بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
سوريا: سيناريو السقوط
  21/08/2011

سوريا: سيناريو السقوط
مقيم الحداد


بعض الأصدقاء تساءلوا عن احتمالات النهاية، وسقوط النظام السوري،و قد وجدت أن قراءة الوضع الحالي تعطي بعض التصور عن تلك النهاية،وأرجو أن أكون مخطئاً فيما ذهبت إليه، أو يظهر عامل لم أحسبه ليجعل الأمر أسرع و أهون على الناس.
ينبغي في البدء تصور الخريطة السياسية الفاعلة،باختصار شديد و بناء عليه نتحدث في التوقعات:
الولايات المتحدة الأميركية:
تلكأت الولايات المتحدة خلال خمسة أشهر من عمر الثورة السورية في اتخاذ موقف يرقى إلى أبسط القيم الأخلاقية والإنسانية التي تدعيها..و كان واضحاً أن ثمة تيارات هامة و قوى ترى أن النظام السوري أفضل من غيره للبقاء في سوريا لأسباب كثيرة.و ربما تتنازع الولايات المتحدة رغبتان إحداهما موجهة إلى نقض المشروع الإيراني وهذه تستلزم العداء للنظام السوري، والثاني هو الدور الواضح الذي قام به هذا النظام على محورين:أولهما تهميش الشعب السوري وتغييبه عن قضاياه الوطنية الأساسية (كالتعليم،والتحديث،والتحرير أيضاً ...إلخ) و هي تمثل قوام المشروع الوطني السوري الخاص،أما المحور الثاني فهو العلاقة بإسرائيل فرغم كل العداء الكلامي الذي أثاره النظام إلا أنه حافظ على جبهة مستقرة طوال أربعين عاماً لا تشغل بال إسرائيل ، وليست أميركا ولا إسرائيل من الغباء بحيث تظن أن القضايا العربية تنتهي بالتقادم فهي تعرف أن العرب-كشعوب- سيحاسبونها لو أتيح لهم.و ما حدث في مصر هذه الأيام أكبر دليل على ذلك (عندما قتل الجنود على الحدود)عدا كون المصريين لم ينسوا حتى اليوم قضية الأسرى في عام 1967 رغم كل هذه المدة من عمر اتفاقية كامب ديفيد.
و حتى الآن يبدو أن أميركا تفضل بقاء هذا النظام و من الراجح أنها ستبقى لاعبة في الهامش بين (رحيل النظام و بقائه) حتى يتبين لها رجحان هذا أو ذاك فعندئذ تستعيد المقولة الأنجلوسكسونية المهمة في السياسة :" إن بريطانيا لا تحرك القطار لكنها تركبه عندما يتحرك".و بهذا لا ننتظر من أميركا موقفاً ضاغطاً فعلياً ما دام مظهر النظام السوري يبدي الحد الأدنى من التماسك واحتمالات البقاء.خصوصاً إن أخذنا بالاعتبار الرشوة التي قدمت لأميركا في تمديد البقاء في العراق .رغم كل ما يظهره على السطح من مواقف يقصد منها العمل على توزيع التوازنات :الرأي العام الداخلي- احتمال انتصار الثورة السورية..إلخ.
إسرائيل:
يمكن الحديث عنها بالآلية نفسها التي ناقشنا بها موقف الولايات المتحدة،فهي المحور الثاني من محركات الموقف الأميركي.
الاتحاد الأوربي:
رغم الموقف الموحد الذي يظهره الاتحاد إلا أنه لا يكاد يتميز عن الموقف الأميركي وكل ما في الأمر هو وجود نوع من توزيع الأدوار المتعلق بالممارسة الديبلوماسية و السياسية،بعضها نابع من التبعية للموقف الأميركي ،حتى حين يكون الموقف الأميركي نابعاً من ضعف لا من تكتيك معين،و بعضها نابع من مراعاة الظروف الداخلية لكل دولة من دول الاتحاد الأوربي.عدا ذلك فإن على الاتحاد الأوربي أن يأخذ بعين الاعتبار مسافة معينة عن أي موقف تركي متخذ لحفظ مباحثات الدخول في الاتحاد الأوربي ضمن صندوق معين يقتضي –باختصار- ألا تدخل تركيا في هذا الاتحاد-لأسباب معروفة-
تركيا:
الدور الناهض الذي تمضي فيه تركيا يقتضي منها الحيطة في نيل أقصى ما يمكنها من مكاسب،هي تريد استغلال حاجة النظام السوري إلى صمتها في علاج مشاكل كثيرة منها تداخلات قضية الأكراد مع سوريا،وهي من جهة أخرى تريد ترك مسافة تراعي ما يطلب منها حسب إيحاءات الموقف الدولي بحيث تبقي موضوع الاتحاد الأوربي مطروحاً لا ينقضه انتماؤها الشرقي.كما تريد حفظ مسافة أخرى من إيران لمعرفتها بأن إيران قوة مطروحة للتدخل في الشأن السوري الداخلي، عملياتياً ومادياً – أي أكثر مما هو الآن و أكثر وضوحاً و علانية-
إيران:
هي اللاعب الأكثر أهمية ،فسوريا تعتبر "خانة محتلة" بمصطلحات الشطرنج،و تستطيع إيران من خلالها أن تهدد معظم خانات الرقعة- بمصطلح الشطرنج الآخر-
فعلى الرقعة هناك إيران – العراق – سوريا – لبنان:كلها تمثل خانات تضع إيران فيها قطعها الثقيلة،بينما توزع بعض البيادق في البحرين،و الإمارات ،و اليمن.و انطلاقاً من هذه المواقع تشعّ بالتهديد على خانات أخرى تصل حتى مصر و ليبيا،و تشمل كل دول الخليج طبعاً.
هذا الوضع"الشطرنجي" يشبه طريقة "كاسباروف" في اللعب، الذي يعتمد على لعب حركات غير واضحة الترابط في البداية بحيث يجد "الرسيل" نفسه في النهاية محاطاً بشبكة عنكبوت لا يستطيع منها فكاكاً.
و يمكننا الآن توقع أن إيران التي بذلت الغالي و الرخيص في سبيل الوصول إلى هذا الوضع المتميز – بما في ذلك تمويل ما يسمى بحركات المقاومة،و التمويل العقائدي الذي يقصد به اختطاف الميول الشيعية و تسييسها ضد عدو هلامي يمكن أن تجسده إيران بالطريقة التي تريدها كلما وقفت جهة ما أمام مشروعها القومي في أساسه والذي تضفي عليه بعداً عقائدياً ومذهبياً لتنال القاعدة الشعبية اللازمة لهذا المشروع-
إيران هذه لن تسمح لأحد بالنيل من هذا المشروع- هذا باختصار ما تنبغي معرفته لأن هذه الخلفية هي الأهم في وصف الواقع و المستقبل القريب..إيران لن تسمح لأية قوة – مهما كانت –أن تسلب منها كل هذا الإنجاز،و كل حديث آخر عن إمكانية التفاوض مع إيران لترك النظام السوري يواجه معركته وحيداً هو كلام لا أساس له.
السعودية:
تكره النظام السوري-كراهية شخصية و مبدأية- ومن خلفه إيران لكن ميولها تنسجم مع الطريقة الأميركية في التعاطي مع الموضوع ،مع الأخذ بعين الاعتبار أن السعودية تأخذ ميول شعبها بعين الاعتبار فتجامل هذه الميول،لكن المحصلة هي أنها تنتظر رجحان الكفة لتأخذ مواقف أكثر قوة.
الدول العربية الأخرى،و مصر:
لها أدوار ضعيفة قد تقوي أحد التيارات فيما لو صبت فيه عند حسابات معينة،ولا يمكنها التأثير إلا بقدر محدود.
حزب الله:
يعمل حزب الله في تيار إيران و النظام السوري بوصفه"التميمة" الأكثر دلالة على انتماء النظام السوري فعدا عن " سمعة "هذا النظام في مجال المقاومة و هو الأمر الذي يستقطب عدداً من القوى السياسية و الشعبية بسبب اختلاط المفاهيم و قدرة النظام على اللعب على هذا الوتر الذي يمس أعمق ما لدى الناس.و حزب الله نجح في إعطاء الانطباع بالقوة و الكرامة في زمن الانهيار فشكل تميمة تعطي لحاملها "مصداقية" زائدة،و على كل حال فهذا كله يصب في إعطاء الانطباع أمام القوى الأخرى أن النظام السوري لا يسهل اقتلاعه.
حماس و الفصائل الفلسطينية:
قد يلعب بعضها دوراً في تقوية النظام ضمن مدد زمنية قصيرة،كالقيام بعملية ما تشير إلى النظام بطريقة أو أخرى.
الصين،و روسيا:
ستدعم هاتان الدولتان النظام حتى الحد الأقصى،و لكنهما ربما تتركانه في المراحل النهائية –
و هي المراحل التي لن تتركه فيها إيران وحدها-
من خلال القراءة المختصرة أعلاه لمجمل المواقف الدولية الحالية و المتوقعة،يمكنني تخيل ما يلي:
النظام السوري سيواجه الشعب ضمن خلفية دولية مريحة فالعقوبات الشكلية لن تؤثر كثيراً بسبب وجود القوى المذكورة لدعمه أو الشراء منه أو بيعه،بل و حتى "إعطائه مصروف جيب".و هو بالتالي سيجد أنه وحيد في الميدان مع الشعب نفسه..و سيستمر في استعمال أساليبه نفسها :التخويف و الابتزاز و التهديد بكل أشكال الفوضى- التي سيفتعلها كاملة تقريباً-و سيستمر في استمالة فئات بعضها فاسد و بعضها غبي،أو خائف..حتى يتم فرز كامل للشعب بأكثرية حرة من داخلها،و أقلية مستعبدة ..و الآليات القابلة للاستعمال أضحت واضحة لدى الجميع.
و ستبقى إيران تدعي أن ما يحدث في سوريا هو"شأن داخلي"فيما هي تتدخل مباشرة لإيقاف النظام على رجليه.و خلال ذلك ستتم كل أشكال المساومة التي يتقنها هذا النظام.
أخيراً – باستمرار التظاهر و فضائح النظام و عنفه – سيقوم "بعض " السوريين باستعمال السلاح ،لكن هذا لن يصل إلى مرحلة تسمى فيه الثورة بالمسلحة ،إلا أن عنصر الانشقاقات في الجيش هو الذي سيظهر واضحاً بحيث يشعر كل مكن ينتمي للعصابة أنه مهدد ،كما سيشعر كل عسكري وطني بأنه مهدد،و تقل فعالية الجيش في تهديد المدنيين لأنها ستزيد من انشغال الجيش بعضه ببعض .مما يعطي النظام فرصة لإدخال إيران بوضوح،و عند هذا الحد ستتدخل دول أخرى –لن تكون تركيا منها – و سيكون التهديد عاماً للمنطقة،و ستستنفر إسرائيل طبعاً،و إيران بالتأكيد،و قد يصل مجلس الأمن إلى مرحلة اتخاذ قرار –وربما يصل إلى المادة السابعة فعلاً عندما يصل التهديد الإيراني إلى مراحله المتقدمة- وربما نكون على شفا حرب أشبه بالعالمية، وأظن النظام سيقوم بالتفجير للمنشآت و البنى التحتية،و ربما يقصف أجزاء من المدن وسيستمر النظام باستخدام فئة من الناس تشمل الشبيحة و بقايا قوات الأمن بأعمال انتقامية،أرجو أن أكون مخطئا فيها.
لكن....رغم ذلك كله فإن ما ستنتهي إليه الأمور ليس مترتباً على التدخل الدولي بقدر ما هو أنه سيحسم فعلياً بأيدي الناس ،حيث سيهرب قسم من أزلام النظام،و سيتركه آخرون و ينشق عنه غيرهم.و سيستمر الانشقاق في الجيش،بحيث يعرف الجميع أن النظام القائم –بمعنى السلطة و ما يتفرع عنها من علاقات – قد انهار،و من التفكير بإحلال البدائل ينشأ الحراك السياسي القادم..الذي سيحدد مصير الأسد و من معه،غالباً هو سيذهب إلى إيران،التي ستنكفئ على نفسها لأنها ستجد نفسها محاطة بكل إرثها الذي حاربت به المنطقة.أما سوريا فهي مرشحة للفوضى بضعة سنين و أغلب الظن أنها ستجد بعد ذلك طريقة للخروج من كل ما هي فيه.
حزب الله سيضمر بطريقة ما،رغم أنه سيعمل ،مع ميلشيات مقتدى الصد،وغيرهم من "أحزاب الله" بتفجير الوضع إما للإيحاء بأن "القاعدة" وصلت – كما فعلوا في العراق،أو لمجرد أفكارهم"العقائدية"عن أحفاد معاوية...
هناك جزئية صغيرة :هي أن بشار الأسد قد يترك الحكم في لحظة من لحظات الصراع ،و هو ما سيجعل شخصاً غيره-ربما ماهر – يقرر الاستمرار بدلا عنه،و يحدث ما سبق في "عهده"القصير.
و سيكون واضحاً لكل ذي عقل أن ما أوصل البلد و الناس إلى ما هم فيه هو هذه السلطة الطاغية،الفاسدة،مما سيجعل الناس يطالبون باستمرار بمحاكمة أقطاب هذا النظام،وهذا موضوع آخر.

 جريدة جدار الالكترونية

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات