بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
هل ستتخلى موسكو عن دمشق
  29/05/2011

هل ستتخلى موسكو عن دمشق


 سعت روسيا بشكل واضح إلى عرقلة جهود أطراف مثلث واشنطن ـ باريس ـ لندن لجهة تعديل ملف الاحتجاجات السياسية السورية الأخيرة، عن طريق دفع مجلس الأمن الدولي باتجاه إصدار قرار دولي يستهدف دمشق، فما هي يا ترى حدود الموقف الروسي، وما مدى قابليته للاستمرار في مواجهة محاولات خصوم دمشق الدوليين المتكررة، وبكلمات أخرى، ما هي طبيعة وخصوصية وخلفيات موقف موسكو المساند لدمشق، هل هو موقف استراتيجي ثابت أم موقف تكتيكي متقلب؟
* الدبلوماسية الروسية: مكانة العامل السوري
تحدثت التقارير والتسريبات الجارية خلال الأسابيع الماضية بشكل مقتضب عن قيام موسكو بمعارضة كل التحركات التي هدف من وراءها خصوم دمشق الدوليين (واشنطن ـ باريس ـ لندن) لجهة القيام بتدويل ملف أزمة الاحتجاجات السياسية السورية الأخيرة، وما كان لافتاً للنظر تمثل في الآتي:
• اكتفت موسكو بتبرير رفضها عملية التدويل على أساس اعتبارات أن هذه الاحتجاجات السياسية السورية محدودة النطاق، إضافة إلى أنها تمثل شأن داخلي سيادي سوري.
• اكتفت أطراف مثلث واشنطن ـ باريس ـ لندن، بالكف عن ممارسة أي تصعيد أو ضغوط معلنة ضد موقف موسكو، وفقط سعت لندن إلى الإعلان أنها بصدد تكثيف الجهود من أجل الحصول على مساندة الأغلبية داخل مجلس الأمن الدولي، ومن ثم تقديم مسودة مشروع القرار، أو الموافقة والقبول.
التحليل الفاحص في هذه المواقف، يقودنا بشكل مباشر إلى طرح التساؤلات الحرجة التي يمكن أن ينطوي عليها السيناريو المحتمل مع كل موقف:
• تبرير موسكو لموقفها على أساس اعتبارات محدودية حجم الاحتجاجات، يطرح السؤال الحرج القائل، لو كانت هذه الاحتجاجات أكبر حجماً، هل كان موقف موسكو سوف يتغير؟ وأيضاً قول موسكو بأن هذه الاحتجاجات تمثل شأناً سياياً داخلياً سورياً، يطرح بدوره أيضاً السؤال الحرج القائل، لقد كانت الاحتجاجات السياسية الليبية شأناً سيادياً ليبياً داخلياً فلماذا لم تسع موسكو إلى عرقلة مخطط تدويل هذه الاحتجاجات في أروقة مجلس الأمن الدولي؟
• عدم قيام أطراف مثلث واشنطن ـ باريس ـ لندن بالتصعيد في مواجهة موقف موسكو، هو أمر يطرح المزيد من الشكوك إزاء نوايا هذه الأطراف، الأمر الذي يقودنا إلى السؤال الحرج القائل: هل قررت هذه الأطراف السعي للمسارات البديلة من أجل الحصول على موقف إيجابي روسي داخل مجلس الأمن خلال الفترات القادمة؟ خاصة أن بريطانيا أكدت بوضوح لجهة أنها سوف تسعى من أجل الحصول على الأغلبية الكافية لجهة تمرير مشروع القرار الدولي الذي يسعى لاستهداف دمشق وتدويل ملف الاحتجاجات السورية.
يقول الخبراء بأن السياسة هي فن الممكن، وبالتالي، فإن أطراف مثلث واشنطن ـ باريس ـ لندن سوف لن تكف عن اعتماد مذهبية البراغماتية السياسية لجهة التعامل مع معطيات الموقف الدبلوماسي الروسي الرافض لتدويل الحدث السوري، وحالياً ما تزال الكثير من التساؤلات تطرح نفسها بقوة في أوساط الخبراء الدوليين، فيما يتعلق أولاً بنوايا أطراف مثلث واشنطن ـ باريس ـ لندن إزاء دمشق، والتي أثبتت كل معطيات الخبرة التاريخية، بأن نوايا استهداف دمشق وإضعاف سوريا تمارس حضورها القوي في كل توجهات سياساتها الخارجية إزاء سوريا ومنطقة الشرق الأوسط.
* دمشق في مواجهة مخاطر تقلبات دبلوماسية موسكو
لاحظ جميع الخبراء الدوليين، والمحللين السياسيين، مواقف دبلوماسية موسكو المتأرجحة بين خيار الرفض وخيار القبول، وخيار الامتناع، وفي هذا الخصوص نشير على سبيل المثال لا الحصر إلى الأمثلة والشواهد الآتية:
• ملف الأزمة الليبية: لم تسع موسكو إلى عرقلة تدويل ملف الأزمة الليبية، ولاحقاً سعت إلى انتقاد الطريقة التي سعت من خلالها واشنطن وحلفاءها لجهة إنفاذ بنود القرار الدولي 1973 والقرار الدولي 1970، على أساس اعتبارات أن عملية الإنفاذ انطوت على المزيد من الانتهاكات والتجاوزات لولاية القرارات الدولية، وأعلنت موسكو بأنها لا توافق على فكرة القيام بتدخل عسكري دولي في ليبيا، وبرغم ذلك، فقد اتخذت موسكو موقفاً مثيراً للغرابة، عندما قررت بالأمس الاعتراف بشرعية المجلس الانتقالي الليبي، وهو اعتراف ينطوي على احتمالات ضمنية كبيرة بأن موسكو قد توافق على قيام أطراف التحالف الدولي بعملية عسكرية واسعة النطاق في ليبيا.
• ملف الأزمة اليمنية: لم تسع موسكو إلى تقديم أي مشروع قرار لمجلس الأمن الدولي، وهو أمر ينطوي على تساؤل هام يتعلق بمدى مصداقية دور موسكو الدولي، فقد ظلت أطراف مثلث واشنطن ـ باريس ـ لندن أكثر اهتماماً لجهة تقديم مشروعات القرارات الدولية في مجلس الأمن الدولي لجهة استهداف حلفاء موسكو. وبرغم ذلك لم تسع موسكو بالمقابل لجهة القيام بالرد على ذلك عملياً عن طريق تقديم مشروعات القرار المماثلة التي تستهدف حلفاء مثلث واشنطن ـ باريس ـ لندن، برغم انتهاكاتهم السافرة.
• ملف الأزمة البحرينية: لم تسع موسكو إلى تقديم أي مشروع قرار. وتعاملت مع الأمر ببرود وعدم اهتمام، إلا من مجرد التصريحات العابرة، وبالتالي فإن نفس نموذج رد الفعل السلبي الروسي السابق إزاء ملف الأزمة اليمنية تكرر حالياً في ملف الأزمة البحرينية.
• ملف الأزمة الإيرانية: عانت طهران كثيراً من ضغوط أطراف مثلث واشنطن ـ باريس ـ لندن، إضافة إلى الضغوط الإسرائيلية وضغوط بعض الأطراف العربية، وبالمقابل ظلت موسكو تتأرجح في مواقفها بين خيار دعم إيران، وخيار التزام الصمت. وفي بعض الأحيان خيار التواطؤ مع الاستهدافات الدولية، هذا ولم يعد خافياً على أحد أن موسكو أكدت التزامها بإنفاذ كافة التزاماتها المتعاقد عليها مع طهران، ولكن بعد ذلك، سرعان ما تراجعت موسكو عن تزويد إيران بمنظومة شبكة الدفاع الجوي الروسية المتطورة، برغم أن الصفقة قد تم التعاقد عليها منذ فترة طويلة وأن موسكو قد استلمت كامل المبلغ المستحق لقيمة هذه الصفقة.
• ملف الأزمة السودانية: أكدت موسكو التزامها مع بكين لجهة رفض محاولات تدويل أزمة دارفور، وأيضاً أزمة تصعيد ملف المحكمة الجنائية الدولية، ولكن عندما تم تقديم مشروع قرار إرسال القوات الدولية إلى دارفور، ومشروع قرار تحويل ملفات اتهام الرئيس البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية، التزمت موسكو جانب الصمت، وبكل هدوء امتنعت عن التصويت داخل المجلس، بما أدى إلى إتاحة الفرصة لأطراف مثلث واشنطن ـ باريس ـ لندن للقيام بتمرير القرارات الدولية. والتي تسببت لاحقاً في إدخال ملفات الأزمة السودانية في نفق التدويل.
• ملف الأزمة اللبنانية: برغم العلاقات السورية ـ الروسية الراسخة، وبرغم معرفة موسكو بكافة التفاصيل الحقيقية، فقد ظلت موسكو أكثر اهتماماً لجهة الامتناع عن التصويت داخل مجلس الأمن الدولي في كافة عمليات التصويت التي تمت داخل المجلس على مشروعات القرارات الدولية التي سبق أن استهدفت سوريا عبر نافذة ملفات الأزمة اللبنانية.
كل هذه الأمثلة والشواهد وغيرها، تشير إلى تميز الدبلوماسية الروسية بالمزيد من حالات اللايقين الذي وصل في بعض الأحيان إلى ما يشبه انعدام المصداقية، والآن، وبرغم الموقف الدبلوماسي الروسي الرسمي الرافض لمحاولات محور واشنطن ـ باريس ـ لندن، القيام بتدويل ملف الاحتجاجات السورية عبر نافذة مجلس الأمن الدولي، فإن موسكو لم تسع إلى إدانة الموقف الأمريكي وموقف الاتحاد الأوروبي اللذان استهدفا دمشق بعدد من العقوبات الجائرة، والتي انطوت على الكثير من التحامل إزاء دمشق.
* الدبلوماسية الروسية إزاء سوريا والشرق الأوسط: حسابات المخاطر والفرص
يقوم تحليل توجهات الدبلوماسية، أي دبلوماسية على جملة من الأسس النظرية، التي تقوم بالأساس على حسابات معدلات المخاطر والفرص، وفي هذا الخصوص يمكن تفسير توجهات دبلوماسية موسكو، على أساس اعتبارات محددات السياسة الخارجية الروسية خلال الفترة القادمة، وفقاً للآتي:
• المحددات السياسية الروسية الداخلية: ومن أبرزها فعاليات الانتخابات الرئاسية الروسية العامة، والتي تقول التسريبات، بأنها سوف تشهد معركة داخلية، بين رئيس الوزراء فلاديمير بوتين الذي يمثل الخيار الروسي الداخلي بسبب شعبيته الكبيرة داخل الحزب الحاكم وفي أوساط الرأي العام الروسي، والرئيس الروسي ديمتري ميدفيدف، والذي يمثل الخيار الأمريكي ـ الأوروبي الخارجي، وذلك بسبب علاقاته وروابطه الوثيقة مع أطراف محور واشنطن ـ تل أبيب، والعواصم الأوروبية الغربية الرئيسية: باريس ـ برلين ـ لندن ـ روما ـ مدريد.
وإضافة لذلك توجد المحددات الأمنية المتمثلة في مشاكل الأقليات المتعددة التي ما زالت موجودة وتمارس فعاليات عمليات التعبئة السلبية الفاعلة ضد وحدة الدولة الروسية: الشيشان ـ الداغستان ـ أنغوشيا ـ أوسيتيا الشمالية ـ كاباردينو بلغاريا ـ شركيسيا.
• المحددات السياسية الخارجية: وتتمثل في عدد من الملفات ذات الأهمية الضاغطة بالنسبة لروسيا، ومن أبرزها: ملف أمن القوقاز الجنوبي ومنطقة البحر الأسود ـ ملف دول آسيا الوسطى ومخاطر التغلغل الأمريكي ـ ملف تمدد حلف الناتو شرقاً باتجاه مناطق جوار الحدود الغربية الروسية ـ ملف نشر شبكات بطاريات الدفاع الصاروخي ـ ملف تمديد خطوط أنابيب نقل النفط والغاز الروسي إلى دول الاتحاد الأوروبي ـ ملف خفض حجم أسلحة الدمار الشامل مع واشنطن.
جميع هذه المحددات أصبحت تشكل الأوراق الأساسية التي ظلت واشنطن وحلفاءها الغربيين أكثر اهتماماً باستخدمها لجهة الضغط على موسكو وترويضها داخل مجلس الأمن الدولي، وتأسيساً على ذلك، من غير الممكن القول بشكل قاطع بأن موسكو سوف تظل أكثر اهتماماً لجهة الوقوف إلى جانب الالتزام بمنع أطراف مثلث واشنطن ـ باريس ـ لندن، من القيام بتدويل الملفات السورية، واستخدام ذلك كنافذة لاستهداف دمشق وبقية مناطق الشرق الأوسط، هذا وتقول التسريبات الأخيرة الجارية بأن الرئيس الأمريكي باراك أوباما سوف يلتقي مع الرئيس الروسي ميدفيديف في اجتماع خاص يضم الطرفين بشأن التفاهم على ضرورة اتخاذ المواقف المشتركة بين موسكو وواشنطن إزاء عدد من القضايا الإقليمية والدولية، وسوف يكون ملف الاحتجاجات الشرق أوسطية في مقدمة بنود جدول أعمال لقاء أوباما ـ ميدفيديف المنعقد على هامش اجتماع قمة مجموعة الثمانية في العاصمة الفرنسية باريس. وإضافة لذلك، تجدر الإشارة إلى أن واشنطن أصبحت أكثر اهتماماً بتطبيق نظرية الاقتراب غير المباشر من موسكو. عندما تفشل استراتيجية الاقتراب المباشر. وبتوضيح أكثر نقول، لقد سعت واشنطن إلى الضغط على موسكو، ولكن إزاء الرفض الروسي سعت واشنطن إلى دفع حلفائها الأوروبيين وتحديداً باريس ولندن، من أجل القيام بتبني مشروعات القرار التي استهدفت بلدان الشرق الأوسط وعلى وجه الخصوص ليبيا وسوريا، وذلك على أساس اعتبارات أن دخول موسكو في مواجهات دبلوماسية مع دول الاتحاد الأوروبي سوف يؤدي بالضرورة إلى دفع دول الاتحاد الأوروبي لجهة القيام بإلحاق الأضرار بالمصالح الاقتصادية الحيوية الروسية.



الجمل: قسم الدراسات والترجمة
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات