بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
الفتنة والمفتون والنهي عن المنكر
  18/11/2011

الفتنة والمفتون والنهي عن المنكر
 علي الصراف


لم تجد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية بين الفتن التي تحيق بالعالم الإسلامي أكثر أهمية من "الفتنة" التي تثيرها عيون النساء.
صحيح أن هناك حربا أهلية صامتة ومعلنة بين الشيعة والسنة، وصحيح أن هذه "الفتنة" ألقت بملايين البشر في أتون معترك لم نخرج منه بعد، وصحيح أن أنماطا أخرى من فتن الفقر والجوع والبطالة
والتطرف والاستبداد والعنف والإرهاب والفساد والتخلف والأمية تكاد تطحن حياة مئات الملايين من أبناء "أمة محمد"، إلا أن رجال الإفتاء (المنشغلون بما بين أفخاذهم) لم يعثروا إلا على "فتنة العيون" لينشغلوا بها!
خزاهم الله على ما يفعلون من البغي بالدين والمنكر.
تقول القصة، ان هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الشرطة الدينية) في السعودية، أعلنت أنها ستجبر النساء على تغطية عيونهن".
وقال المتحدث الإعلامي باسم الهيئة في حائل (شمال المملكة) الشيخ مطلق النابت، إن "رجال الهيئة سيتدخلون لإجبار النساء على تغطية عيونهن، خاصة المثيرة للفتنة".
ولكي تظهر الهيئة جديتها في مواجهة العدو الامبريالي الجديد (العيون "المثيرة للفتنة") فقد اشتبك رجالها مع مواطن رفض أن تغطي إمرأته عينيها، فضربوه وطعنوه في اليد والظهر، وزادت المحكمة الجزئية في حائل بالحكم عليه بالسجن لثمانية أشهر والجلد 300 جلدة على 6 دفعات بتهمة "الصائل" (الاستعلاء) على "المفتونين" من رجال الهيئة.
وقد يكون هذا واحدا من أوجه الظلم الكثيرة التي يمارسها رجال دين، هم بالأحرى شرطة جنس، ليس لديهم ما ينشغلون به غير ما تحركه غرائزهم، إلا أن التعسف بلغ حدا لا يطاق، حتى ليمكن للمرء أن يتساءل ما إذا كان يجدر بالربيع العربي أن يأتي على جذر الفتنة التي يمثلها هؤلاء.
ولن يصعب على رجال جنس (يتسترون بالدين) أن يجدوا تأويلا ما، لكلام ما، قرأوه في مكان ما، نقلا عن أحد ما، يقول لهم إن كل شيء يظهر في المرأة هو فتنة. ولكن فقههم الأعور، الذي يرى شيئا ويغفل عن آخر، لا يحدد حيال هذه "الفتنة"، مسؤولية المفتون، أو المقياس الذي يقاس به الأذى الناجم عن "الفتنة"، أو ما إذا كان متفاوتا بين الناس.
فما يفتنك قد لا يفتن غيرك. وما قد تعتبره فتنة من فتن الجمال، قد لا يعتبره آخر إلا شيئا عابرا. وما قد تراه مؤذيا، قد يراه الآخر شارحا للنفس. والجمال الذي تقول عنه "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، قد يدفع غيرك الى القول: "سبحان الذي خلق".
الأمر، إذن، يتعلق بالاتجاه الذي تتحرك به غرائزك. وهذا أمر لا ذنب لأحد فيه. إنه ذنبك.
والجمال ليس بعورة. فإذا نظرت اليه على أنه كذلك، فالحقيقة هي أنك أنت العورة.
وكل هذا في كفة، ومسؤولية "الفاتن" في كفة أخرى.
فاذا كان الخالق قد وهب إمرأة عيونا "مثيرة للفتنة"، فلعلها، حسب هذا الهراء، يجب أن تسأل الله أن يعورها لها، على الأقل لكي لا ترى زوجها يذهب الى السجن ويتعرض للجلد 300 مرة.
والمرأة، حسب هذه السخافة، هي المسؤولة عما وهبها الله من طبيعة، وليس الله نفسه.
ولا شيء في الإسلام يقتضي تغطية الوجه، فما بالك بالعين؟
وأعرف من مناظر الطبيعة جمالا يخطف الأنفاس، إلا انه لا يثير الفتنة لدى رجال الشرطة الجنسية في السعودية، لأنهم لا يضعون أيديهم على ما بين أفخاذهم، وهم ينظرون الى حقول غناء ومزهرة.
والنظر الى المرأة كموضوع للجنس يهينها ويحط من قدرها ويخفض من كرامتها، ولكنه يهين الرجل أكثر، لانه يقصر وجوده ومعناه وكيانه على عورته.
ويريد رجال الافتاء في السعودية أن يقولوا انهم عورات متحركة، تتأثر بفتن العيون اكثر مما تتأثر بكل مصائب المسلمين الأخرى. وان مقياس "الفتنة" لديهم عشوائي الى درجة إن كل شرطي يمكن أن يقرر قواعده وحدوده حسب مزاجه.
ولا شيء في هذا يهون. ولكن فيه ما هو أسوأ. لانه يهين فينا تاريخا من الأدب، لا أدري من نكون دونه. فاذا كنا أمة شعر، فلدينا من شعر العيون ما ينير بجماله وجودنا كله، ويضفي علينا روحا، ويمنحنا حسّا هو في النهاية ما يفرق بين اولئك الذين ولدوا كبشر وبين أولئك الذين ولدوا كبقر.
الإنساني، وليس الجمالي وحده، هو الذي يضيع بين أيدي شرطة الهوس الجنسي هؤلاء.
وبين الكثير مما يمكن اقتباسه، يقول جرير:
إن العيون التي في طرفها حور... قتلتنا ثم لم يحيين قتلانا

ويقول أبو فراس الحمداني:

كيف اتقاء لحاظه وعيوننا... طرق لأسهمها إلى الأحشاء

صبغ الحيا خديه لون مدامعي... فكأنه يبكي بمثل بكائي

كيف اتقاء جاذر يرميننا... بظبى الصوارم من عيون ظباء

يا رب تلك المقلة النجلاء... حاشاك مما ضمنت أحشائي

جازيتني بعداً بقربي في الهوى... ومنحتني غدراً بحسن وفائي

ويقول أبو تمام:

صب الشباب عليها وهو مقتبل... ماء من الحسن ما في صفوه كدر

لولا العيون وتفاح الخدود إذا... ما كان يحسد أعمى من له بصر

ويقول أبو العلاء المعري:

طفنت عيون الناظرين وأشرقت... عين الغزالة ما بها عُوّار

ويكون للزهر الطوالع منتهى... يذوين فيه كما ذوى النوار

ويقول عنترة بن شداد:

رمت الفؤاد مليحة عذراء... بسهام لحظٍ ما لهن دواء

مرّت أوان العيد بين نواهد... مثل الشموس لحاظهن ظباء

فاغتالني سقمي الذي في باطني... أخفيته فأذاعه الاخفاء

ويقول قيس بن الملوح:

جعلنا علامات المودة بيننا... تشابك لحظ هن أخفى من السحر

فأعرف منها الود من لين طرفها... وأعرف منها الهجر بالنظر الشزر

ويقول المتنبي:

أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب... وردوا رقادي فهو لحظ الحبائب

فإن نهاري ليلة مدلهمة... على مقلة من بعدكم في غياهب

بعيدة ما بين الجفون كأنما... عقدتم أعالي كل هدب بحاجب

وأحسب أني لو هويت فراقكم... لفارقته والدهر أخبث صاحب

ويقول البحتري:

أغضيت عن بعض الذي يُنقّى... من حرجٍ في حبه أو جُناح

سحر العيون النجل مستهلك... لُبّي وتوريد الخدود الملاح

ويقول ذو الرمة:

تلاقى به حور العيون كأنها... مها عقد محرنجم غير مجفل

ضرجن البرود عن ترائب حرة... وعن أعين قتلتنا كل مقتل

إذا ما التقين من ثلاث وأربع... تبسمن إيماض الغمام المكلل

يهادين جمّاء المرافق وعثةً... كليلة حجم الكعب ريا المخلخل

ويقول بشار بن برد:

حور العيون نُزّهَ الأحباب... مثل الدمى أو كمها العذاب

فهن أتراب إلى أتراب... يمشين زوراً عن مدى الحراب

ويقول ابن الزيات:

رب لحظ يكون أبين من... لفظ وأبدى لمضمرات القلوب

ويقول أبو نواس:

قالوا نزعت ولما يعلموا وطري... في كل أغيد ساجي الطرف مياس

كيف النزوع وقلبي قد تقسمه... لحظ العيون ولون الراح في الكاس

ويقول الحلاج:

قلوب العاشقين لها عيون... ترى ما لا يراه الناظرينا

وألسنة بأسرار تناجي... تغيب عن الكرام الكاتبينا

ويقول محي الدين بن عربي:

ناحت مطوفة فحن حزين... وشجاه ترجيع لها وحنين

جرت الدموع من العيون تفجعا... لحنينها فكأنهن عيون

ويقول الطغرائي:

برزن بألحاظ العيون نواشباً... وهن لأطراف المروط روامحُ

جلون شفوقاً عن شنوف ونقب... براقعها تلك العيون اللوامحُ

فلم يملك العين الطموح مجاهر... بفسق ولا النفس النقية صالحُ

ولا غرو أن يرتاح للصيد قانص... إذا عنّ ظبيٌ بالصريمة جانحُ

ويقول ابن الرومي:

نظرت فأقصدتْ الفؤاد بطرفها... ثم انثنت عني فكدتُ أهيمُ

ويلاه إن نظرتْ وإن هي أعرضت... وقع السهام ونزعهن أليمُ

ويقول احمد شوقي:

ودخلت في ليلين: فرعك والدجى... والسكر أغراني بما أغراكِ

فطغى الهوى وتناهبتك عواطفي... ولثمتُ كالصبح المنور فاكِ

وتعطلت لغة الكلام وخاطبت... قلبي بأحلى قبلة شفتاكِ

وبلغت بعض مآربي إذ حدّثت... عيني في لغة الهوى عيناكِ

ويقول بدر شاكر السياب:

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

عيناك حين تبسمان

تورق الكروم

وترقص الأضواء كالأقمار في نهر

...

وكل هذه عيون، ولكن لم يرها رجال البغي بالدين والمنكر.

فاذا كان في العيون ما يسمو بالروح ويرفعها، فليس فيه مما يرفع العورات، إلا بين رجال هم، بحد ذاتهم، عورة من عورات الزمان ومنكر من منكراته، لا معروف فيه، ولا أمر.

ألا فليطفئ الله عيني من لا عينين له ليرى بهما جمالا. ألا فليطفئ بصيرته عما لا يملك بصيرة فيه. لأنه في كلتا الحالتين أعمى!

علي الصراف

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات