بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
الدين لله والوطن للجميع…
  18/11/2011

الدين لله والوطن للجميع…

سمير العيطة : رئيس تحرير لوموند ديبلوماتيك النسخة العربية


إنّ الربيع العربي بجميع تداعياته، سواء في البلدان التي سقط فيها رأس النظام، أو يوشك، أو حتّى تلك التي تتفاعل فقط مع وقع الأحداث، يطرح مسألة الأسس التي يمكن أن تقوم عليها أنظمة ديموقراطيّة وتعدديّة بعد عقودٍ من استئثار سلطة على الحكم. ذلك لأنّ القوى السياسية التي دفعها الحراك الشعبي "لإسقاط النظام" متنوّعة الاتجاهات، وليس لها شرعيّة تاريخيّة تخوّلها كي تفرض رؤيتها للنظام الجديد كما القوى التي أتت بالاستقلال؛ ويتعقّد الأمر مع نهوض واضح لتيّارات إسلام سياسيّ "معتدل" يحاول أن يفرض نفسه من خلال هذا الربيع.
هنا تكمن واحدة من أهمّ تحديات الربيع العربي في الصراع الذي يدور سياسيّاً واجتماعيّاً بين مفهوم المواطنة وعلاقة الدولة مع الدين الإسلامي، خاصّة من خلال الأسس الدستوريّة التي تجب صياغتها للنظام الجديد. هذا الصراع واضح في تونس، وسيظهر من خلال أعمال الجمعيّة التأسيسية التي سيتمّ انتخابها. هناك خشية من أن تدفع المزايدة للتمسّك "بالهويّة العربيّة الإسلاميّة" لهذا البلد إلى تراجعٍ في حقوق المساواة في المواطنة التي كان قد أرساها دستور الحبيب بورقيبة، خاصّة بين النساء والرجال؛ وكانت ميزة تونسية بامتياز.
هذا الصراع محتدمٌ أيضاً في مصر، في سياق السجال على المبادئ فوق الدستوريّة والغليان الشعبيّ ما بين الحراك الشبابي والمجلس العسكريّ والتيار الإسلامي الصاعد في البلاد. في هذا السياق أيضاً نفهم دويّ تصريحات رجب طيّب أردوغان، بوصفه رئيس وزراء مسلم في دولة علمانيّة "تقف على مسافة متساوية من كلّ الأديان" [1]. فقوله بأنّ هذا المبدأ يجب أن يرسّخ في الدستور المصري العتيد، أثار صدمة في حركة الإخوان المسلمين التي كانت تسعى لإبراز طروحاتها على أنّها تيمّناً "بالنموذج التركي".
إنّ أحد الأسباب الجوهريّة الذي يحول دون توحيد المعارضة في سوريا بالرغم من قسوة وإجرام القمع، هو هذا الصراع بين الفئة التي وضعت في مؤتمرها في دمشق أسساً دستوريّة [2] تتضمّن الإقرار بأنّ "الدين للّه والوطن الجميع"، وتلك التي قامت بإنشاء "مجلس وطني" في اسطنبول، حيث تتمثّل حركة الإخوان المسلمين بشكلٍ كثيف، وحيث تتمّ المطالبة بدولة "مدنيّة" ديموقراطيّة… دون تحديدٍ أوضح.
ما بين الحديث عن دولة مدنيّة وبين شعار "الدين لله والوطن للجميع"، فرق أساسيّ وتاريخ يبدأ منذ القرن التاسع عشر ولا سيّما منذ بطرس البستاني، الذي دعا "أبناء الوطن" (المواطنين) إلى "نبذ التعصّبات الدينيّة والتحزّبات المذهبيّة والعداوات الطائفيّة". بعده رفع فيصل الأوّل هذا الشعار عندما بويع في سوريا في 1918 أمام رؤساء جميع الطوائف الروحيّة، على خلفيّة أحداث طائفيّة وقعت مع الأرمن، عقب تواجد كتائب أرمنيّة في جيش الحلفاء الزاحف ضد الإمبراطوريّة العثمانية التي كانت قد ارتكبت مجازراً ضدّهم [3]. ولم تمضِ سنة حتّى رفع الزعيم سعد زغلول (خريج الأزهر الشريف بالمناسبة) الشعار نفسه موحّداً شعب مصر ضدّ الاحتلال الانجليزي: "إنّ الوطن لكلّ الناس باختلاف أديانهم وألوانهم وثقافتهم شيء مهمّ جداً، بل وأساسي لنهضة الشعوب في كلّ الأرض. وإنّ على كلّ إنسان أن يعتقد أو يؤمن بما يرتاح إليه قلبه، فإيمانه متعلّق بالله، والله وحده". ثمّ عاد سلطان باشا الأطرش ليرفعه مجدّداً شعاراً للثورة السوريّة الكبرى في 1925، وصفعةً في وجه تقسيم سوريا دويلات على أساسٍ طائفيّ.
تنوّعت ردود فعل التيارات الإسلاميّة تجاه هذا الشعار. إذ أكّد الشيخ عبد الرحمن حسن حبنّكة: "إنّ الديموقراطية باعتبارها تنادي بأنّ الدين لله والوطن للجميع، وأنّ شأن الأقليّات في الدولة كشأن الأكثريّة في الحقوق والواجبات، تمكّن الأقليّات من التكاتف والتناصر، لاستغلال الوضع الديموقراطي، ضدّ الأكثريّة ومبادئها وعقائدها ودينها. (…) وبالمفهوم المعاصر للوطنيّة الذي روّجه الطامعون بسلخ المسلمين من حقوقهم في السيادة على الأوطان الإسلاميّة، اتّسع شعار الوطنيّة حتّى صار في المفهوم الشائع يضمّ كلّ سكّان الوطن الواحد، ولو كانوا في الأصل نزلاءه أو ضيوفه أو مقيمين فيه بعهدٍ أو أمانٍ أو ذمّة" [4]. أمّا العلامة محمد سليم العوّا فقد برّأ الشعار من الدعوة إلى الإلحاد، وربط "الدين للّه" بقوله تعالى "ألا لله الدين الخالص" (سورة الزمر، 39)، و"الوطن للجميع" بقوله "والأرض وضعها للأنام" (سورة الرحمن، 10)، بمعنى المواطنين جميعاً [5]. في حين يسترجع اليوم بعض أنصار التيّار الإسلامي مقولات الشيخ حبنّكة، مطالبين بفرض قاعدة الأغلبيّة على الدساتير والنهج السياسيّة الجديدة، رغماً عن نضالات الاستقلال وتجربة النهضة الأولى… والنموذج التركي.
هكذا يظهر الصراع حول شعار "الدين لله والوطن للجميع" كأحد مفترقات الطرق الرئيسة للربيع العربي. وإلاّ فما معنى المواطنة والمدنيّة؟ إذا انتصر الإسلام السياسيّ لهذا الشعار، فذلك دليل على نضوجه التاريخيّ وتبنّيه حقّاً للديموقراطية. وإذا لم ينتصر، فمرحباً من جديد بما كان يسمّى "المسألة الشرقيّة"، أي تدخّل القوى الأجنبيّة للتلاعب الطائفيّ بين مواطني البلد الواحد؛ أكان هذا الأجنبيّ غربيّاً أم دولة… إسلاميّة.


* اقتصادي، رئيس تحرير النشرة العربية من لوموند ديبلوماتيك، ومؤّلف: Les Travailleurs Arabes Hors-La-Loi, L’Harmattan, 2011. ورئيس مجلس ادارة موقع مفهوم A Concept mafhoum, www.mafhoum.com


[1] مدحت قلادة: "كلمات أردوغان"، صحيفة اليوم السابع، 16 أيلول/سبتمبر 2011.
[2] المجلس الوطني لهيئة التنسيق الوطني الديموقراطي في سورية في 17 أيلول/سبتمبر 2011، ومشروع "عهد الكرامة والحقوق" الذي طرحه كأحد وثقتيه الأساسيّتين. راجع: http://www.almasryalyoum.com/node/501119
[3] جمال باروت: سورية، التكوّن السياسي والاجتماعي والتاريخي؛ مركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات؛ الدوحة، 2011.
[4] عبد الرحمن حسن حبنّكة: كواشف زيوف في المذاهب الفكريّة المعاصرة، دار القلم، 1998.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات