بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
مسلخ اسمه الوطن
  04/08/2011

مسلخ اسمه الوطن

"إني أحسّ بألم كل صفعةٍ على وجه كل مظلومٍ في هذه الدنيا" تشه غيفارا


يتم حالياً و على نطاقٍ واسع على شبكة الإنترنت تداول فيديو مفزع يعزوه ناشروه إلى (مسلخ بشري في حي باب السباع بحمص) تظهر فيه قطعٌ بشرية لجثة آدمية مقطّعة، و بالطبع فإنهم ينسبون هذه الجريمة المفزعة إلى جموع المتظاهرين في المدينة.

قبل الدخول في صلب الموضوع، لا بد من الإشارة إلى خلوّ الفيديو المشار إليه من أي تحديد للزمان و المكان أو حتى هوية الضحية، و من الملفت للنظر طريقة التقطيع الفائقة العناية دون وجود آثار واضحة للتعذيب مما يشير إلى هدف محتمل لإخفاء الجثة و ليس الانتقام، و كذلك الطاولة التي وضعت عليها و المماثلة للمستخدمة في المشرحة النظامية في أقسام الطب الشرعي، مما قد يعزز من الرواية المضادة التي تنسب المقطع لجريمةٍ بشعة حصلت في حلب قبل ثلاث سنوات.

ما يعنينا من الأمر و سواءٌ في هذا المشهد أو غيره من المقاطع المصورة و التي تُنسب بغموض لمجموعات محددة، هو أنّ ما فيها له توصيفٌ وحيد لا يتغيّر: جريمة. و هذه الجريمة لو حصلت في أية بقعةٍ من العالم فهي مستنكرة، و في بلدنا هي مؤلمة، و بعيدةٌ بعد السماء عن الأرض عن أخلاقنا و أدياننا و أعرافنا، أيّاً كان مرتكبها هي مدانة و مرفوضة مهما كانت التبريرات المساقة. أعتقد أن الأسطر القليلة الأخيرة كافية و بشكلٍ حازم لإيضاح موقفي الشخصي و الموقف العام الذي لمسته من ناسنا على اختلاف توجهاتهم.

لكنّ ذلك لن يعفي من المساءلة أولئك (المتاجرين) بمثل هذه الفظاعات، إذ أنّ صراخهم و ولولتهم افتقدناها في مواقف كثيرة مماثلة أكثر توثيقاً و رغم ذلك رفضوها بحجة التزوير في حين يقبلون ما يدين المتظاهرين، كما في بعض المجازر الجماعية و حتى استشهاد أطفال مثل ليال عسكر و حمزة الخطيب.

إن ّ صمتهم هناك و زئيرهم هنا لا يعني سوى نفاقاً صريحاً يتنصلون به من إنسانيتهم و حتى تعاطفهم مع الضحايا التي يبكون عليها، إذ كل ما يعنيهم حقيقةً هو توظيف مشاعر الصدمة و الترويع لصبغ جموع المتظاهرين بصفة الوحوش الكاسرة و سلخهم عن صنف البشر، و إدخال ذلك في العقل الباطن للمتلقي بحيث يتقبّل فكرة "إبادة" هذه الوحوش بكل طريقة ممكنة قبل ارتكاب المزيد من الفظاعات التي وحدها دون غيرها تحتل المشهد في المخيّلة المفروضة.
باختصار، إن استخدام جريمةٍ مفردة أو حالاتٍ معدودة لتبرير و تشريع جرائم جماعية و اجتياحٍ لمدن لم تسقط فيها خلال أسابيع غاب فيها "الأمن" قطرة دمٍ واحدة، ليس سوى انهياراً أخلاقياً مروّعاً.

لقد اشتدت هذه الهجمة على جميع المعارضين لسياسات النظام في الآونة الأخيرة و بلغت حد دعوة قصف مدينة حماه بالطائرات (كما في اقتراح للشاب ي.م. يوافقه عليه حتى لحظة كتابة هذه الكلمات 275 شخصاً آخر!) و التشدد في الحلّ الأمني و مطالبة الجيش بسحق كل المتظاهرين (سلميين أو لا سلميين، لا فرق) من العرعوريين السلفيين الظلاميين الحريريين البندريين الخدّاميين ..، و خرج علينا شيخ عشيرة في قناة الدنيا يهدد أنه و قبيله سيقومون بتنفيذ ذلك ما لم يتخلّى الجيش .. عن حنانه !! أو هذا منطقٌ يستقيم مع وجود الدولة !؟ إن الدولة إما غائبة أو مغيّبة كي تسمح بمثل هذا الانفلات !

يعيدنا هذا إلى ما سبق و طرحته في مقال سابق عن وجود تيارين متخالفين داخل النظام، و كذلك إلى ما قاله المفكّر الطيب تيزيني ليلة غرّة رمضان عندما بدأت عمليات الاقتحام، عن وجود تيار متشدد في السلطة يدفع باتجاه التصعيد، و هو ما قد يفسّر أن كل وعود الإصلاح و قرارات الحوار و مؤتمراتها بقيت مجرد حبرٍ على ورق دون تنفيذ.

إنّ دفع عامة الناس للاصطفاف في معسكرين متقاتلين يصرّح كل منهما للآخر بكرهه و رفضه و حتى الرغبة في قتله، سوف ينتهي في حربٍ أهلية تكون المبرر (الشرعي) الوحيد لأية مذابح تجدد ندباً في ذاكرتنا، و قد كلّفتنا انتظار جيلٍ كامل كي ننساها من حياتنا اليومية، و بالطبع مهما كانت الأسلحة التي سيحملها الثائرون حينها فإنها لن تنفعهم أمام عتادٍ متطور رأينا شيئاً من أثره حتى الآن، و لنا في حالة كتائب الثوار الليبيين خير دليل.

إن المراهنة على هذا التوجه في مسار الأحداث لا يعكس فقط خيانةً عظمى في حق الوطن، بل غباءً منقطع النظير في قراءة التاريخ، فالشعوب أطول عمراً.
كل السوريّ على السوريّ حرام. إننا إذ نناشد كل عاقلٍ في قيادة هذا البلد أن يسعى بكل جهده لمنع القدر من ارتكاب جرائم لا يُمحى لها أثر و تكتب تاريخاً لمستقبلٍ مليءٍ بالأحقاد بين الأخ و أخيه، و أن تتصرف الدولة و الجيش كما يليق بمقامهما، و إن كان ثمة خارجين عن القانون كما يدّعى فليكن استئصالهم و ملاحقتهم بأفرادهم لجلبهم للعدالة أمام القضاء، و ليس قصفاً عشوائياً يذهب ضحيته الأبرياء.

كما نطالب بالتوقف الفوري عن كل أعمال التجييش المرتكبة في إعلامنا الرسمي و تأليب الناس على بعضها و توزيع الوطنية على الموالين و حرمانها للمعارضين.

و أناشد أولئك الذين شرّفونا جميعاً بنضالهم و إصرارهم على نيل الحرية و الكرامة و العدالة، أن إياكم أن تخونوا دم الشهداء. لقد كان بإمكانهم أن يكونوا أحياء بيننا لو رفعوا سلاحاً، فلا ترفعوه مهما كان الثمن غالياً، لا تسعوا خلف انتقام فقد ملكتم ألبابنا بسعيكم وراء وطنٍ عزيز نكون فيه أعزاء على الأعداء رحماء بيننا. سلميتكم و إن أماتتكم سوف تقتل كل وحشية مهما بلغت عنان السماء.

حسن الوزان : سيريا نيوز
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات