بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
حركة المقاومة المدنية في سوريا إلى أين؟
  14/09/2011

حركة المقاومة المدنية في سوريا إلى أين؟

ناصر الغزالي

منذ انطلاق انتفاضة الكرامة والحرية في سوريا ركز المنتفضين على ثلاث قواعد أساسية في عملهم ومقاومتهم: الأول سلمية الحركة، الثاني رفض الطائفية والثالث عدم التدخل الخارجي كثوابت لايمكن المساس بها. في المقابل، حاول النظام بكل ما يمتلك من قوة تسلطية وهمجية في نقل الصراع من نضال ومقاومة مدنية من أجل الحرية والكرامة إلى دفع المقاومين واعتبار تلك المسلمات وجه نظر وبالتالي خلط الأوراق وترعيب المجتمع ككل من نقل للصراع من حركة مقاومة مدنية إلى حركة مقاومة مسلحة تركز على تطييف المجتمع وقبول التدخل وبالتالي يصل النظام إلى مبتغاه في توصيف الوضع، سياسيا ومدنيا وأخلاقيا، كذلك من منظور القانون الدولي، باعتباره حركة تمرد تواجه سلطة، ومن منظور مجتمعي-ثقافي: حركة تمرد تحمل في رحمها خطر تقسيم سوريا، وحركة تمرد غير وطنية البرنامج والأداء باعتبارها تقبل بالتدخل الخارجي في مستقبل البلاد وقضايا السيادة.
بالرغم من محاولات النظام المستميته لنقل الصراع من صراع من أجل الحريات والحقوق، وأهمها المواطنة الكاملة في الحقوق والواجبات، إلى صراع مطالب اقتصادية واجتماعية يمكن حلها ببعض الترقيعات هنا أو هناك إضافة لكل الأساليب الوحشية في تفتيت منظومة المقاومة المدنية، بعكس ما يبتغيه المقاومين من تفتيت منظومة الاستبداد والفساد، إلا أن النظام لم ينجح في حرف مسيرة العمل المقاوم المدني في سوريا، إلا أنه، وبعد خمسة شهور من المقاومة المدنية التي أبهرت العالم بمدى إصرار المقاومين على نيل حريتهم وكرامتهم، برزت مصاعب جمة في الكتلة المكونة للحراك الشعبي المدني أهمها :
1- تباينات في الأهداف والرؤية لمستقبل سوريا.
2- الاعتقال والتنكيل والملاحقة والإغتيال لكادر المقاومة المدنية الرئيس.
3- انتقال الثوابت التي بدأت بها الانتفاضة إلى وجهة نظر لدى البعض.
4- عدم تحديد التخوم لمفهوم المواطنة والوطن لدى عدد من القوى السياسية والشبابية.
5 – تبعثر العمل الشبابي ضمن تشكيلات مختلفة يعتقد كل منها أنها المؤثر الأهم على الأرض.
6- المؤتمرات المتكاثرة في خارج البلد والمستعجلة لقطف ثمار الثورة وما آلت إليها من خلافات بينية.
7- دور الإعلام السلبي من خلال استخدام الإعلام للمقاومين لمصالح وأجندات تخص وسائل الإعلام ومن يقف وراءها.
8- الاعتماد على شكل وحيد من المقاومة المدنية ألا وهو التظاهر دون تفعيل الأشكال الكثيرة الأخرى والتي توازي في أهميتها عملية التظاهر.
9- بالرغم أنها ليست من المقاومة المدنية ومن صغر حجمها جدا إلا أنها تلعب دور مشوش على المقاومة المدنية ألا وهي مجموعة تجار الثورات وراكبي أمواج الانتفاضة للحصول على مكاسب آنية وسريعة.
10- التأثير القوي في سياسة الانتفاضة للمقاومين في الخارج بدل أن يكون العكس بسبب معرفتهم بالواقع.
هذه النقاط العشر وربما يوجد بعض النقاط الفرعية الأخرى لكن أعتقد هي أهم الصعوبات التي تقف في وجه الانتفاضة الآن، لن أدخل في مضامين هذه الصعوبات كلها لأن جزء منها يمكن تجاوزه بالعمل على الأرض ومعرفة التعامل معها بجدية وبروح المسؤولية من الجميع مثل النقاط (5-8-10) ولا يوجد عندي أدنى شك في تجاوز المجموعات الشبابية الذين يشكلون جسم المقاومة المدنية هذه المصاعب بالتجربة وروح المثابرة وإيمانهم بالهدف الذي يسعون أليه، وجزء أخر هو خارج إرادة المقاومين إذ له عوامل خارج أرادتهم مثل النقاط (2-6-7-9) وأعتقد أن المقاومين يستطيعون تخفيف وطأة هذه النقاط وتأثيرها، إلا أن النقاط الثلاثة الباقية تحتاج إلى مناقشة جادة لأنها يمكن أن تكون مؤثر قويا ايجابيا في المقاومة المدنية أو محركا سلبيا عليها.

تباينات في الأهداف والرؤية المستقبلية لسوريا

من الطبيعي والمنطقي أن يكون لكل من القوى السياسية أهداف ورؤية مختلفة عن الأخرى في رسم مستقبل سوريا على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكن من غير الطبيعي الاختلاف على
1- جوهر الدولة: أعني العقد الاجتماعي الذي يحمي كافة الأفراد وأن يساوي بينهم بالحقوق والواجبات وحكم القانون أي مدنية الدولة، وهذا يستوجب منا جميعا معرفة مفهوم المدنية على أساس أنها مجموعة حقوق توافقت عليها الإنسانية كلها بكافة أديانها ومرجعياتها الفكرية والإيديولوجية وما اصطلح عليها بشرعة حقوق الإنسان لا يمكن التلاعب أو التنازل عنها بحجة الخصوصية للدولة السورية لأن هذه الخصوصية يمكنها أن تنقلب كسيف مسلط على الجميع ابتداء من حقوق المرأة انتهاء بالحقوق الثقافية وحرية الرأي والتعبير، إضافة إلى تكريس جوهر العقد الاجتماعي الذي تم البناء علية بعد الثورة السورية الكبرى عام 1925 ألا وهو الدين لله والوطن للجميع إضافة للحرية الاجتماعية والسياسية .
2- والأكثر أهمية هو التباينات في مفهوم الديمقراطية والذي يشكل حجر الزاوية في هذا الخلاف، وأعني هل الصراع السياسي في الدولة سوف يكون على أساس المكونات الحزبية أم على أساس المكونات المجتمعية وأقصد الطائفية وهذا ما سوف يعيدنا إلى تشكيل نظام الملالي الذي فرضه الاستعمار العثماني على بلاد الشام ومازال معمولا به في لبنان والآن في العراق ما بعد الاحتلال الأمريكي.
3- مفهوم إسقاط النظام يتجلى هذا الأمر بالتباينات بين القوى المعارضة على مفهوم إسقاط النظام فمنهم من يجد أن إسقاط النظام يعني رأس النظام أي رئيس الجمهوري أي العداء ينصب بشكل مباشر على رأس الدولة ومنهم من يرى أن إسقاط النظام هو إسقاط الاستبداد من خلال نظم وقوانين جديدة تقوم على تفكيك بنية الاستبداد إضافة إلى إسقاط الفساد المحمي من السلطة الاستبدادية الممثلة بالسلطة الأمنية ضمن مشروع انتقالي يتم الاتفاق علية ضمن مرحلة محددة وهناك طرف مازال يؤمن بعملية التغيير الجدي من خلال السلطة نفسها.
انتقال الثوابت التي بدأت بها الانتفاضة إلى وجه نظر لدى البعض
ارتكزت المقاومة المدنية منذ انطلاقتها على ثلاث ثوابت رئيسية هي سلمية حركة المقاومة، ورفض الطائفية ظاهريا وباطنيا ورفض التدخل الخارجي ، هذه الثوابت كانت ناتجة عن معرفة المقاومين وبحسهم الوطني والمواطني أهمية هذه الثوابت الثلاث لمفهوم المقاومة المدنية إلا أن بعد خمسة أشهر من الانتفاضة وبسبب الهمجية والفاشية للنظام وبسبب تدخل بعض الأطراف الداخلية لحسهم أنهم لن يكون لهم مكان وازن إلا بنسف هذه الثوابت وأطراف خارجية عربية وإقليمية ودولية لها كل منها أسبابها في العمل على تشضي المجتمع السوري أصبحت تلك الثوابت محل نقاش بل أصبحت وجهات نظر بين المقاومين بل بدئت تصدر أصوات من هنا أوهناك تدفع بالتنازل عن هذه الثوابت وهنا تكمن خطورة الموضوع على حركة المقاومة المدنية، وفي حقيقة الأمر لسنا هواة قبول من يقتلنا دون رد ودفاع عن أنفسنا لكن نجد أن المقاومة المدنية هي الطريق الوحيد للقضاء على الدكتاتورية وبشكل يحفظ للمواطن والوطن كرامته بسبب:
إن أكبر نقاط قوة النظام الديكتاتوري هو قوته المسلحة في حين أن أكبر نقاط ضعف قوى المقاومة المدنية هي افتقارها إلى هذه القوة لذلك تفشل المقاومة المسلحة لأنها تعني مواجهة أقوى نقطة عند النظام بأضعف نقطة عند المعارضة. إن المقاومة السلمية تقلب هذه المعادلة رأساً على عقب؛ فعندما يقف مجموعة من المتظاهرين العزل الذين يدافعون عن حرية الشعب وكرامته في وجه مجموعة من حملة العصي أو الأسلحة الذي يدافعون عن نظام ديكتاتوري يغتصب حرية الشعب ويعتدي على كرامته، فذلك يعني أن المقاومة المدنية تستخدم أقوى نقطة لديها وهي تفوقها الأخلاقي وشرعيتها المستمدة من تعبيرها عن قيم الشعب ومصالحه في مواجهة أضعف نقطة لدى النظام الديكتاتوري وهي تنكُّره للقيم الأخلاقية والإنسانية . إن الناس ينحازون بفطرتهم إلى جانب القيم الأخلاقية ومشاعرهم تحركها مشاهد البطولة والشجاعة وإن استماتة مجموعة من المقاومين في الدفاع عن حقوق الشعب وإخلاصهم وتصميمهم سيشجع شرائح جديدة من الشعب على الانضمام إلى صفوف المقاومين وهكذا تمتلك قوى المقاومة المدنية السلطة الأخلاقية التي تقوى تدريجياً كلما استمرت المقاومة السلمية وازداد عدد المشاركين فيها.
والموضوع الثاني هو رفض الطائفية: بالرغم أن الجميع يتحدث عن ذلك لكن هناك بعض الأصوات التي أصبح صوتها فاقعا وواضحاً أخذت في الآونة الأخيرة وعبر وسائل الإعلام بالتحدث عن ثورة شريحة مجتمعية ضد شريحة أخرى وهذا بحد ذاته تقوقع البعض على ذاته وبالتالي الدفاع عن النظام بصفته الحامي لبعض شرائح المجتمع الأخرى وبالتالي تحول النضال من أجل الحرية والكرامة إلى صراع مجتمعي وحرب أهلية وهذا ما حاول النظام ومازال يحاول طيلة تلك الفترة دفع الصراع إلى تلك الصيغة.
أما بالنسبة للتدخل الخارجي: وهو ليس إلا استبدالاً للدكتاتور الداخلي بدكتاتور خارجي، وهو يبث الفتنة في المجتمع لأنه يقسم الناس إلى (متعاونين) مع المحتل و(مقاومين) له، كما أن استخدام المحتل للعنف والقوة العسكرية للإطاحة بالنظام الديكتاتوري يرسخ ثقافة العنف في المجتمع بوصفه طريقاً وحيداً للتغيير، إضافة إلى أن الانهيار المفاجئ لأجهزة الدولة الذي قد يصاحب الاحتلال العسكري يؤدي إلى اضطرابات سياسية وأمنية واجتماعية خطيرة ولا ننسى هنا أن هذا التدخل يتم خدمة لمصلحة المحتل بالدرجة الأولى، تلك المصلحة لا تتفق بالضرورة مع مصلحة البلاد بل تتناقض معها. إضافة إلى التكلفة البشرية والاقتصادية الذي يسببه التدخل الخارجي على الوطن والمواطن وتكون لخدمة الخارج.
عدم تحديد التخوم لمفهوم المواطنة والوطن للقوى السياسية
الكل بلا استثناء يدعي الدفاع عن المواطنة والوطن ويقدم الأدلة لذلك وكل حسب مرجعياته الفكرية والإيديولوجية من النظام إلى قوى المعارضة إلى الحركات الشبابية الفاعلة على الأرض إلى القوى المساندة إن كانت عربية أو دولية لكن لم نجد عند أحد محدد واضح لمفهوم المواطنة والوطنية بشكل واضح ومن هنا علينا تحديد التخوم ومستلزمات المواطنة والوطنية من قبل القوى السياسية والقوى الشبابية المشكلة لهذه المقاومة المدنية إذ من خلال متابعتي لما يجري على الساحة السورية يمكن تقسيم قوى الصراع على الساحة السورية إلى ثلاث قوى أساسية مع العلم أن في كل منها تجد كافة المشارب السياسية ذات التوجهات المختلفة:

1- هناك قوى تغّلب الدفاع عن حدود الوطن على المواطنة ويشكل النظام المكون الأساسي له إذا أن النظام السياسي في تماهيه مع الوطن , يعتبر كل الأخطار السياسية أو الوطنية تنصب في دائرة الخطر على الوطن وهو يجد نفسه مدعواً لسحق الجميع - تحت هذه الذريعة - وهذا ما يحصل على أرض الواقع بل تغيب فكرة المواطنة بشكل كامل وتقوم بسحقه إذا استلزم الأمر وهذا يشمل النظام وبعض القوى الأخرى المتحالفة معه.
2 – هناك قوى تغلب الدفاع عن المواطنة على حساب الوطن بل تحاول أن تتحالف مع القوى الخارجية وتبعد الصراع العربي مع الكيان الصهيوني الأمريكي من الأزمة والصراع القائم وهؤلاء يدعون إلى التدخل بالشأن السوري بشكل مباشر أو غير مباشر من أجل القضاء على النظام مشكلين تحالف مع قوى الظلام الخليجية لأهداف تخص هذه الأنظمة ومع قوى اقليمية – تركيا- ومع قوى عالمية وهذا يشكل خطر كبير على ماهية الوطن نفسه من حيث العلاقة القوية بين الوطن والمواطن.
3- القوى الثالثة هي الأكثر شيوعاً وقبولا من المجتمع السوري القائمة على ربط الدفاع عن المواطنة بالدفاع عن الوطن وبالتالي على حركة المقاومة المدنية أن تعمل بكل الوسائل المدنية للحصول على حقوقها كاملة غير منقوصة بالنسبة للمواطنة إضافة إلى الدفاع عن الوطن والعمل على تقويته أمام المخاطر التي تحيط بسوريا.

إذ أن العلاقة بين المواطنة، والمواطن، والوطن، لا تنحصر في الاشتقاق اللغوي، وإنما تمتد إلى الارتباط الوثيق في المضامين، فلا مجال لتجسيد مفهوم المواطنة بما يعنيه من مشاركة ـ مباشرة أو غير مباشرة ـ في تدبير الشأن العام، ومسؤولية تجاه الوطن، دون وجود مواطن يُدرك بوعي حقوقه وواجباته، في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويشعر بأنه معني بما يجري داخل الفضاء الذي يسمى الوطن، فلا مواطنة بدون مواطن، ولا مواطن بدون ولاء للوطن، وتفاعل إيجابي مع قضاياه، وانخراط حقيقي في شؤونه.



 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات