بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
آخر مشاهد الثورة المصرية: المتطهرون يذهبون بحسن نية إلى الموت والانتها
  07/01/2012

آخر مشاهد الثورة المصرية: المتطهرون يذهبون بحسن نية إلى الموت والانتهازيون يبحثون عن المفاتيح

محمود قرني
2012-01-06


تبدو مخاضات المشهد المصري في أيامه الأخيرة تعبيرا دقيقا عن حالة الاستقطاب الحاد التي بدأت منذ السنوات الأخيرة لنظام حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك، في ظل اختلافات شبه جذرية على أداء المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
وفي ظل قوى سياسية لا تملك ما تتبادله سوى التنابذ والبراغماتية الخالصة بقيادة آلة إعلامية تتسم بالكثير من التآمر من ناحية، وبانعدام المعرفة الذي يصل حد الجهل المفرط من ناحية أخرى، وأيضا في غياب شعب كان يمثل المعادلة الرئيسة للثورة المصرية، أو يجب أن يمثل معادلتها الرئيسة. يحدث ذلك في وقت كنا نعتقد فيه أن ثورة الخامس والعشرين من يناير قادرة على استيعاب هذه الاستقطابات في إطار رؤية وطنية جامعة تخفض فيها القوى السياسية والمجتمعية من غلواء خلفياتها الأيديولوجية والبراغماتية لصالح بناء وطن جديد يقف الكافة فيه على قدم المساواة، ليمثل التأسيس الأنقى لدولة القانون، لكن غياب عنصر الثقة بين القوى السياسية من جانب وغيابها بين تلك القوى والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، ثم إخراج المجتمع، بجملة أطيافه، من معادلة الحكم كانت كلها أسبابا لتعميق هذا الاستقطاب. فتصاعد أعمدة الدخان من خلف جدران المجمع العلمي المصري، الذي بناه نابليون قبل مئتي عام وكل ما سبق هذا المشهد من أحداث، وإن تفاوتت كميا ونوعيا، بدت من ناحية تعبيرا صارخا عن هذا الشتات الذي يباعد بين أهداف القائمين على الثورة أو من يقدمون أنفسهم باعتبارهم كذلك، ومن ناحية أخرى بدا الحادث تعبيرا رمزيا مؤلما عن تآكل الإجماع الوطني على ثوابت الثورة، وعلى رأسها بناء دولة مدنية ديمقراطية تكفل المساواة والكرامة والعيش والحرية.
وتتعمق حالة الاستقطاب في لحظة بات الجميع فيها متحدثا لا مصغيا، وهي الآفة نفسها التي اعتبرها جيبون من بين أهم الأسباب التي ساهمت في انهيار الإمبراطورية الرومانية. فالنخبة التي تخلت عن فضيلة الصمت إلى رذيلة الرطان واللجاجة لن تتمكن، في أي لحظة، من الإنصات إلى صوتها الداخلي، وبالضرورة لن يكون بإمكانها الاستماع إلى أصوات الشعب الذي دفع أبهظ الأثمان حتى يجد من ينصت لآلامه.ولن نجد على الأرجح، بين فصائل القوى السياسية المتناحرة من أخذته فضيلة التواضع التي تمكنه من الحديث أحيانا، ومن الاستماع في معظم الأحايين. يتأكد ذلك عبر تباعد أهداف المرحلة الانتقالية التي قفزت عليها قوي سياسية وسياسيون وناشطون بالغوا في انتهازيتهم، وأسرفوا في تجيير التيار الرئيسي للثورة وهو الشعب لصالح أهدافهم وأجنداتهم الخاصة، في وقت تجسدت فيه محدودية قدرات المجلس الأعلى للقوات المسلحة على إدارة المرحلة الانتقالية، وتخبط بشكل غير مفهوم، يؤكد ذلك فشله المتصل في إقامة دولة القانون، وعدم الانتصار لحقوق الشهداء والجرحى، كما تعثرت ولازالت محاكمات رموز النظام البائد بشكل ملغز، في الوقت الذي تم فيه تجاهل إقرار نظام عاجل وعادل للأجور، وكذلك استمرار الصدامات الدموية التي أودت بحياة عشرات الثوار. في المقابل بدت قوى الإسلام السياسي هي الأكثر احترافية وتعقلا وبراغماتية وتنظيما في إدارة معاركها خلال هذه المرحلة الدقيقة، فهي في كل الأحوال تتحدث بخطاب يمثل التيار الرئيسي في الشارع المصري، ولم تكن الحملات الإعلامية المكثفة التي قادها ليبراليون وعلمانيون، عبر الفضائيات وعلى صفحات الصحف، إلا رافدا من روافد تعزيز نجاح الإسلام السياسي، وبدت هذه النجاحات سببا مباشرا لتمسكهم بمساندة الجدول الزمني للمرحلة الانتقالية، الأمر الذي وضعهم في موقع قريب من المؤسسة العسكرية، ما جعل البعض يتحدث بين الحين والآخر عن صفقة بين الطرفين، وهو أمر أظنه لا يخايل إلا المهزومين في معركة الانتخابات البرلمانية التي أكدت لهم الحجم الحقيقي والفاضح لوجودهم في الشارع وكشفت عن الحجم المتضائل لحضورهم السياسي عبر مرحلتي الانتخابات البرلمانية الأولي والثانية، بسبب الغباء السياسي المعضد بالكثير من الاستعلائية التي تميز خطاباتهم إلى الجماهير.ويبدو أن إجماع النخبة المصرية المريضة، التي غادرت فضيلة الصمت، قد أساءت لها المبالغات اللفظية التي لا تقل فجاجة وجهلا عن أداء رموز النظام البائد، في مقابل المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي فضل أن يكون حارسا أكثر منه فاعلا، لكنه لم ينجح في إقناع هذه النخبة أو غيرها بأن ذلك إنما يأتي من فائض إنكار الذات وبالأحرى من فائض الوطنية، وظل ما يقدمه يكرس قراءة مغلوطة ضمن سطور المشهد، وقد ساهم المجلس بنفسه في تعضيد غلطها. وفي كل الأحوال تمخض الأمر في نهاية العشرة أشهر من اللجاجة عن نتائج كارثية لا أتصور أن مصر ستنجو منها، وربما تدرك القوى السياسية مآلات هذا المخاض، لكنها لأسباب غير مفهومة، تترك الأمر للالتباس المتعمد والمهين في أذهان العامة المعنيين، في الحقيقية، بفكرة التغيير. فالقوى الأكثر تنظيما والحائزة الأغلبية البرلمانية وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين تتبني، على سبيل المثال، رفض الوثيقة الدستورية وقواعد اختيار اللجنة التأسيسية المنوط بها وضع الدستور لكنها في المقابل ترفض الحديث عن تصورها لهذا الدستور القادم وتخفي، عامدة، نواياها المستقبلية، وهو أمر يزيد الوضع احتقانا والتباسا، رغم أن الوضعين السياسي والأخلاقي يحتمان على الأغلبية الإفصاح عن تصورها لمستقبل الوطن، لأنه أمر جلل وخطير، كذلك ترفض الجماعة الإعلان عن خارطة تحالفاتها في البرلمان المقبل، مؤكدة أن ذلك لم يحن أوانه وهو أمر لا يختلف عن بقية مواقف الحركة التي لا تدفع إلا لتعميق القلق والالتباس ومن ثم الاستقطاب. في المقابل يبدو أن التيارات الثورية باتت تتعيش على فكرة الرفض، كفكرة مجانية، من دون النظر لسياقاتها وموجباتها، وأصبحت تتصرف بالكثير من الغلظة والاستعلاء، وقد تزايد هذا المردود بعد أن تأكد لهم وللكافة أن الانتخابات البرلمانية لم تصب في صالحهم ومن ثم فهم يدفعون في طريق إفساد الحياة السياسية، وقد استمعت إلى العديد من المداخلات والآراء المتداولة بينهم، وهي في جملتها تتعامل مع الانتخابات باعتبارها مرجعية لا تخصهم، ومن ثم فهي لا تلزمهم، وهو أمر شديد الخطر على الأمة كلها ويجب على الكافة قبول نتائج الانتخابات إذا كانوا صادقين في تحبيذ خيار الدولة الديمقراطية. في الوقت نفسه أتصور ويتصور غيري أن ترتيبات المرحلة الانتقالية قد تم الانتهاء منها، وما كل ما يحدث سوى تفاصيل لا تعني الكثير لدى الأطياف السياسية، بما في ذلك دماء عشرات الثوار. حدث ذلك على النحو الذي رسمته الولايات المتحدة والغرب والصهيونية العالمية، من دون أن يلفت ذلك انتباه كثيرين.
فالمؤكد أن خطوطا عريضة تم انجازها في سبيل الدولة المصرية الجديدة تتلخص كلها في الستين سؤالا التي كانت تأتي الوفود الغربية عشرات المرات لتستمع إلى أجوبتها من أفواه الإخوان المسلمين والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، وأخطر هذه الأسئلة يتعلق بالخطوط الرئيسية التي تضمن اقتصادا مصريا تابعا تبعية كلية لكمبرادور الرأسمالية العالمية، وكذلك التعهد بحماية معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في إطار صيغة أكثر شمولا، تضمن قبول إسرائيل للأبد عضوا في المجتمعين العربي والدولي في إطار صيغة للحل السلمي للقضية العربية برمتها، في الوقت نفسه تضمن الصيغة وضعا مميزا للجيش المصري في ظل الصيغة الدستورية المقترحة للدستور الجديد. ويرسم هذا المخطط صورة واضحة لما عملت عليه أجهزة استخبارات غربية وأمريكية في العشرين سنة الأخيرة، حيث انتهت إلى ضرورة دعم تيارات الإسلام السياسي الذي ينحو إلى الاعتدال في الصعود إلى السلطة لتحقيق هدفين اثنين، أولهما يعول على أن هذه التجربة من شأنها إجهاض تيارات الإسلام الراديكالي وتفريغ خطابه من محتواه الأكثر ميلا، بطبيعته، إلى العنف طالما كانت هذه الصيغة تضمن مصالح الإمبريالية العالمية في تلك المستعمرات التقليدية التي يجب عليها أن تظل كذلك في المخيلة الغربية على الأقل. أما الهدف الثاني فيتناسل من الأول ويتعلق بفشل هذا الخيار وتحول أنظمة الحكم الصاعدة للعداء مع الغرب ومصالحه، وفي هذه الحالة ستكون الرأسمالية المتوحشة التي تمثلها عسكرية ما بعد الكولونيالية قد ضمنت عدوا جديدا يمنحها الفرصة لإعادة إنتاج أهدافها التوسعية وترحيل أزماتها السياسية والاقتصادية المتفاقمة، التي تنذر بمخاطر عالمية مروعة. ولا أتصور أن هدفا كتجييش الحكومات الإسلامية الجديدة لدعم سحق الجمهورية الإيرانية ينأى عن هذه الأهداف، وربما تضمن ذلك ضرورة عمل هذه المنظومة على إذكاء المزيد من روح الصراع الديني التقليدي بين السنة والشيعة على امتداد العالم الإسلامي.في هذا السياق ليس بوسع المرء أن يفهم شيئا من أداء ثوار الخامس والعشرين من يناير خلال الأشهر الخمسة الماضية على الأقل. فهو أداء، على مثاليته وتطهره، لا يمكن النظر إليه باعتباره يرتكن إلى رؤية سياسية ذات ملامح محددة، ولا يكاد أي من هؤلاء الثوار يفطن إلى أن الثورة لابد لها في لحظة من اللحظات أن تتحول إلى دولة، وهو الأمر الذي يستتبع، بالضرورة، أداء مغايرا. لذلك يبدو هذا الأداء المسرف في انعزاليته ومن ثم استعلائه سببا مباشرا في تراجع زخم التأييد الشعبي للثورة وللثوار على السواء، في اللحظة التي تتم فيها صياغة مستقبل الدولة المصرية بأيد مصرية وبأجندات خارجية تكرس التبعية السياسية والاقتصادية ما يعني أن تجاهل هؤلاء لما يحدث يشي بأنهم يعانون نوعا من الغفلة والحمق السياسيين، وكم ضاعت ثورات نتاج هذه الغفلات ونتاج هذا الحمق، ولن يغفر للثوار تحليهم بهذا الفائض من الثورية والتطهرية. فكم يحار المرء في فهم الكيفية التي ذهبت بها المكاسب الجليلة التي حققتها الثورة، بقوة هؤلاء الثوار، إلى جيوب خصومهم، من دون أن يشكل ذلك محض سؤال في أذهانهم، لتكون المحصلة النهائية أن يذهب الخلصاء من المتطهرين 'البيوريتانيين' إلى الموت، بينما ينتظر اللصوص بحثا عن الكنز تحت الدماء المتناثرة هنا وهناك.'

 شاعر من مصر


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات