بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
إدوارد ســعيد: أيهــا المثقفــون.. لا تخونــوا شــعوبكم
  24/05/2011

إدوارد ســعيد: أيهــا المثقفــون.. لا تخونــوا شــعوبكم


نصري الصايغ


انقسم العرب ولا يزالون. هذا قانون يهتدون به ويرجعون إليه. اتحادهم، شذوذ على القاعدة.. كان الظن، أن «الثورة العربية الديموقراطية»، ستدشن موقفا عربياً جديداً، يتأسس على مرجعية جديدة: «الشعب يريد»، والسياسي يلتزم والمثقف يطيع.. لكن هذا الظن تبدَّد، فسرعان ما استعاد العرب تراثهم الانقسامي، بعد انتصار الثورتين في تونس ومصر، وانتقالهما إلى مناطق «الشروخ» المذهبية والطائفية والعشائرية والقبلية والعقدية.
من حق الملتزمين سياسياً، أكانوا منظمات أم أحزاباً أم أنظمة، ان يختاروا «الثورة» التي تناسبهم. المصالح السياسية، الآنية غالباً، والاستراتيجية نادراً، تحدد مواقف الأطراف من التغيرات والتطورات. وعليه، فإن ما يعتبر في الأدبيات السياسية، خطأ جسيماً، ليس بالضرورة كذلك، فقاعدة ازدواجية المعايير. ليست امرا جديداً. هذا سلوك سياسي شائع، مذ نشأت الجماعات والقبائل والدول، على عصبيات ومصالح وعقائد وديانات. ولا تزال هذه القاعدة راسخة في التعامل الدولي، برغم ما تتعرض له من «إهانات» هوجاء، يطلقها عديمو النظر، عندما تستعمل ضدهم، أو تسيء إليهم، ويلجـأون إليها، عندما تضر خصومهم.
لقد وقف فرقاء كثر إلى جانب الثورات التي لا تخصهم حقيقة، ولا مصالح مباشرة مرتبطة بها. فمن وقف إلى جانب ثورتي مصر وتونس بحماسة، وجد نفسه ضدها في البحرين (فريق واسع من دول ذات أغلبية سنية). ومن وقف كذلك إلى جانب ثورتي مصر وتونس، وجد نفسه ضدها في سوريا، (فريق واسع من أغلبية ممانعة وشيعية وقومية ومقاومة).
لقد مارس الفريقان، القاعدة الذهبية السيئة السمعة: ازدواجية المعايير. واحتمى كل فريق بمنطق نظام يدافع عنه، أو بمنطق جماهير(ه) التي اختارها تعبيراً عن رفضه للنظام.
غير ان اللافت، انقسام المثقفين. انقسام أهل الرأي. انشطار أصحاب المواقف المبدئية، بين ان يكونوا مع الثورة الديموقراطية، مهما كان موقعها، وفي أي بلدٍ تقع، وبين أن يختاروا كالسياسيين، وأصحاب المصالح السياسية ومشتقاتها المادية والسلطوية، النظام الذي يبرئونه من لوثة الهيمنة والاستبداد، أو يغضون الطرف عنه، لحاجتهم إليه.
هل يحق للمثقف أن ينحاز إلى ثورة هنا ونظام هناك، خصوصاً أن الأنظمة العربية تنتسب إلى حزمة الأنظمة الشمولية، الاستبدادية، الفاسدة، الـ... إلى آخره من موبقات نصف قرن من القمع والاستباحة والسيطرة، أكان النظام ملكياً أم أميرياً أم سلطانياً أم جمهورياً أم سلالياً أم حزبياً أم طائفيا، أم خليطاً من بعض هذا وبعض ذاك؟
الوقوع في الحيرة، دعاني إلى زيارة المرجعية الثقافية، وأخذت نصاً من إدوارد سعيد، افترضت أنه لو كان على قيد الحياة، لأرسله إلى المثقفين، ليضعهم أمام مسؤولية صعبة، وشاقة، ومأساوية، لكنها مهمتهم وحدهم، ولا أحد سواهم.
أخذت الرسالة التي كان من المفترض أن يرسلها. جعلت من نفسي وكيلا موقتا على إرثه. وأتحمل مسؤولية نقله إلى القارئ، من دون المساس بحرف من رسالته. إذاً، هي رسالة حرفية من إدوارد سعيد إلى المثقفين، أنقلها لأنتصح بها، وألتزم بمقتضياتها، فأخرج من الانفصام والانشطار، وأتجرأ على أن أفتح عينيّ، لأرى الأنظمة وقد تعرت بالكامل، ولأقف مع «الشعب يريد»، وقد بات جاهزاً للقربان.. حتى الآن، أعرج بين هذه وتلك. وأجد لنفسي ما يبرر تأرجحي. الثقافة تدعوني إلى الامتثال لقواعد القيم، (حرية، كرامة، ديموقراطية)، والسياسة تلح عليّ بأن أحترم حاجات اللحظة التي تواجه فيه الأمة، احتلالاً واغتصاباً وهيمنة ومشاريع استتباع. وأرجح أن هذه الإقامة الشقية في مستقر «المنزلة بين المنزلتين»، لن تطول، لأن الحرية والديموقراطية والكرامة، منطلقات تأسيسية لمرحلة المواجهة الشعبية (وليس مواجهة بعض الأنظمة) للمشاريع العدوانية الآنف ذكرها.
لديّ هذه الرغبة في الخروج من الحيرة، فأتحرر من كل قيد، ملتزماً معسكر القيم والحقوق الإنسانية والديموقراطية والعلمانية واحترام الآخر، بلا تورية ولا مواربة ولا مجاز، ومطلقا معسكر التبرير والاستعماء والتذاكي والبلطجة الإعلامية، حيث يتم تشويه «الشعب يريد»، بمرتزقة وسفلة ومندسين وإرهابيين، قد ينتج بعضهم الواقع المريض، ويصر النظام على تعميم خطره وتضخيمه، كحجة لاستتباب قبضته الحديدية.
الانشطار لدى المثقفين، يجعل من انحيازاتهم العوجاء، كائنات لامبالية ومتعالية تثير الاشمئزاز، عندما تتبرع بتبني منطق السلطة، عندما تبرر عذابات الجماعات، أو عندما تنفيها، أو عندما تضخم استيهامات السلطة، وهي جماعات اختارت ان تصنع أوطانها بدمائها، بلا أي اعتبار، لهوية السلطة، أكانت هوية دينية، مذهبية، طبقية، قومية، تبعية، مستقلة(!) ممانعة أو زاحفة على جبينها.
تحوّل بعض المثقفين، إلى مرابطين جديين في مواقع السياسة، وتخلوا عن ترهبنهم الإلزامي، عندما تخلوا عن قول الحق، كل الحق، للسلطة. لأن لا وظيفة ولا قيمة تضاهيان دور المثقف هذا. أي ان يكون باستمرار، نقيضا للسلطة، ناقداً لها. فالمثقف عليه أن يختار بين أن يكون منفياً عن السلطة بإرادة منه، وهامشياً إزاء القوى السلطوية بقراره، وملتزماً بأن يكون خادماً واقعياً للناس وعدواً سافراً للظلم، المتجسد نظاماً وطبقة وسلطة وإعلاماً وعسكراً ومالاً ونفوذاً.
إنها لمهمة صعبة، وتبدو مستحيلة. غير انها إذا قورنت بمهمة الجماهير العربية اليوم، التي خرجت لتعلن بعد مخاضها الأليم، موعد ميلاد الحرية، بسخاء نضالي باسل، عز نظيره بين الأمم، تبدو هذه المهمة، متواضعة، لا بل، تبدو مريحة جداً، تشبه عقوبة بوراجوزية مسلية، إذ، لا يعدو أن يكون ثمن القول الحق، تأييدا للحرية، سجنا أو ما أشبه. والفارق بين قصاص يبقيك حياً حراً، وبين عقوبة تسلبك الحياة بقسوة الطلقة، ليس قليلا، كالفارق بين الوجود متحققا، والعدم متجسداً.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات