.
2 ــ بين الرأسمال الاحتكاري والعمل.
3 ــ بين المراكز الإمبريالية وحركة التحرر الوطني.
وهذه التناقضات وتجلياتها نراها يومياً.
ثمن التناقضات الإمبريالية تدفعه الشعوب...
فيما يخص التناقضات بين المراكز الإمبريالية، نرى الآن أنهم وضعوا جانباً كل الأركان المكونة والمؤسسة لمنظمة التجارة العالمية في الحرب الشعواء التي تخوضها الاحتكارات الرأسمالية والدول الإمبريالية فيما بينها من أجل السيطرة على الأسواق وإعادة تقسيم العالم. ويستعملون من أجل ذلك كافة الأساليب المتاحة. وقد تكون أحداث ساحل العاج أحد الأمثلة الأخيرة على ذلك، على الصراع ما بين المراكز الإمبريالية، خاصة الإمبريالية الأمريكية والإمبريالية الفرنسية.
وكذلك السودان وتقسيمه. فمنطقة جنوب السودان وما حول السودان وخاصة تشاد وليبيا مناطق غنية جداً ليس فقط بالنفط بل وباليورانيوم. لذلك يجري صراع كبير جداً بين الاحتكارات الإمبريالية من أجل السيطرة على هذه المناطق. ويدور هناك صراع محتدم بين الإمبريالية الأمريكية والأوروبية والدول الرأسمالية الصاعدة ذات الطابع الإمبريالي كالصين. وبالنتيجة جرى تقسيم السودان. وهناك مساعٍ جديّة لتقسيم ليبيا، التي لا توجد أي عوامل موضوعية للتقسيم فيها، فهي دولة متجانسة قومياً ودينياً، ومع ذلك هناك مساع لتقسيمها من أجل مصلحة الاحتكارات المتصارعة.
ومن التناقضات الكبرى التي أدّت إلى شنّ حروب كبيرة، هو الصراع ما بين المراكز الإمبريالية على محيط بحر قزوين، هذا الصراع الذي شخـّصه حزبنا مبكراً، وخاصة مباشرة بعد أحداث /11/ أيلول في أمريكا. فبنتيجة حرب الخليج الأولى سيطر الأمريكان تماماً على الإنتاج النفطي في منطقة الخليج، وأزاحوا من هناك حتى أقرب الحلفاء لهم (مثلاً: البريطانيين من الكويت). وبالتالي سيطروا تماماً على توزيع النفط المنتج في المنطقة العربية. وأدركت الإمبريالية في الدول الأوروبية أن هذه الخطوة موجهة ضدها في نهاية المطاف من قبل الإمبريالية الأمريكية. فتوجهت الإمبريالية الأوروبية نحو محيط بحر قزوين الذي كما يتبين يوماً بعد يوم أنه يحتوي أغنى احتياطي نفطي في العالم يفوق حتى احتياطي منطقة الخليج. ومن هنا أتى التوتر الأوروبي الأمريكي في تلك الفترة. وطبعاً هذا التوتر لم يؤدِ إلى صِدام مباشر فيما بينهم، بل جرى ويجري على حساب شعوب المنطقة. ومن أجل إحكام سيطرتهم العالمية سارع الأمريكان للسيطرة على محيط بحر قزوين، وكانت الخطوة التمهيدية لذلك الهجوم على أفغانستان والحرب على العراق. وهنا يجب القول أنه لم يكن النفط العراقي بذاته مستهدفاً، لأنه قبل الحرب كان بحدود /80%/ من النفط العراقي يجري تسويقه بهذا الشكل أو ذاك عبر الشركات الأمريكية. إنما أدرك الأمريكان أنه لا يمكن إحكام السيطرة على نفط قزوين بدون هزيمة إيران، ومن هنا الحملات المستمرة على إيران حتى اليوم. فحسب المخطط الأمريكي بعد السيطرة «السهلة» على العراق ستوجه ضربة أساسية شرقاً نحو إيران، وضربة ثانوية باتجاهنا، باتجاه سورية. وهذه الضربة الأخيرة هدفها تحقيق الحلم الصهيوني ببناء الشرق الأوسط الكبير الجديد أي بناء صهيون الكبرى.
ولكن الشعب العراقي، بكافة مكوناته، وبمقاومته الباسلة حَمَى شعوب المنطقة من هذه الهجمة. وهو حَمَى ليس فقط شعوب المنطقة وبالدرجة الأولى إيران وسورية، بل حَمَى أمريكا اللاتينية أيضاً. وكثيرون لا يعرفون ذلك ولكن وثائق جرى كشفها مؤخراً تؤكد ذلك، بما فيها أوراق رئيس هيئة الأركان البريطانية آنذاك. فكان مخططاً أنه بعد القضاء على إيران وسورية في فترة /2005 ــ 2006/ سيتوجه الأمريكان عسكرياً نحو أمريكا اللاتينية وسينفذون خطة كولومبيا، التي تقتضي بإنزال الجيش الأمريكي مباشرة إلى هناك من أجل كبح جماح حركة التحرر الوطني في أمريكا اللاتينية بل والقضاء عليها. ولم يستطع الأمريكان أن يقوموا بذلك لأن قواتهم البرية الضاربة الأساسية كانت غارقة بالمستنقع العراقي. إذاً .. الشعب العراقي بتضحياته الكبيرة ونضاله المجيد، قام ليس فقط بدور وطني وإنما أيضاً بدور أممي كبير بالدفاع عن شعوب العالم.
إفلاس الليبرالية الاقتصادية الجديدة واحتدام الصراع الطبقي...
تشهد الدول الإمبريالية تناقضات كبيرة أيضاً، من حيث الهجوم الدائم للرأسمال الاحتكاري على مكتسبات الكادحين، وبالدرجة الأولى في تلك الدول التي كانت تتبع تماماً الوصفات الليبرالية. وهنا اسمحوا لي بالتوقف عند نقطة. فجهابذة الاقتصاد الليبرالي، عندنا في سورية، كانوا يقولون عنـّا: «أنتم مؤدلجون ونحن عمليّون فانظروا إلى الازدهار الايرلندي والتونسي، هذا هو نموذجنا». ولندقق أولاً في هذه النماذج وكيف أصبحت نماذج. فهذه الدول طبقت وصفات صندوق النقد الدولي والمتجسدة بالدرجة الأولى بما عُرف «بوفاق واشنطن». مثلاً ايرلندا كانت من أفقر دول أوروبا. ومنذ بداية التسعينات من القرن الماضي بدأت تطبق وصفات الصناديق على اقتصادها. وركزت على القطاعات غير الإنتاجية كالمصارف والخدمات وإضافة للبناء، ولكن للمنشآت غير الإنتاجية، وكذلك بتوظيفات كبيرة في البنية التحتية. وخلال فترة قصيرة قيل أن هناك معجزة ايرلندية، أي ازدهار ظاهري كبير. وبدلاً أن يصدروا عمالاً، كما في السابق، أصبحوا يستوردون عمالاً. وكان يظهر أن كل شيء على ما يرام.
أما اليونان: فهي أيضاً سارت في هذا السبيل بعد ضَمّها إلى الاتحاد الأوروبي. فقد جرى سؤالهم من قبل المراكز الأوروبية بماذا كنتم تعملون؟ فعندما قالوا عندنا زيت الزيتون، أ ُجـِيْبُوا لا ضرورة لزيتكم بعد الآن، لأنه حسب خطة بروكسل (مركز الحكومة الأوروبية) إنتاج الزيت والزيتون هو من نصيب إسبانيا بالدرجة الأولى. كما أنكم كنتم تنتجون المنتجات والمشتقات الحيوانية ولكن منذ الآن فهذا المجال من اختصاص هولندا والدانمرك.
وأنتم يا يونان شغلتكم من الآن فصاعداً السياحة، فعندكم شمس ساطعة، وإذا أردتم ربوا الورود لأجل تأمين احتياجات السياحة وصدروا الفائض منها. وطبعاً في كل ذلك ضررٌ باليونانيين. ولكنهم لم يلاحظوا ذلك بداية، بل انجذبت الفئات الوسطى هناك أيضاً لبريق هذا النموذج. لأنه كان هناك توسيع كبير في البنى التحتية، أوتوسترادات، مطارات، بناء فاخر ومراكز سياحية .... الخ. وأصبحوا يتكلمون عن المعجزة اليونانية التي تخلـّصت من الإنتاج «المتخلفّ» من زيتون ونسيج وأجبان واستندت إلى قطاع الخدمات. ولكن فاتهم أن هذا النموذج، كما النموذج الايرلندي، مبني أساساً على الاستدانة من الخارج وبالدرجة الأولى من المصارف الأوروبية.
وكانت البرتغال مثالاً ثالثاً لسلوك هذا الطريق، بعد دخولها إلى الاتحاد الأوروبي، علماً أنها كانت وما زالت من أفقر الدول في غرب أوروبا. هذه هي النماذج الأوروبية التي كانت تقدم لنا، وحول النماذج العربية سنتكلم بعد قليل.
أما في وقت الأزمة وما بعدها، فقد تغيّرت الصورة تماماً. ومن الهام هنا الذكر بأن الأزمة هَزّت أولاً المراكز. فالأزمة مثل الزلزال. تضرب المركز ثم تنتقل إلى الأطراف وبهزّات ارتدادية. وتلك المراكز التي اعتمدت على الإنتاج تعافت نسبياً وبسرعة، وأوضح نموذج على ذلك ألمانيا، وهي من أكثر الدول الإمبريالية التي يوجد فيها تمركز وتركز الإنتاج.
وبعد ذلك بدأت مرحلة الركود والتي تهتز فيها الأطراف بشدة، وهذه الاهتزازات تكون أخطر، لأنها تهز بنى لا تعتمد على الأساسات القوية مثل المراكز. قبل سنتين، قال لي أحد الرفاق اليونانيين، والذي أحترمه كثيراً، بأنه لن تظهر الأزمة عندهم حتى الآن، بل أن هناك مجموعة صغيرة من شركات التأمين تضررت، ولا تأثير لهذه الشركات على الاقتصاد اليوناني. بعد شهرين من هذا الحديث، جاءت الأزمة اليونانية التي هزّت أركان الاقتصاد كما النظام اليوناني، والتي أدت إلى مواجهات طبقية حادة. ومن أجل تجاوز هذه الأزمة جرى الهجوم على مكتسبات الطبقة العاملة اليونانية وسائر الكادحين. حرموا من الكثير من الحقوق، بل وصل الحال إلى التخفيض المباشر لرواتب معظم العاملين بأجر. وكل ذلك بقرار من الاتحاد الأوروبي.
فخلال سنة ونصف السنة جرى إفقار اليونان إفقاراً مريعاً. وهذا الشيء مسّ حتى العمال السوريين العاملين في اليونان، فعشرات الآلاف منهم عادوا إلى الوطن، ليس بإرادتهم بل بسبب الواقع الاقتصادي المزري، بسبب الفقر. وتبيّن جلياً فشل هذا النموذج فانهار مثل بيت من الكرتون. وحالياً على الحكومة اليونانية، تسديد مبالغ كبيرة جداً، تقدر ببضعة عشرات المليارات من اليورو، إلى المراكز الأوروبية وتستقرض مقابل ذلك أيضاً، ولكن بشرط إتباع سياسة تقشفية، أي سياسة ضغط ليس فقط على الطبقة العاملة بل على سائر فئات الشعب أيضاً.
بعد اليونان جاء دور ايرلندا. وقد تكون هذه الضربة أكثر قوة من سابقتها، لأن الفقاعة الايرلندية كان مبالغ في نفخها إلى الحد الكبير جداً. إذ شهدت ايرلندا أقصى أشكال المبالغة في تطبيق السياسات الليبرالية، فهي كانت في الفترة الماضية أحد أهم المراكز الخدماتية في أوروبا. ولكن حالياً تبين أن أوروبا ليست بحاجة قصوى إلى هذا المركز. وهذا ما أدى إلى إعلان إفلاس الدولة الايرلندية عملياً. وخلال /48/ ساعة تحوّل رئيس وزرائها كوين من المعترض الرئيسي للجوء إلى معونة البنوك المركزية الأوروبية إلى خاضع تماماً لإملاءاتها. وكان الشرط الأساسي لهذه البنوك إتباع سياسة تقشفية صارمة.
والوضع نفسه نشاهده الآن في البرتغال وهي بحاجة إلى ما يقارب /80/ مليار دولار. المراكز الإمبريالية الأوروبية قالت للبرتغال: سندفع لك ولكن يجب أن تنسي كل شيء اسمه مجتمع الرفاهية، فهو أصبح في خبر كان.
نعم، الآن تعيش المراكز الرأسمالية فترة شديدة من الاستقطاب، ومن صفاته الأساسية الهجوم على الوضع المعيشي لعامة الناس. ونلاحظ أن جزءاً كبيراً من الذين يقومون بهذا الهجوم في هذه الدول، أحزاب تدّعي بأنها أحزاب اشتراكية. ففي اليونان رئيس الوزراء جورج باباندريو، ليس فقط رئيس الحزب الاشتراكي، بل إضافة إلى ذلك هو رئيس الدولية الاشتراكية العالمية. ورئيس حكومة البرتغال سوكراتيس اسم حزبه أيضاً الحزب الاشتراكي. وهؤلاء يظهرون حالياً كرأس حربة الهجوم على مصالح الطبقة العاملة والشعب بكامله.
طبعاً الشعب ليس ساكتاً. ولكن مدى مقاومته تتوقف على أي رافع سياسي تستند حركته، وهذا الوضع مختلف، بين هذه الساحة أو تلك. فالحزب الشيوعي اليوناني حزب قوي وهو أنشأ تنظيماً نقابياً كفاحياً، هو اتحاد النقابات الثورية (بامي) وقام بذلك قبل اندلاع الأزمة، والذي استطاع بفضل ذلك أن يبلور مواقع متينة، في كافة فصائل الطبقة العاملة اليونانية. لذلك عندما بدأ الهجوم الرأسمالي على حقوق الشعب وعلى مكتسبات الطبقة العاملة في اليونان، لاقى هذا الهجوم رداً قوياً من قبل الحزب والنقابات الطبقية. ونجد وضعاً مشابهاً في البرتغال فهناك الحزب الشيوعي قوي، ولكن وسائل الإعلام تعتم على نضالات الطبقة العاملة (والدور القذر لوسائل الإعلام الإمبريالية والتابعة الآن معروف لأوسع الجماهير في سورية بسبب دورها المفضوح في الكذب والتحريض). وأذكر أنه عندما كنت مرة أزور البرتغال بعمل حزبي، كانت هناك مظاهرة تعم شوارع العاصمة لشبونة شارك فيها بحدود /300/ ألف شخص في شوارعها وساحاتها على مدى ساعة ونصف بأرتال مستمرة. وفي مساء ذلك اليوم وسائل الإعلام المحلية إما تجاهلت هذه المظاهرة في نشرات أخبارها أو كرّست لها بضعة ثوان. لذلك من العبث محاولة التعرف من خلال وسائل الإعلام البرجوازية على دقائق الصراع الطبقي.
أما في ايرلندا فالحزبان الشيوعيان المتواجدان هناك ــ الحزب الشيوعي الايرلندي وحزب العمال الايرلندي ليسا بقوة قرائنهما في اليونان والبرتغال (الحزب الشيوعي هناك حزب ماركسي، وحزب العمال يتبع منهج المعلمين الأربعة ــ ماركس، أنغلس، لينين وستالين). أما الحزب اليساري القوي هناك فهو «شن فين» وتاريخياً هو الجناح السياسي للجيش الجمهوري الايرلندي. ولكن في فترة اليأس والارتداد تخلـّى هذا الحزب عن الماركسية وأصبح ذا طابع اشتراكي ديمقراطي. لذلك فالتغيرات التي جرت في ايرلندا انعكست سياسياً في استبدال حزب برجوازي بحزب برجوازي آخر، لأن الشعب لا يجد بديلاً ثورياً جدياً للأحزاب البرجوازية الحاكمة. ومثل هذا الوضع يمكن أن يؤدي إلى اليأس وإلى سيطرة التيارات الفوضوية على الحركة الجماهيرية، وحتى إلى الوصول إلى الحكم الفاشي.
إذاً .. على مثال هذه البلاد نرى أنه انهارت ليس فقط مقولة أبدية الرأسمالية كقوة تؤمن الاستقرار، بل انهارت بشكل مطلق أيضاً النظرية الليبرالية الاقتصادية، كونها الأداة الأساسية لتأمين النمو. وبالنتيجة حتى رؤساء دول كبرى مثل ساركوزي نجده يصرح بشكل واضح أنه يجب أن ننسى شعار دعه يمر دعه يعمل. ونرى مفكرين اقتصاديين أمريكان بارزين مثل كروغمان يرددون حالياً ما قاله روستوفي حينه بأن من يعتمد على القوة الخفية للسوق وعلى إطلاق العنان الكامل لاقتصاد السوق مكانه في مشفى للمجانين. وهؤلاء ليسوا بشيوعيين ولكنهم ينظرون إلى مصلحة طبقتهم.
وحالياً هناك مؤشرات أن هذا الوضع يمكن أن يمتد إلى إسبانيا بل وحتى إلى إيطاليا. وسيكون وقع ذلك شديداً على الاقتصاد الرأسمالي. لأن اقتصاد إسبانيا كبير، وقد تصل المعونة اللازمة له إلى مبلغ يتراوح بين /300/ إلى /350/ مليار يورو. ولذلك بوشر بطرح نظريات ذات طابع عنصري. فالدوائر الحاكمة في الدول الأوروبية المركزية تقول صحيح أننا كنا في منطقة اليورو، ولكن هناك دول متطورة راقية (مثل ألمانيا وفرنسا والسويد) وهناك دول متخلفة. أصبحوا يتكلمون عن الجنوب الأوروبي بازدراء، وتوصلوا إلى النتيجة التالية: تعالوا نصك يورو شمالي للدول الراقية كدليل الاستقرار، ويورو جنوبي تابع للدول الفقيرة. من كل ما سبق نرى أن هناك تناقضات كبيرة جداً تحتدم في المراكز الإمبريالية.
نهوض حركة التحرر الوطني العربية...
كما يحتدم التناقض، بل المواجهة بين حركة التحرر الوطني والإمبريالية العالمية. وأهم ساحات تجلـّي هذه المواجهة حالياً في أمريكا اللاتينية. الثورات في عدد من الدول هناك ذات طابع ديمقراطي شعبي، فهي معادية للإمبريالية وتقوم بخطوات ديمقراطية تقدمية، ولكنها ليست ذات طابع اشتراكي. فماذا يفعل تشافيز في فنزويلا؟ يطبق الإصلاح الزراعي، وهذا ما حدث في بلدنا وبشكل جذري في أواسط الستينات من القرن الماضي. وفي بوليفيا ونيكاراغوا الوضع نفسه. يقومون بتأمين بديهيات مستلزمات المعيشة للجماهير الشعبية مثل المستوصفات الطبية والمدارس. ففي فنزويلا هناك تجربة المدارس البوليفارية. لقد كان عندهم آلاف من الأطفال خارج نطاق التعليم. الرئيس تشافيز قال سوف نؤسس في كل حارة من الحارات الفقيرة مدرسة لأولاد الفقراء. أرسلوا أولادكم إلى المدرسة من الصباح حتى المساء، فالطفل يدرس ويأكل (وجبة فاصولياء)، كله مجاناً على حساب الحكومة.
نعم .. هم ليسوا اشتراكيين ولكنهم يجرون تحولات اجتماعية تقدمية، أي يسيرون بطريق التقدم الاجتماعي.
ساحة المواجهة الثانية والكبيرة جداً بين الإمبريالية العالمية وحركة التحرر الوطني تظهر في منطقتنا. وقد توقعنا في وثائق حزبنا أن تكون حركة التحرر الوطني العربية في مقدمة النضال ضد الإمبريالية. ونحن، الشيوعيين السوريين أيدّنا بدون تحفظ كل حركات التحرر الوطني التي وقفت ضد الإمبرياليين وأعوانهم وعملائهم. ومعروف موقفنا أثناء الهجوم والاحتلال الأمريكي الغاشم للعراق عام /2003/ وقد ساهمت آنذاك منظمة الجزيرة بشكل متميز في إظهار موقف حزبنا. وفي ذلك الحين قال لي أحد الدبلوماسيين المعتمدين في دمشق والذي كان يظهر نفسه كصديق، ويعبر عن احترامه لحزبنا، قال لي هذا الدبلوماسي: ما هذه السياسة التي تتبعونها؟ أنتم تتكلمون ضد أمريكا، وتدعون لمقاومة أمريكا ألا ترون ما تفعله أمريكا؟ وكان ذلك بعد سقوط بغداد بشهر. وتابع قائلاً: اعتبر أن هناك شخصاً أزعر سكران يحمل قضيباً من الحديد ويلاحق كل الناس، وأنت تذهب لتقف بوجهه؟ بينما برأيي أن الوقوف بوجهه حالياً مستحيل.
قلت له: بل سنقف في وجهه وسننتصر عليه.
قال: أنتم خياليون.
وقد تبيّن أننا واقعيون. ولكن الفرق بيننا وبينهم أننا ننظر للشعوب، وهم ينظرون للحكام ويستخفون بالشعوب، بل أن بعضهم يحتقرها.
كذلك أثناء العدوان الصهيوني عام /2006/ على لبنان، العديد من الوطنيين المخلصين قال: سقط لبنان. نحن قلنا: لا سوف تنتصر المقاومة لأنها طهرانية. (بعض الرفاق نصحني بأن لا أصفها بالطهرانية، كي لا تفسر على أنها تابعة لطهران. قلت هي طهرانية، يعني طاهرة. فهؤلاء قبل أن يطلبوا من غيرهم أن يقدموا أبناءهم شهداءً قدموا أبناءهم هم. وأكبر مثال على ذلك السيد حسن نصر الله).
في وقت من الأوقات، جرى اتهامنا من بعض المزاودين أن وطنيتنا خفيفة، وما ثبت العكس. نحن وطنيون ثابتون لأن وطنيتنا مستندة إلى قاعدة طبقية، إلى بوصلة طبقية، والتي تعبر عن المصلحة الوطنية الثابتة. وانطلاقاً من هذه الأرضية شَخـّصَ حزبنا ما يلي: إن حركة التحرر الوطني في منطقتنا تقع اليوم في خط المواجهة الأول مع الإمبريالية والصهيونية، وهي تسهم بشكل فعّال مع قوى التحرر العالمية في التصدي الشجاع لسياسة العدوان والعربدة الأمريكية.
وشَخـّصنا بكلمات قليلة أهم التناقض الديالكتيكي الذي يتميز به الوضع في المنطقة حالياً. وهو التناقض بين شيئين صعب أن يتعايشا. قلنا أن الوضع في دنيا العرب يتميز بثنائية تناحرية، فمن جهة هناك نهوض واضح في حركة التحرر الوطني العربية، ومن جهة أخرى هناك هرولة وانبطاح مخزٍٍ من قبل الأنظمة العربية أمام الإمبريالية الأمريكية والصهيونية، وعدم أخذ هذه الأنظمة لإرادة الشعوب في الحسبان.
وأشار حزبنا قبل أن يحدث أي تحرك في الدول العربية (لا في تونس ولا في مصر ولا في عُمان ولا في غيرها) أن هناك مؤشرات جدية إلى أن المرحلة القادمة في تطور حركة التحرر الوطني العربية والمنطقة العربية ستشهد زيادة تضافر النضال الوطني مع الصراع الطبقي المباشر. وفعلاً هذا ما حصل.
وبعد الانتصارين الكبيرين اللذين حققتهما المقاومتان، العراقية على الجيش الأمريكي، فهو موجود حالياً على أرض العراق ولكنه مهزوم، واللبنانية بهزيمتها العدوان الإسرائيلي الصهيوني الغاشم على لبنان، أتت ضربات موجهة ضد الأنظمة العميلة، ومنهم أكثر الأنظمة عمالة، ألا وهما نظاما مصر وتونس. فبماذا كان يتّصف هذان النظامان؟
1 ــ هذان النظامان كانا تابعين تماماً للولايات المتحدة الأمريكية، وكان لهما علاقات متميزة مع إسرائيل. قد يكون، علاقات مصر كانت أوضح، ولكن علاقات تونس كانت أقوى مع إسرائيل الصهيونية. تعرفون أن الضباط الإسرائيليين كانوا يرتاحون بتونس بعد قيامهم بالعمليات العسكرية.
2 ــ إن هذين النظامين كانا نظامين ديكتاتوريين مع بعض الاختلافات بالتفصيلات. ففي مصر كان هناك واجهة من الأحزاب المعارضة، ولكن هذه الأحزاب، بغالبيتها، كانت مخروقة إما بالاضطهاد أو بالإفساد. أما في تونس فكانت مثل هذه الأحزاب موجودة. ولكن إلى جانب ذلك كانت هناك أحزاب سياسية معارضة جدية والبعض منها عمل في الوضع السري. أذكر منها حزب العمال الشيوعي بقيادة المناضل حمّة الهمامي. وإلى جانب الشيوعيين هناك قوى قومية وقوى ليبرالية يسارية جدية. وهؤلاء بمعظمهم يشكلون اليوم جبهة /14/ كانون الثاني. ولكن بالرغم من الاختلاف بالجزئيات كان كلا النظامين ديكتاتوريين تسلطيين.
3 ــ طبق النظامان وصفات صندوق النقد الدولي بحذافيرها، وخاصة ما جاء في وفاق واشنطن. وفتحوا أبواب البلاد على مصراعيها لدخول الرأسمال الأجنبي، وجرى تقليص شديد جداً للفروع الإنتاجية في الاقتصاد الوطني، ومن بينها الزراعة. تذكروا كيف كان يقول حسني مبارك: من أين سأطعم الشعب، إذا خالفت رأي أمريكا؟ فإمداد الشعب المصري بالقمح معتمد كلياً على أمريكا، بعدما أصاب الخلل والتشوه الزراعة المصرية العريقة. وأيضاً تشجيع القطاعات غير المنتجة.
وفي بلادنا كان القيّمون على الشأن الاقتصادي يقولون: المعجزة التونسية. ويتابعون كلامهم: أنتم الشيوعيين بسبب السواتر الإيديولوجية لا ترون إنجازات هذا النهج وهذا النموذج. انظروا السياحة ماذا فعلت وانظروا إلى حرية المصارف. نعم .. رأينا، كما رأينا تقليص دور الدولة الاجتماعي. كما كانت هناك عوامل أخرى، أعطوا امتيازات للقطاع الخاص وجرت تصفية لمنشآت القطاع العام. كل هذه الخطوات والتدابير، كانت تقدم كنموذج لنا لسورية. كانوا يقولون يجب أن نصبح مثل تونس! أنا جاوبت أحدهم، لا أريد الآن ذكر اسمه لأنه الآن غير موجود في مواقع المسؤولية، لو كان موجوداً لذكرته، فلن نتمرجل على شخص قد راح. ففي حينه كان هناك ندوة برلمانية، قال ذلك المسؤول فيها: أن وضع تونس رائع، لأن التزايد السكاني فيها قليل. فقلت أنتم على خطأ. إذا كان التناقص في عدد السكان يأتي من بؤس الشعب، فهذه ظاهرة سلبية وليست ظاهرة إيجابية. هي تكون ظاهرة إيجابية عندما تأتي من رقي المستوى المعيشي للشعب، مع زيادة وعي الشعب. أما أن تنتج عن الإفقار فهي ظاهرة سلبية. وإذا تشابكت زيادة السكان مع زيادة التوظيفات الحكومية فذلك يمكن أن يؤدي إلى نمو هائل للقوى المنتجة في البلد. وعندنا نماذج على مثل هذه الحالة.
فإذن .. هذه الأنظمة كانت: أنظمة عميلة وأنظمة تسلطية ديكتاتورية وأنظمة ليبرالية اقتصادية. وبالتالي فطابع الثورات التي شهدها هذان البلدان هو:
1 ــ ثورة وطنية تحررية.
2 ــ ثورة ديمقراطية.
3 ــ ثورة ذات طابع اجتماعي (احتجاج الكادحين على وضعهم المزري).
اتصل بنا بعض الرفاق الأوروبيين، وتساءلوا قائلين: أنتم أهل المنطقة أدرى بما فيها. ما رأيكم بهذه الثورات، هل هي انتهت أم لا، وإلى أين يمكن أن تصل؟ وأجبناهم حتى لو هذه الثورات انتهت اليوم، فدورها التاريخي باق. لأنها عبارة عن ثورتين جماهيريتين شعبيتين كبيرتين تشهدهما بداية القرن الواحد والعشرين. حتى لو هي وقفت عند هذا الحد، وهي كما يبدو ليست واقفة عنده، فإنهما قامتا بدور تاريخي مميز.
اشتداد التآمر على سورية والتصدي له...
طبعاً، الإمبريالية العالمية بشكل عام والإمبريالية الأمريكية بشكل خاص لا تقعد كمتفرج ومصالحها مهددة، لذلك تبذل جهوداً حثيثة من أجل استعادة مواقعها بعدة أساليب. حالياً يحاولون وضع أزلامهم في المواقع المفتاحية في الدول التي حدثت فيها الثورات.
ومن جهة أخرى تسعى الإمبريالية لتوجيه ضربة تعوض لها خسائرها الحاصلة. ومن هنا يأتي الضغط على سورية والمقاومة الوطنية اللبنانية.
البعض من المثقفين، وخاصة من أشباه المثقفين، يقولون لنا أنتم تؤمنون بنظرية المؤامرة. ونقول لهم كلا، نحن نرى المؤامرة، أليس احتلال العراق بمؤامرة؟ ونحن نعرف أيضاً أن سورية هي عبارة عن شوكة في حلق المشروع الإمبريالي الصهيوني، مشروع الشرق الأوسط الكبير الجديد. نعم، هناك جهات عدة تتآمر على سورية.
ووسائل الإعلام عندنا في سورية خجولة في تعريف الأعداء وتسميتهم، وقد يكون سبب ذلك أن البعض منهم في الأمس القريب جداً كان يصور كصديق. نحن، لا نخجل أن نسمّي الأعداء بأسمائهم. فالأعداء الذين يوجهون السهام إلى سورية هم: الإمبريالية الأمريكية، إسرائيل الصهيونية، الإمبريالية الأوروبية، وبالدرجة الأولى الإمبريالية الفرنسية يمثلها الرئيس نيكولا ساركوزي ذو الطابع الصهيوني الواضح، وكذلك الرجعية العربية بكل أشكالها وحكامها وخاصة الأنظمة المطلقة الملكية والأميرية ويأتي في مقدمتها النظامان السعودي والقطري، وحول هؤلاء، خاصة الأخير، كان لدى البعض عندنا أوهام بأن هؤلاء هم أصدقاؤنا.
إن هؤلاء الآن يتآمرون على سورية ومن أحد أسباب ذلك أن سورية تبين أن هناك بديلاً آخر للخضوع بدون استحياء للإمبريالية، وهذا البديل هو خط المقاومة. ويضاف إلى كل هؤلاء الرجعية الداخلية وهي مرتبطة بالأنظمة العميلة. ولانقول أن كل هؤلاء عملاء، البعض عملاء وآخرون لهم مصالح ويعملون بهذا الشكل أو ذاك من أجل الوصول إلى السلطة.
لقد نبهنا بشكل واضح أن هناك خطراً على سورية، للأسف في حينه، الكثيرون لم يأخذوا على محمل الجد ما قلناه ولم يصدقوه. وقد جاء في التقرير السياسي المقدم للمؤتمر الحادي عشر لحزبنا في تشرين أول /2010/ حرفياً ما يلي: «ويتضح أكثر وأكثر أن هذه الهجمة على سورية والتي تأخذ الأوجه المتعددة من الضغوطات السياسية والتهديدات العسكرية إلى التخريب الاقتصادي وحبك المؤامرات تهدف إلى إحداث تحولات جذرية تغيير الوجه الوطني لسورية بما فيها إسقاط نظام الحكم القائم والمستند إلى تحالف وطني واسع هدفه الأساسي حماية وتعزيز السيادة الوطنية». نعم، نحن قلنا كل ذلك، قبل قرابة تسعة أشهر، لشعبنا ولحلفائنا، مركزين على ضرورة اليقظة باتجاه ذلك.
كما جاء في التقرير السياسي للمؤتمر الحادي عشر حرفياً ما يلي: «ونحن نبهنا وننبه جميع الوطنيين الشرفاء في بلادنا بأنه إلى جانب الضغوطات السياسية الخارجية المستمرة على بلادنا، هنالك محاولات للابتزاز الاقتصادي، وفرض وصفات المراكز الإمبريالية، وأدواتها كصندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية، والتي يمكن تلخيصها بكلمة واحدة هي الليبرالية الاقتصادية، وهي تعبير عن فرض ديكتاتورية الاحتكارات الأجنبية على الاقتصاد الوطني. فهذا الأسلوب يؤدي إلى إنهاك البلاد اقتصادياً من أجل تسهيل النيل منها سياسياً».
وأقول بكل صراحة كنت أتمنى أن لا تتحقق تنبؤات حزبنا في هذا المجال.
نعم، هناك تآمر، ولكن يمكن أن يكون له تأثير بسيط إذا لم تهيّأ له التربة، وممكن أن يكون له تأثير كبير جداً إذا هيئت له التربة الاقتصادية والاجتماعية. وللأسف خلال السنوات الخمس ــ الست الأخيرة كان يجري عمل كبير لتهيئة التربة الاقتصادية الاجتماعية الملائمة لهذا التآمر.
وتجلـّى ذلك بالسياسة الانفتاحية، سياسة تقليص دور الدولة الاجتماعي، سياسة الضغط على الإنتاج الوطني وأهم قطاعاته الإنتاجية ــ الزراعة والصناعة، تحت تأثير اليافطة الوهمية حول الازدهار الذي سنصل إليه من خلال قطاع السياحة والخدمات وغيرها. وكذلك الوهم الذي كان مسيطراً حول الدور الريادي للاستثمار الخاص والاستثمار الأجنبي والذي قيل إنه سيجري باتجاهنا متسارعاً. وقد قلنا تحت قبة البرلمان: كيف سننتظر خيراً من استثمارات آتية من دول تتآمر علينا، كيف يمكن أن نتوهم أن تأتي استثماراتها من أجل إنهاض اقتصادنا؟!
أحد المسؤولين الاقتصاديين، وهنا على الهامش أريد أن أشير إلى أنني قلت في حينه بأنه يوجد عندنا اقتصاد عجيب يمكن تسميته بدردرة الاقتصاد الوطني، وقلت ذلك بوجهه تحت قبة البرلمان، وعندما كان يجري بحث موضوع رفع سعر المازوت تحت قبة البرلمان، في حين باقي المسؤولين كانوا يقولون أن سبب رفع سعر المازوت هو عجز كبير في الموازنة بسبب دعم سعره موردين أرقاماً فلكية، بينما قال هذا المسؤول بكل صراحة: كلا، أنا مع رفع سعر المازوت لكي أصل إلى الوضع الطبيعي إلى حرية الأسعار. إذاً دافعه لم يكن مسألة العجوزات (وهي مضخمة جداً) بل إن حساباته وإجراءاته العملية تستند إلى المسألة الإيديولوجية. فهو يطبق إيديولوجيته على الاقتصاد الوطني. فقلنا له ولأمثاله: نعم نحن مؤدلجون مع الكادحين، ولكن أنتم أيضاً مؤدلجون بالليبرالية الاقتصادية.
كما اتخذت تدابير منافية لأي منطق اقتصادي، كتبنا عنها بحينها، مثل قصة «الحبة السوداء»، وأنتم يمكن أن تحكوا عنها أكثر. وقصة رفع سعر المازوت قبل الريّة الأخيرة. لماذا قبل الريّة الأخيرة؟ ماذا كان سيحدث لو جرى ذلك بعد شهر؟
أنا شيوعي، ولكني أنطلق من الواقع الراهن. نحن مع الإنتاج الوطني بكافة أشكاله. فهناك رجال أعمال وطنيون، منهم أعضاء في مجلس الشعب قالوا لنا: خلال الأربع سنوات الأخيرة حولونا من صناعيين إلى تجار. من المستفيد من هذا الشيء؟ فصناعتنا العريقة جرى الضغط عليها.
كذلك من أجل تسريع التدابير الليبرالية الاقتصادية، جرى التلويح بفزاعة نضوب النفط. نحن قلنا في حينه بصراحة إنها فزاعة. أنا لست عالم نفط، ولكني ألتقي بعلماء النفط الوطنيين وهم خبراء متألقون. وقد قالوا أن الكلام حول نضوب النفط غير صحيح. وقالوا إننا نملك مكامن كبيرة وهي هذه المكامن النفطية غير ممسوحة لحد الآن. وأنا استندت إلى كلام العلماء هذا.
والحمد لله صدق هذا الكلام. فقد رجعنا إلى المواقع القديمة في الإنتاج وعندنا مكامن عديدة وكبيرة وكذلك الوضع بالنسبة للغاز الذي يبشر بكميات واعدة، وهناك آفاق في مجال بعض الثروات الباطنية الأخرى.
هذا كله يشكل عوامل دعم للاقتصاد الوطني إذا استخدم بشكل عقلاني. ويمكن أن يؤمن ربط الأجور بالأسعار، ليس بشكل تضخمي، بل من خلال الموارد الفعلية.
كما أن هذا المخزون يمكن أن يشكل أساساً لاستعادة دور الدولة الإنتاجي. لأنه ضمن واقع بلد مثل بلدنا لا يمكن تطوير الإنتاج إلا بالاعتماد على استثمارات كبيرة للدولة. أقول ذلك مع تأكيد احترامنا للمنتجين الآخرين والذين يأتي في مقدمتهم جماهير الفلاحين والمزارعين.
وبما يخص مقولة القطاع الخاص فهي مقولة واسعة وضبابية تجمع عوامل متباينة ومتناقضة ومتناحرة في بعض الأحيان. فهناك السمسار والرأسمالي المنتج يملك معامل وهناك أهم عنصر في القطاع الخاص في بلدنا من حيث العدد وهم جماهير الفلاحين وهؤلاء ليسوا أبداً بالرأسماليين وكذلك جماهير الحرفيين، وما نجملهم بمقولة صغار الكسبة في المدينة والريف ــ بينما هناك من يحاول الخلط، الخلط بين البرجوازي والكادح. بينما نحن نميّز بدقة نقول بأن هناك برجوازياً (رأسمالياً)، وهناك إنتاج بضاعي صغير يعمل فيه الفلاح والحرفي.
والوضع نفسه بما يخص تشخيص العمال. فحسب التعاريف الموجودة في قوانين بلادنا النافذة يصنف معاون الوزير كعامل حاله مثل العامل في رميلان، كما يصنف المدير العام كعامل مثل الآذن الذي يعمل عنده. وهذا كله من أجل الخلط والتمويه على التمايز الطبقي. ونحن نرى أن الوضع سابقاً كان أوضح فكان هناك قانون للموظفين وقانون للعمال. وبشكل عام لا يمكن القول أن عامل الإنتاج والموظف الإداري يشكلان طبقة واحدة. فتحديد الانتماء الطبقي يجري من خلال تحديد موقع الشخص من عملية الإنتاج، هذه مقولة ماركسية.
هناك ظاهرة يجب التوقف عندها، لقد اتخذت التحركات الأخيرة بعداً كبيراً في المناطق التي كان يديرها مسؤولون إداريون فاسدون بشكل فاقع، وأخص بالذات درعا وحمص. ويجب القول أن هذه المناطق لا تتصف بالتراث الرجعي.
فأثناء المعركة ضد الإخوان المسلمين في الفترة الواقعة بين عامي /1978 ــ 1982/، هذه المناطق لم تؤيد المتآمرين. بل على العكس، القوى الوطنية لها جذور قوية فيها.
وبما يخص حوران معروف أن لرفاقنا البعثيين مواقع قوية هناك، وهناك مسؤولون كبار في الدولة من حوران ولهم منظمة كبيرة للحزب. ولكن تصرف بعض المسؤولين يؤدي إلى استفزاز الناس، وهذا الشيء حصل بحوران وحمص، فمثل هذا الاستفزاز يسهل العمل التخريبي للقوى المتآمرة.
ولمواجهة الوضع الراهن اتخذت القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي توجهات حميدة خاصة في مجال توسيع الحريات الديمقراطية. ــ نحن الحزب الشيوعي السوري ــ أيدّنا هذه التوجهات مباشرة لأنها تتلاءم مع صلب قراراتنا في هذا المجال والتي أكدت عليها المؤتمرات الأربع المتلاحقة لحزبنا، ولننظر معاً للصياغة الأخيرة لها في مؤتمر حزبنا الحادي عشر:
1 ــ رفع حالة الأحكام العرفية واحترام سيادة القانون (ومبروك صدور القانون بهذا الشأن اليوم).
2 ــ إصدار قانون للأحزاب ينظم عملها تحت السقف الوطني بحيث يكون قانوناً ديمقراطياً، يحترم خصوصية الحياة الداخلية للأحزاب، ويحقق أجواءً مناسبة للنشاط السياسي والاجتماعي والمطلبي للأحزاب والقوى الوطنية. (ونحن نقول أنه لا يجوز إصدار قانون أعده البيروقراطيون، بل المسألة تستوجب نقاشاً بين القوى السياسية).
3 ــ تعديل قانون المطبوعات يجعله أكثر ديمقراطية من حيث المضمون. (فالقانون المعمول به حالياً هو أقل ديمقراطية من قانون المطبوعات الصادر عام /1951/ والذي حمل توقيع الزعيم فوزي سلو، إذ ذاك القانون كان أقل قساوة وكان يعطي هوامش أوسع مما يعطيه القانون الحالي).
4 ــ العمل على استقلال القضاء وإكسابه الحصانة التي بنص عليها الدستور، ويجب أن تكون النزاهة من المعايير الأساسية (الشرط الضروري ــ اللازم) لانتقاء القضاة.
5 ــ زيادة دور المؤسسات التمثيلية كمجلس الشعب ومجالس الإدارة المحلية، وتطوير العمل المؤسساتي في حياة البلاد.
6 ــ تفعيل دور المنظمات الشعبية وخاصة دورها الرقابي والمطلبي، مثل الاتحاد العام لنقابات العمال، وكذلك التنظيم الفلاحي والنقابات المهنية وغيرها.
7 ــ الاعتراف بالحقوق الثقافية للأكراد وللأقليات القومية من تعلم لغتها وإصدار مطبوعاتها بلغتها الأم. (وأقول أن ذلك برأينا سيقوي اللحمة الوطنية بين أبناء شعبنا السوري).
8 ــ تعزيز التآخي والوحدة الوطنية بين أبناء الشعب السوري كافة، وتكريس حقوق المواطنة لجميع سكان البلاد، والعمل لإلغاء النتائج السلبية للإحصاء الاستثنائي في محافظة الحسكة الذي أجرته الدوائر الإقطاعية في ظل حكومة الانفصال في عام /1962/، وإعادة الجنسية السورية للمواطنين الأكراد الذين حرموا منها نتيجة هذا الإحصاء. (وقد جرى تحقيق هذا المطلب الهام وألف مبروك).
9 ــ تحقيق المساواة الفعلية بين الرجل والمرأة في جميع الميادين، وإلغاء النصوص التمييزية في قانون الأحوال الشخصية وفي بعض القوانين الأخرى، والوقوف بحزم في وجه محاولات الدوائر الرجعية تكريس مفاهيم بالية ومضرة بسلامة المجتمع السوري وكذلك بالوحدة الوطنية، والهادفة إلى عدم إعطاء إطار قانوني لمتطلبات تطور المجتمع والحياة الاجتماعية. (فكانت هناك محاولات لإدخال بنود سيئة إلى قانون الأحوال الشخصية، ظالمة بحق المرأة، وظالمة بحق النسيج الوطني، ونحن نؤكد أنه لا يجوز تمييز أي مواطن عن الآخر بأي شكل من الأشكال).
وحول المعركة الحالية، نحن برأينا ونقول بكل صراحة لشعبنا ولحلفائنا أنه لا يكفي التصدي بحزم لمؤامرات المخربين، والقول يقاوم بالقول، والفعل يقاوم بالفعل، وهنا أقول إننا دوماً كنا وما زلنا ضد اعتقال أي إنسان بسبب الرأي الذي يحمله، ولكن إذا كان هناك أعمال تشكل خطراً على البلاد أي فعل، فيجب أن تفعل القوانين فعلها. ولكن الأهم هو إزالة التربة التي تولد الاستياء الشعبي. وهذا لا يأتي إلا من خلال التخلي الكامل عن السياسة الاقتصادية الليبرالية والعودة إلى سياسة تشجيع الإنتاج الوطني، سياسة تشجيع القطاع العام وحمايته من الناهبين، وعدم تقديم منشآت القطاع العام للاستثمار الخاص، وتوسيع قدرات القطاع العام. فهو الوحيد الذي يستطيع أن يقضي على جزء من البطالة. نعم .. ذلك يمكن تحقيقه نسبياً في ظل العلاقات الرأسمالية، لأنه لا يمكن القضاء على البطالة كاملةً في ظل العلاقات الرأسمالية السائدة ولكن يمكن تقليصها.
ويجب حماية الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي هذا المنجز الوطني الكبير الذي تحقق في سورية، وهو منجز فريد في الدول النامية. ومن المستغرب ما شهدناه من التكالب على هذا القطاع الحيوي وبشكل منظم. نعم .. يجب حماية الإنتاج الزراعي بخطوات واضحة وتأمين مستلزمات الإنتاج لهذا القطاع بالشكل المناسب والوقوف عند مصلحة الكادحين في الريف.
يجب التخلي عن سياسة دعوة الاستثمارات الأجنبية، فهذه الاستثمارات هي نقمة وليست نعمة. ومن المقرف عندما كنا نرى بعض جهابذة الاقتصاد الليبرالي يدعون الاستثمارات الأجنبية بالشكل التالي: «تعالوا عندنا أحكام عرفية وعندنا يد عاملة رخيصة» هذا من أخلاق النخاسين. وقد قلنا بوضوح أنه بالرغم من كوننا ضد استجرار الرساميل الأجنبية، يمكن تشجيعها فقط في حال إدخال تقنيات إنتاجية جديدة. ولكن جهابذة الاقتصاد الليبرالي شجعوا دخول الرساميل الأجنبية إلى المضاربات العقارية، وبالنتيجة هناك ضواح كاملة تحت مسميات شتى سياحية وغيرها دون أن تفيد الاقتصاد الوطني وحياة المواطن، بل على العكس. كما جرى تشجيع دخول الرساميل الأجنبية وبشكل مضطرد إلى قطاع التأمين وكذلك بشكل خاص إلى قطاع المصارف. ومع ذلك بيّنا بكل وضوح أن الرساميل تتوجه إلى حيث يوجد الاحترام للقوانين والتقيد بها، وحيث لا توجد الخوة.
نعم .. نحن نؤكد، على أنه يجب استعادة كل عوامل القوة، يجب تلبية مصالح الجماهير. وهناك خطوات جرت في هذا الاتجاه، فرفع الرواتب شيء هام جداً، وكذلك تعديل المرسوم /41/ والقانون /49/ شيء جيد. ولكن يجب إجراء تحولات جدية في اتجاه التخلي عن النهج الليبرالي. فلا يجوز من أجل إرضاء حفنة من الأثرياء الجدد التخلي عن جماهير الشعب.
الشيء الذي شهدته سورية هو تعبير عن التناقض بين السياسة الوطنية المشرّفة لسورية ــ قلعة أحرار العرب والعالم، وبين السياسة الاقتصادية. هذه هي المسببات العميقة من أجل الحفاظ على النهج السوري الوطني، والذي نحن ندعمه بكل جهدنا لأسباب وطنية وطبقية وأممية.
يجب إزالة المتناقض السلبي أي التخلي عن الليبرالية الاقتصادية، وإتباع سياسة رأسمالية الدولة كبديل آني عنها. الاشتراكية هي مقصدنا ولكن لا يمكن تحقيقها اليوم. رأسمالية الدولة ذات الطابع الاجتماعي تعني السياسات التي تعتمد على توظيفات الدولة، وتخلق في الوقت نفسه ضمانات اقتصادية واجتماعية معينة للمنتجين والكادحين.
هذه هي سياستنا نقولها بكل وضوح وبصوت عال ونطرحها بكل المحافل، وهي تستند إلى احترام شعبنا. وكل الناس يعرفون مدى أمانتنا وصدقنا.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات