بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
المرزوقي : نظام بشّار انتهى ومات والمطلوب قوة عربية تطمئن الأقليات وتح
  02/10/2012

المرزوقي : نظام بشّار انتهى ومات والمطلوب قوة عربية تطمئن الأقليات وتحمي المرحلة الانتقالية
نيويورك - راغدة درغام

دعا الرئيس التونسي منصف المرزوقي إلى إرسال «قوة حفظ أمن وسلام عربية إلى سورية لطمأنة الأقليات وحماية المرحلة الانتقالية»، مشدداً على ضرورة أن «تشكل المعارضات المختلفة حكومة وحدة وطنية تقود المرحلة الانتقالية».
وحذر المرزوقي في لقاء مع «الحياة» في نيويورك أثناء مشاركته في أعمال افتتاح الجمعية العامة للأمم المتحدة، من خطر الإرهاب الأصولي على منطقة المغرب العربي، مشيراً إلى أن «الاتحاد المغاربي» سينطلق قبل نهاية العام الحالي.
وأقر بأن من قام بالثورة في تونس «ليسوا هم من يحصد ثمارها في السلطة»، مضيفاً أن النظام الجديد في تونس «يخدم» من أشعل الثورة من الفقراء والشباب. وهنا نص الحوار:
 هناك قلق كبير على ما يحدث في سورية. بدأت الثورة عندكم في تونس، وها هي قد توقفت الآن في سورية بعدما مرت بأكثر من مرحلة وتجربة. بعد اتصالاتك هنا في نيويورك ولقاءاتك مع المسؤولين الأميركيين وغيرهم، ماذا تتوقع؟ كيف تقرأ؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟
- الموضوع أكبر من سورية، الموضوع هو الآن كل العرب، كل الشعوب العربية بسبب تصفية النظام السياسي القديم، الذي كان مبنياً على الرجل الواحد والحزب الواحد والمخابرات المتعددة وحكم الخوف والعائلات والإعلام المزيف. هذا النظام انتهى، مات نهائياً. دائماً كنت أقول إنه مات في القلوب والعقول منذ سنوات، الآن كل بلد عربي يصفيه بكيفيته وبوسائله ووفق منظومته السياسية... إلخ. نحن كوننا شعباً متجانساً، شعبَ طبقة متوسطة، مستوى العنف بطبيعته كان دائماً وأبداً قليلاً. مصر نفّذته بالكيفية نفسها وليبيا دفعت ثمناً أكبر، أما سورية فرسالتها لكل الديكتاتوريين العرب أنه مهما فعلتم وقتلتم وارتكبتم من مجازر فنحن سنتخلص من النظام السياسي الذي تمثلونه. هذا هو الدرس السوري. الشعب السوري الآن فعلاً هو ربما أكبر الشعوب التي تواجه عملية تصفية النظام السياسي القديم، وعندي اقتناع أنه سوف يصفّيه. للأسف الشديد، الثمن الذي دفعه باهظ، لكن الآن، من الناحية الجيواستراتيجية، النظام السياسي العربي انتهى ومات، ونحن في صدد تصفيته وكل مرة يكلف ذلك ثمناً.
 البعض يقول إن ما يحدث الآن هو أفغنة سورية، وإن ما يحدث سيستمر لسنوات عديدة، وقد يؤدي إلى تقسيم، وإن الحرب الأهلية بدأت. هل هذا ما تراه في صدد الحدوث؟
- ثمة قراءة أخرى، وكما قلت لك، الرسالة أننا سنصفّي النظام الاستبدادي العربي مهما كان الثمن ولو كان الثمن سورياً.
 سنصفي من؟
- الأمة، الأمة العربية.
 ماذا تعني بالأمة العربية؟
- يعني كل الشعوب العربية الآن ستصفي أنظمة الاستبداد ولو كان الثمن سورياً، وهذه الرسالة يجب أن يفهمها الجميع. وحتى لو كنت بشار الأسد، فإن هناك إرادة تاريخية اليوم للانتهاء مع نظم الاستبداد، وستذهب الشعوب وستدفع الثمن ولو كان الثمن سورياً. بقراءة أخرى، انظر ما تكلّفه أنظمة الاستبداد، هي تكلفنا كثيراً عندما تستتب، ثم تكلفنا كثيراً طيلة بقائها من تعذيب وتأخر وتخلف، وانظر أيضاً ماذا تكلف تصفيتها. لهذا يجب أن نضع الآن نصب أعيننا بالنسبة للأجيال القادمة، منع الأنظمة الاستبدادية، لأنها تكلّف عندما توضع وعندما تستمر وعندما نتخلص منها.
 عملياً ماذا سمعت عن هذا الموضوع من وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون والأمين العام للأمم المتحدة؟ يبدو أن هناك حال شلل. ماذا سمعت حول كيفية الخروج من هذا الوضع السيء والمؤسف في سورية؟
- هذا النظام لا يستطيع أن يسيطر الآن على كثير من الأماكن، يعني أنه خارج نطاق السيطرة، وهناك أيضاً الضغوطات التي تمارسها المجموعة الدولية على أصدقاء هذا النظام، أي النظام الإيراني والروسي والصيني، يعني أطال الزمن أم قصر، هم سيراجعون حساباتهم، باعتبار أن هذا النظام غير قادر على البقاء وغير قادر على السيطرة، وكل هذه البلدان عندها مصالح ليس فقط في سورية ولكن في العالم العربي. بكل المقاييس، هذا النظام انتهى وسيرحل، ربما مسألة أيام، أسابيع، أو أشهر، لا أحد يعلم. لكن هذا النظام انتهى ومات، وفعلاً من الآن يجب أن نتحرك. أنا بدأت أطرح الموضوع من زاوية ماذا بعد... لأن سورية لا قدّر الله قد تدخل في مرحلة فوضى عارمة ولن تكون فوضى خلاقة، بل مدمرة. إذن من الآن يجب أن نفكر، ولو ترجعين إلى الخطاب الذي ألقيته في تونس عندما اجتمع أصدقاء سورية، قلت يجب أن نفكر من الآن في ما بعد بشار الأسد. تحدثت مع الأخ نبيل العربي أكثر من مرة في أنه يجب أن نستمر في بعث قوة حفظ وأمن وسلام عربية، لأن الجيش السوري بحكم ما ارتكبه من مجازر لن يكون مقبولاً في الكثير من المناطق، الميليشيات المتعددة لن تكون مقبولة، هناك خوف من مختلف الأقليات، ولطمأنتها -إن صح التعبير- لا بد أن يكون في المرحلة الانتقالية قوة حفظ أمن وسلام عربية، وسميتها أيضاً قوة عبدالقادر الجزائري، وتعلمين ما الدور الذي لعبه الأمير عبدالقادر في القرن التاسع عشر. إذن الفكرة الأولى أننا من الآن يجب أن نستعد لهذا، وأن تستعد الدول المانحة أيضاً لدعم إعادة إعمار سورية. ثم يجب دفع المعارضات المختلفة الآن إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية وتقود المرحلة الانتقالية التي ستكون صعبة جداً. نحن الآن في تونس نعاني المرحلة الانتقالية، رغم أننا لم ندفع إلا ثمناً زهيداً، فما بالك بما ستواجهه هذه الحكومة الانتقالية عندما تجد بلداً في حالة خراب وفوضى.
 لننتقل إلى الموضوع التونسي، منذ بدء الثورات العربية وعبر مرورها في عدة دول عربية، هناك انطباع بأن الشباب خرجوا من أجل التغيير، الثورة على الفساد، الثورة على الأنظمة القديمة، ولكن جاء الاسلاميون واختطفوا تلك الثورة من الشباب، ومعظمهم من العلمانيين. هل هذا ما تلمسه عندكم في تونس؟
- أختي العزيزة، لو ترجعين إلى مقالاتي العديدة حول الثورة، ستجدين أنني كتبت دائماً أن الثورة لها أربعة قوانين أو خمسة، ككل الثورات في العالم. القانون الأول هو أن كل ثورة لها ثمن، الثاني هو أن كل ثورة تأتي بثورة مضادة، الثالث هو أن كل الثورات يجب أن تحقق أهدافها، ويمكن أن تفشل. وواحدة من هذه القوانين التعيسة هي أن من يقومون بالثورة ليسوا هم من يحصدون ثمارها. هذا قانون ساري المفعول على كل العالم، بطبيعة الحال الشباب هم الذين قاموا بالثورة في تونس، بطبيعة الحال الفقراء هم الذين قاموا بالثورة في تونس، لكن عندما تبدأ بوضع أسس دولة، فبطبيعة الحال ليس الفقراء ولا الشباب هم من سيتولون رئاسة الجمهورية ووزارة التشغيل أو وزارة كذا، وهذا شيء طبيعي. المشكلة هي هل يضع النظام الذي انبثق عن هذه الثورة نفسه في خدمة هذه المناطق الفقيرة أو في خدمة هؤلاء الشباب. أنا أقول لك نعم، يعني نحن الآن في تونس، أنا ورئاسة الحكومة، ليلاً ونهاراً نبذل قصارى الجهد لكي ننمي هذه المناطق الفقيرة ونعطي الشباب عملاً، لكن لا أحد يستطيع أن يغيّر الأمر بقولة: كن فيكون. اكتشفنا أنك عندما تضعين مشاريع تنموية في جهات ما، فإنه بين اللحظة التي تضعينها على الورق وتجدين لها التمويل واللحظة التي تبدئين في جني ثمارها، ستستغرق ثلاث سنوات أو أربع.
 لنتكلم عن النهضة، يُقال إنك تشعر أن النهضة هي التي تحكم وتكبّل يديك أنت كرئيس؟
- النظام الموضوع اليوم في تونس ليس برلمانياً ولا رئاسياً. منذ البداية كنت أعرف أنه لن تكون لي السلطات المعهودة في رئاسة الجمهورية، لأن النظام في تونس مجلسي، ما يعني أن السلطة الأساسية والأصلية في يد المجلس التأسيسي الذي أعطى رئيسه مصطفى جعفر صلاحيات ليسعى إلى كتابة الدستور، ولحمادي الجبالي صلاحيات لإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، ولرئيس الجمهورية صلاحيات في ميدان الدفاع والخارجية. هذا هو تقريباً توزيع السلطات، ونحن في مرحلة انتقالية. عندما نأتي إلى المرحلة الحقيقية، التي هي: التنظيم السياسي والنهائي، وصلاحيات رئيس الجمهورية، وصلاحيات رئيس الحكومة، وهل سيكون نظاماً برلمانياً أو رئاسياً أو مزدوجاً، آنذاك يمكن أن نتحدث، لكن الآن في إطار الصلاحيات التي حددها لي المجلس التأسيسي، وهي الخارجية والدفاع، أنا قائم بدوري والحمد لله.
 لكن أعتقد أنك وصفت السلفيين مثلاً بأنهم خطر. لم تعد ناشط حقوق إنسان، أنت في السلطة كرئيس، ماذا فعلت، وماذا ستفعل وأنت تصف السلفيين بأنهم خطرون؟
- لما جمعت مجلس الأمن القومي في قيادة الجيش ووزارة الداخلية وقائد الحرس الجمهوري، قلت إننا يوم نُجبر على التدخل لإيقاف السلفيين فلا مجال للعودة إلى تقنيات (زين العابدين) بن علي ولا مجال للتعذيب وللمحاكمات الجائرة وللإيقافات التعسفية. يجب أن نبقى في إطار القانون في آخر المطاف. الدول الديموقراطية، في فرنسا أو أميركا أيضاً، عندها الظاهرة نفسها، وعندما تحاربها فإنها تحاربها في إطار القانون، وإلا فإننا سنعود إلى سياسة بن علي، وآنذاك كل ما أردنا بناءه، وهو دولة القانون ودولة المؤسسات، سيسقط.
 أي إجراءات ستتخذها كرئيس، وليس كناشط حقوقي؟
- لا. أنا حتى كرئيس أريد أن أبقى ناشطاً حقوقياً، لأنني إذا تنكرت لآرائي وأفكاري فلا حاجة لي بهذه الرئاسة.
 ولكن أنت في موقع السلطة.
- أنا في موقع السلطة، أنا طلبت، أكثر من الحكومة ومن وزارة الداخلية، إيقاف كل هؤلاء الناس الذين أصبحوا يتسببون بخطر على ثورة تونس. يعني بضع مئات يقومون بتظاهرات، يحرقون، يتوجهون إلى السياح، فإذا بكل جرائد العالم تصوّر تونس بأنها أصبحت مركزاًَ للإرهاب والتطرف وأنها أصبحت سلفية، وهم أقلية داخل أقلية.
 هل يتبع السلفيون حزب النهضة؟
- لا أعتقد، بالعكس أنا أعتقد أنهم ربما سيصبحون أكبر أعداء حزب النهضة.
هل حزب النهضة يعني الإخوان المسلمين؟
- سيدتي الكريمة الناس تعتبر دائماً الإسلاميين شيئاً واحداً، بينما هم طائفة تمتد من أردوغان إلى طالبان. نحن في تونس عندنا، ولحسن الحظ، الجزء الوسطي من هذه الطائفة، بحيث أن حزب النهضة بالنسبة إلي يمكن أن يُعرف على أساس أنه حزب إسلامي ديموقراطي، مثلما توجد في بلدان أوروبا أحزاب ديموقراطية مسيحية. يعني هؤلاء الناس قبلوا اللعبة الديموقراطية وبقيت خلفيتهم العقائدية إسلامية. بالنسبة لي هذه ليست مشكلتي، بل مشكلتي ما إذا كانوا يقبلون اللعبة الديموقراطية حقيقة وفعلاً أم لا.
 وهل يقبل راشد الغنوشي اللعبة الديموقراطية، وهل أنت واثق من ذلك؟ النهضة كما يبدو للكثيرين تحكم، أي أن راشد الغنوشي هو الذي يحكم تونس.
- دعيني أكمل ما يخص الطائفة. طائفة السلفيين هي أقصى اليمين الإسلامي، وداخلهم هم أنفسهم طائفة سلفيين ليسوا عنفيين، وفيهم سلفيون يشكلون الخطر. فيما يخص علاقتنا بالنهضة، فنحن شكّلنا حكومة ائتلاف. يعني من يقول إن النهضة تحكم في تونس، فهذا غير صحيح. من يحكم في تونس هي الحكومة الائتلافية «الترويكا». النهضة ليست لها القدرة على أن تحكم تونس لوحدها، وفي الانتخابات الأخيرة كان عندها 89 صوتاً، وكان عندنا نحن 29 صوتاً، والتكتل 19. لو لم نأت بهذه الأصوات لما استطاعت النهضة أن تحكم، بحيث إن وزنها السياسي أهمّ بكثير من وزنها الانتخابي، ولهذا فهي الآن لا تستطيع أن تحكم. لو كانت تستطيع أن تحكم لفعلت أشياء كثيرة، نحن لن نسمح بها، وهناك أشياء كثيرة سارت في تونس لأننا دفعنا إليها. وغير صحيح أن تونس محكومة بالنهضة.
 أنت طرف في الترويكا. كيف يمكنك أن تكون في ترويكا مع النهضة وهي التي أعلنت أنها ضد استقلال القضاء عندما صوتت ضد كلمة الهيئة الوقتية المستقلة، كلمة مستقلة للقضاء، كيف تجمع بين الأمرين؟
- أولاً، أنا لست مدافعاً عن النهضة. أطرحي هذا السؤال على النهضة، ولكن أنا بالنسبة لي هذا أمر غير وارد.
ما هو الأمر غير الوارد؟
- أنها تقول إنها ضد استقلال القضاء. كل الناس تردد أنها مع استقلال القضاء. بطبيعة الحال، وكأي حزب، هي تريد في الإعلام أو في القضاء... إلخ ألاّ تُمس مصالحها الحزبية، وهذا شيء طبيعي في كل الأحزاب. يعني الأحزاب اليسارية كلها تحاول أن تؤثر في كيفية... أختي العزيزة، نحن الآن في صدد إعادة صياغة كل المؤسسات التونسية، البرلمان والقضاء والإعلام، وكل الأحزاب السياسية تتصارع لكي تصوغ هذه التشكيلات وفق مفاهيمها ومصالحها. هذه هي اللعبة السياسية الطبيعية.
 إذاً ليس صحيحاً أن معظم كبار الموظفين في الحكومة والسفراء... إلخ، هم من النهضة؟
- بدأ هذا التوجه وأنا قلت توقفوا. كنت من الناس الذين قالوا هذا غير مقبول، حصلت قصة حول بعض السفراء، النهضة انخرطت في هذا الموضوع ثم توقفت. قررنا من الآن فصاعداً أن كل التسميات في الميادين الكبرى ستكون بالتوافق بين الرئاسات الثلاث.
 مشكلة الأمن يبدو أنكم غير قادرين على ضبطها. هناك مشاكل أمنية تتردد وتتكاثر. كيف يمكنك أن تدخل طرفاً في ضبط الأمن وتتخذ إجراءات كرئيس؟ نعرف ونقدر كونك ناشطاً حقوقياً، لكن الناس تتساءل متى ستتصرف كرئيس وتفرض أموراً لها علاقة بضبط الأمن، وتقف مواقف قيادية؟
- مرة أخرى أقول لك، وفق توزيع السلطات، الأمن هو من مسؤوليات رئيس الحكومة، أنا من مسؤولياتي فقط الدفاع، ومن مسؤولياتي...
 أنت جزء في الترويكا.
- نعم، وداخل هذه الترويكا نحن ندفع إلى إصلاح أجهزة الأمن بسرعة وإعادة هيكلتها، وإلى أن تصبح فعالة، وفي الوقت ذاته تحترم حقوق الإنسان. لكن سيدتي العزيزة نحن الآن في الحكم منذ ثمانية أشهر، ونرث وضعاً وعقليات وجهازاً شُكِّل على امتداد أكثر من نصف قرن. كيف يمكن في ثمانية أشهر إعادة بناء بيت عمره 50 سنة، مطلب مجحف، نحن في سيرورة، وهي أن إعادة السيطرة على جهاز الأمن، تنظيفه، وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، إعادة صوغ العقليات فيه بحيث يكون فعالاً ويحترم الحريات وحقوق الإنسان. هذا عمل جبار يتطلب الوقت.
 سيدي العزيز، بعد ثمانية أشهر، مؤسف جداً أن نشهد ما نشهده في تونس حول امرأة تم اغتصابها من قِبَل ثلاثة رجال من الشرطة وهي تمثُل أمام القاضي بتهمة التعري والتفحش، كيف ذلك؟
- أنا حقيقة لا أجد كلمة أصف بها مشاعري، مشاعر الغضب. حقيقة أنا غاضب جداً من هذه القضية، وكل مرة أسمع بها، وأنا عندي مستشار قانوني ومستشار حقوقي نتابع كل هذه القضايا لحظة بلحظة. عندما سمعت أن هناك شخصاً وقع الاعتداء عليه وهو في حالة إغماء في المستشفى أرسلت مستشاري القانوني، أنا أتابع هذه القضايا قضية قضية.
لنركز على هذه القضية، نحن نسمع أن ثلاثة رجال شرطة اغتصبوا امرأة وهي تُحاكم، كيف ذلك؟
- سيدتي العزيزة، في هذه القضية، وهذه القضية بالذات، هناك إخلالات كثيرة وقعت، وتجب متابعتها والتعلُّم منها. سيكون أمامنا كثير من المصائب، يعني هذه الأشياء كانت تحدث بالمئات.
 حدثْني رجاءً عن هذه القضية بالذات، كيف ترى تطورها؟ بماذا ستطالب؟ ماذا يحدث الآن؟ لأن هناك تظاهرات، والمرأة التونسية والعربية وفي العالم تحتج. كيف يمكن أن تغتصب المرأة وأن تحاكم؟
- أنا طلبت من السيدة سهام بن سدرين أن تأتيني بهذه الفتاة إلى مكتبي في قرطاج، ليكون واضحاً للجميع أنني مع هذه المرأة وضد كل ما يحقق.
 وبالنسبة للقضاء؟ مشكلة القضاء هي أنها تتهم بالتعري. هل هي مشكلة قضاء أم مشكلة ثقافة؟
- مشكلة ثقافة، لا تنسي إننا نحن نريد أن نفصل بين القضاء، نريد أن نحترم استقلال القضاء، واحترام استقلال القضاء لا يمنعني من التعبير عن مشاعر الغضب والاستياء من هذه القضية.
 ماذا عن التظاهرات التي خرجت في تونس بعد فيلم الإساءة إلى النبي؟ أين أنت من مسألة حق التعبير عن الرأي، كونك كنت رئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، ومطالبة البعض بإجراءات وإلقاء اللوم على الولايات المتحدة كدولة، كحكومة، بسبب هذا الفيلم المسيء البذيء؟
- أنا لا أؤمن بوجود الحق في المطلق، كل حق محدود بحقوق الآخرين، هذه فكرة بسيطة ومبدئية، يعني حقي في الرأي والتعبير لا يذهب إلى حق شتم الناس أو إلى التعدي على المقدسات. أنا أعتبر دائماً وأبداً، أنه حتى أحسن الفضائل يجب ألا تمارس بشطط. مثلاً، الكرم إذا أسرفْتَ فيه يصبح تبذيراً، الشجاعة إذا أسرفت فيها تصبح تهوراً، حرية الرأي إذا أسرفت فيها يصبح فيها تعدٍّ على المقدسات. بطبيعة الحال أنا مستاء جداً من هذه الرسوم لأنها تسيء لي كمسلم، وفي الوقت نفسه أعتبر أن طرق الرد عليها، وهي استفزازات رخيصة ومن مجموعات صغيرة جداً، لم تكن في محلها. كان المفروض أن نواجه هذه الاستفزازات بالاحتقار وبالتجاهل.
 من هم «أنصار الشريعة»؟ هل هي تسمية جديدة لتنظيمات قديمة، أم أنهم مجموعة جديدة برزت وتعمل في المغرب العربي وما بعده؟. أين هم في تونس؟
- نرصد السلفية في تونس بكثير من الاهتمام. السلفية في تونس جزء منها دعوي وجزء جهادي، وهذا الجزء الجهادي نفسه مقسم إلى أربعة أقسام ويتخاصمون بينهم ويزايدون بعضهم على بعض ولهم أمراء متخاصمون. في الواقع حتى هذه المجموعة القليلة تمارس ما بينها السياسة الموجودة في كل الأحزاب، ومن بينها الاعتراف. هناك أناس يتعاملون مباشرة مع القاعدة وبالتالي يشكلون خطراً كبيراً، وهم أيضاً يعتبرون أنفسهم جزءاً من المنظومة الإرهابية. وحتى هذه المنظومة الإرهابية المفككة تحاول الآن أن تجد لها موقع قدم، بالأساس في شمال مالي. ثم من هناك نتحدث عن الأفغنة، وكأن مركز الثقل في الجهاد، بين قوسين، الحركة الإرهابية، ينتقل الآن من أفغانستان وباكستان إلى منطقة المغرب العربي، والخطر الكبير أصبح علينا، الآن أصبح على أبواب بيوتنا.
 كم هو حجمهم؟
- ثلاثة آلاف في تونس، قدرناهم تقريباً، الناشطون الذين يمكن أن يشكلوا خطراً هم ثلاثة آلاف، وفق تقارير البوليس، لأنهم كلهم مرصودون ومعروفون ولا ينتظرون الإرادة السياسية لإيقاف هذا السرطان.
 كيف تعني ذلك؟ ليس هناك إرادة سياسية لإيقاف هذا السرطان؟
- كرئيس جمهورية ومسؤول عن الدفاع حذرت أكثر من مرة الحكومة أنه يجب التعاطي مع هذه المشكلة بالحزم، وكما قلت في إطار القانون. هناك من طرف الحكومة حسابات معقدة تقول إننا يمكن أن نقحم البلد في ردود فعل في حرب على الإرهاب، وهذا سيزيد الطين بلة، ولذلك فلنتحاور معهم، فلننتظر، فلنصبر... إلخ، لكن إلى حد الآن هذه السياسة لم تؤد إلى نتيجة، بل بالعكس، رأينا ما رأينا، وبالتالي أنا قلق، وأعتقد أن الحكومة وصلت إلى الاستنتاج الذي وصلت إليه شخصياً منذ أشهر كثيرة.
 إذن ما نوعية هذه الإجراءات؟
- إيقاف هؤلاء الناس عن الإضرار بالمصالح والرد عليهم في إطار القانون. لا أفهم لماذا لم يعتقل أبو عياط حتى الآن.
 ما حجم هذه المشكلة في المغرب العربي؟ تفضلت وذكرت منطقة المغرب العربي. أنتم رصدتم ثلاثة آلاف عندكم في تونس، ما هو تقديركم أو معلوماتكم لحجم المشكلة في المغرب العربي؟
- (الإرهابيون) موجودون بالأساس في ليبيا وفي الجزائر، وخصوصاً في الجنوب. أعتقد أن هناك مشكلة أمنية الآن تتهدد كامل منطقة المغرب العربي، وبالتالي سيكون عندنا إن شاء الله الاتحاد المغاربي، قبل نهاية هذه السنة كما اتفقنا. كل حدودنا الجنوبية الآن مهددة بهذه المشكلة. يجب أن تكون هناك إجابة موحدة من كل البلدان.
 هل تريد أن تسميها القاعدة؟ أو شيئاً آخر، أولاً لنتفق على التسمية.
- أنا أعتقد أنها جماعات سلفية جهادية متطرفة. السلفية نفسها فيها طائفة كبيرة.
 هل هذا يعني أنهم ضد توجه الإخوان المسلمين، هل بدأت المعركة بينهم وبين الإخوان المسلمين على السلطة، أم أن هذه مجموعات لها أجندة مختلفة ليس فقط ضد الإخوان المسلمين وإنما أيضاً ضد العلاقات الخارجية التي تجمع بين دول المغرب العربي مع الولايات المتحدة وأوروبا؟
- الأمر أعقد وأعمق من هذا. دعيني أعد إلى قضية النظام السياسي العربي، النظام السياسي العربي انهار...
 عفواً، لأكونَ واضحة، انهار وأتى الإسلاميون؟
- البديل ما هو؟ البديل الآن إما نظام ديموقراطي أو نظام إسلامي قديم، أي النظام الإسلامي من دولة الخلافة والشريعة وكل هذا الكلام. حصل شرخ في داخل الحركة الإسلامية في السبعينات وفي الثمانينات وجزء كبير من المنظومة الإسلامية دخل في معترك الحداثة وقَبِلَ اللعبة الديموقراطية، والآن أصبح جزءاً من اللعبة الديموقراطية، بينما بقي جزء آخر، سواء في مصر، التكفير والهجرة أو القاعدة... إلخ، ما زال يعتبر أن هذا الخيار خيانة، يعني خيانة للمشروع الإسلامي. ما زالوا يكفّرون الديموقراطيين، والآن أصبحوا يعتبرون الجمعيات الإسلامية التي دخلت في اللعبة الديموقراطية كإخوان مسلمين ونهضة وسواها، خونة. وهم ما زالوا يرون أن البديل للديكتاتوريات التي انهارت والتي (برأيهم) كانت ديكتاتوريات علمانية وكذا وكذا، هو البديل الإسلامي ودولة الشريعة. الآن الشرخ في الواقع هو بين الإسلاميين الذين قبلوا اللعبة وبين الإسلاميين الذين يريدون البقاء خارجها.
 من لديه الضمانات بأن الإسلاميين الذين دخلوا اللعبة، كما تقول، اللعبة الديموقراطية، سيلعبون بأسس الديموقراطية؟ هناك اتهام، كلمة الأنظمة الماضية كانت علمانية ولكن هناك جزء من الشعب العربي هم من المدنيين العلمانيين، يعني غير الإسلاميين فلماذا هذا الافتراض، أقصد أن الثورة حدثت على يد الشباب ولم تحدث على أيادي الإسلاميين، جاء الإسلاميون بجميع أطيافهم واختطفوا الثورة، ثم قالوا أنتم يا علمانيون أو يا مدنيون أصبحتم خارج اللعبة لأنها باتت بين الإسلام المعتدل والإسلام المتطرف، أليس في ذلك خروج عن اللعبة الديموقراطية؟
- أنت تسألينني: هل تعتقد أن الإسلاميين سيلعبون اللعبة الديموقراطية؟ أنا أسألكِ: هل الشيوعيون سيلعبون اللعبة الديموقراطية، وهل الديموقراطيون سيلعبون اللعبة الديموقراطية؟ هل أنا وأنت سنلعب اللعبة الديموقراطية؟ يعني كلنا يمكن أن نكون ضمن الاتهام لأننا كنا أولاد الاستبداد وبناته. إذن من سيظهر هذا هو المستقبل، هذا شيء. تقولين اختطفوا. كيف اختطفوا؟ نحن ذهبنا إلى انتخابات حرة ونزيهة لأول مرة في تاريخنا، وشعبنا أعطى السلطة لهؤلاء الناس، لم يعطها لليساريين ولم يعطها للعلمانيين.
الآن الإسلاميون يُكتشفون، إن صح التعبير. إنهم يقعون في فخ الديموقراطية لأنهم الآن أمام مسؤوليات وأمام مسؤوليات جسام. هناك مسألة تحريك الاقتصاد، والرد على مشاغل الناس التي هي مشاغل حياتية وليست دينية. فالناس تريد الآن حل مشاكل الماء والغذاء والأمن وغيرها. الشعب سيحكم عليهم (الإسلاميين) بناء على أدائهم. وأقول الآن وبكل صراحة: لو ذهبت النهضة اليوم إلى الانتخابات لربما فوجئت برد فعل عنيف من الشعب لأنهم لم يقوموا بما كان منتظراً منهم.
وخصوصاً المرأة، لأن المرأة في تونس تشعر بأنها أهينت عندما بدأ يُحكى عنها بأنها مكملة وليست إنساناً بحد ذاته يتساوى مع الجنس الآخر. هل تعتقد أن المرأة في تونس هي التي ستقف في وجه النهضة وغيرها لتقول: لي حقي وأنا هنا؟
- دائما أقول إنني لا أدافع عن النهضة وإن لديّ مواقف منها في بعض الأحيان نقدية جداًَ، لكن عندما تنظرين إلى المجلس التأسيسي ستجدين أن الغالبية الساحقة من النساء فيه هن من النهضة.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات