بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
شنودة الثالث: «بابا العرب» الآتي من ريف مصر
  19/03/2012



شنودة الثالث: «بابا العرب» الآتي من ريف مصر

شاعر، ضابط، صحافي، وراهب... أربع صفات اشتهر بها شنودة الثالث قبل أن يصبح بطريركاً للكرازة المرقسية وبابا للاسكندرية. لكن أربعين عاماً من الخدمة على رأس أعرق الكنائس المسيحية في العالم قد أكسبت ذلك الراهب الآتي من ريف مصر صفة خامسة أصبح يعرف من خلالها... وهي «بابا العرب».
ولد البابا شنودة الثالث، واسمه الأصلي نظير جيد – علماً أن اسم شنودة بالعربية هو شنوتي بالقبطية ويعني «خادم الرب – في قرية سلامة (مديرية أسيوط) في الثالث من آب العام 1923.
ماتت أمه تاركة رعايته لأهل القرية الريفية الصغيرة، حيث تولت رضاعته نساء القرية مسلمات ومسيحيات. ترك بلدته إلى دمنهور حيث كان يعمل أخوه الأكبر روفائيل، ومنها إلى الاسكندرية، حيث تلقى تعاليمه الابتدائية. أمضى طفولته متنقلاً حتى استقر به المقام في القاهرة.
كان يمضي أوقات فراغه في القراءة وهو بعد في سن الطفولة، وبدأ ينظم الشعر من دون معرفة أوزانه منذ العام 1937، قبل أن يتعلمها كلها في العام 1939. حصل على إجازة في الآداب – قسم التاريخ في العام 1947. استُدعي شنودة بعد تخرجه للخدمة العسكرية، فتخرج ضابطاً احتياطياً وشارك في القتال في فلسطين. ثم درس في كلية اللاهوت التابعة للأقباط الأرثوذكس وتخرّج منها عام 1949.
بعدما أنهى تعليمه الجامعي عمل أستاذاً ثانوياً، وكان وقتها عضواً في «حزب الكتلة الوفدية» المنشق عن «حزب الوفد»، وفي ما بعد أصبح مدرّساً في كلية اللاهوت، إلى أن سيم راهباً في العام 1954 داخل دير السريان، وقد لقب بـ«الراهب أنطونيوس» نسبة إلى الدير الذي ترهب فيه.
اختار العيش وحيداً في وادي النطرون منذ العام 1954، متفرغاً للقراءة والنسخ والترجمة، إلى أن أصبح أسقفاً في العام 1962. كما عمل رئيساً لتحرير مجلة «مدارس الأحد» في بداية الخمسينيات، ورئيساً لتحرير مجلة «الكرازة».
عين سكرتيراً للبابا كيريلس السادس بين العامين 1958 و1971. وقد انتخب بابا للكنيسة القبطية الأرثوذكسية في الحادي والثلاثين من تشرين الأول عام 1971، ليصبح بذلك البابا الرقم 117 ممن تعاقبوا على هذه الكنيسة منذ القديس مرقص.
وكان شنودة أول بابا قبطي يؤسس المعاهد اللاهوتية في المهجر، وهو أول من أسس الأديرة في أميركا وأستراليا وأوروبا، بالإضافة إلى عشرات الكنائس في الولايات المتحدة وكندا واستراليا وأوروبا وأفريقيا والدول العربية. وقد زار الفاتيكان عام 1973، والولايات المتحدة (1977)، وأستراليا (1993)، وفرنسا (1995). وقام بعدة زيارات للبنان (1995، 1996، و1998). كذلك قام بزيارة تاريخية لسوريا في أيار العام 1997، حيث ألقى كلمة في المصلين في جامع أبي النور في دمشق، وتفقد مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين، علماً أن زيارته الأولى لسوريا كانت في العام 1972.
كانت علاقة شنودة جيدة مع الرئيس جمال عبد الناصر، ويروى أنه بكى يوم تنحيه بعد حرب العام 1967. أما علاقته بالرئيس أنور السادات فاتسمت بتوتر شديد. وقد بدأ السادات حملته على شنودة عام 1979 بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، ووصل الأمر أن حاول عزله من منصبه في أيلول العام 1981، لكنه عاد إلى ممارسة مهماته البابوية في الأول من كانون الثاني العام 1958، وقد جاء ذلك بعد صدور مرسوم عن الرئيس حسني مبارك. وخلال إقامته الجبرية في وادي النطرون، والتقي امتدت 40 شهراً، ألّف البابا شنودة 16 كتاباً والكثير من القصائد، علماً أنه ألّف خلال حياته أكثر من 74 كتاباً ترجم معظمها إلى الانكليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والهولندية.
وقف البابا شنودة ضد التطبيع مع إسرائيل، لدرجة أنه عاقب في العام 1995 عدداً من الأقباط زاروا مدينة القدس المحتلة حيث اعتبرهم «عصاة وغير مطيعين»، ودعاهم للتوبة. ومن أشهر ما قاله في هذا الخصوص «لا ندخل القدس إلا مع العرب جميعاً».
وفي مقابلة مع «السفير» في العام 1995، قال شنودة «أرفض التطبيع مع إسرائيل وقيام الأقباط بزيارة القدس لأن القدس ما زالت محتلة، والمعركة قائمة، ولم تتكوّن دولة فلسطينية، فيما اليهود يؤكدون في كل لحظة أن لا دولة فلسطينية، بل مجرد حكم ذاتي تحت المظلة الإسرائيلية».
كذلك، رفض شنودة ما قاله البابا يوحنا بولس الثاني بأن المسيح هو ابن إسرائيل، إذ شدد، في مقابلة مع «السفير» خلال زيارته دمشق في العام 1997، على أن «إسرائيل التاريخية كانت مجرد رمز وانتهى». كما وقف ضد «تبرئة اليهود من قتل المسيح»، معتبراً أن تلك «كانت محاولة بدأت على يد كاردينال ألماني كان ضحية الشعور بالذنب لما فعله أبناء قومه باليهود».
ومن أبرز مواقفه بشأن القضية الفلسطينية اعتباره ان»اتفاق غزة -أريحا لا يلبي حقوق الفلسطينيين المشروعة، فهو يقتصر على مساحة محدودة من الأرض، وهذا لا يعتبر دولة ذات سيادة»، وقوله إن «إسرائيل قامت بوعد بلفور لا بوعد الله». وفي العام 2000، جدد شنودة معارضته تدويل القدس إذ قال إن «إسرائيل تريد القدس عاصمة أبدية لها، وهذا الأمر سنقاومه. وثمة اتجاه ثان يعبر عنه الفاتيكان وهو تدويل القدس، وأنا ضد هذا الاتجاه لأنه يؤدي إلى التنازل عن عروبة القدس».
وفي ظل تنامي ظاهرة التشدد الديني في المنطقة العربية، ومحاولات الغرب استغلالها، كانت مواقف البابا شنودة صمام أمان للمسيحيين والمسلمين على حد سواء، فقد كان مدركاً حقيقة أن «كنائس الشرق لها وضعها الخاص لأنها تعيش في المنطقة... تعيش الآلام والمعاناة.. وهذا ما لا تعرفه كنائس أوروبا». وكان موقفه الحازم من بيروت في العام 1998 عندما شدد على أن «هؤلاء المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين ليسوا مسؤولين عنا ... نحن مسؤولون عن أنفسنا».
وكان شنودة يدرك أيضاً أن الإرهاب ظاهرة لا تستهدف ديناً دون غيره، فقد شدد في مقابلة مع «السفير» في العام 1997 على أنه «إن كانت قد حدثت بعض الاعتداءات على بعض الأقباط، ففي الوقت ذاته حدثت اعتداءات أكثر فظاعة على مسلمين»، مشيراً في هذا الخصوص إلى اغتيال عدد من المفكرين، ومحاولة اغتيال الكاتب الكبير نجيب محفوظ، قائلاً إن «الأولاد الذين نفذوا لم يقرأوا ما كتبه نجيب محفوظ.. وإذا قرأوا فلن يفهموا».
وعلى هذا الأساس كانت رسائله للمتشددين الأقباط، ومن بينها أن «الذي يطالب بالجمهورية القبطية نكرة ومختل عقلياً»، وأن «تشكيل حزب قبطي يتعارض مع وحدة البلاد وهو خطير جداً».
(«السفير»)


 

                   طباعة المقال                   
التعقيبات