بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
إرثنا الكارثي للجيل السوري الجديد
  05/06/2013

 إرثنا الكارثي للجيل السوري الجديد

سمير التقي


حتى لو بدت كفراً، فإن هذه المقالة محاولة للوقوف لحظةً مع الحقيقة. فأنا لا أكتبها إلا وأنا أتمنى أن تدان، وأن يتجاوزها جيلكم السوري الشامخ عما قريب.
فهي لم تأتِ إلا كلحظة مصارحة، بعد أن كرَّست كارثتنا الوطنية هزيمة مريعة لجيلنا إذ يندحر أمام حقائق الحياة؟ هزيمة جلينا بعد انهيار أيديولوجياتنا بمختلف اشتقاقاتها أمام ضرباتكم على أبواب التاريخ في مواجهة مصير من التهميش والاغتراب الذي كان جُلّ ما استطاع جيلنا توريثه إليكم.
إنها اعتراف بفضيحة الإرث الذي يخلِّفه جيلنا لكم إرث بلا مستقبل محملاً بانسداد وفوات الفرص، فيما لا يزال جيلنا غارقاً في محاولة عبثية ملطخة بالدم لإحياء جيف معارك خمسينات القرن الماضي. وأنا بعض من جيل لم يتمكن أن يترك لكم غير أطلال وطن واهن ممزق.
لكني أعتقد أن خير ما يمكن لجيلنا أن يفعل، هو أن يحاول تحديد الخراب على الأقل، آملين ان يتمكن جيل الشباب القادم ان يتجاوز ما خلفناه لكم من خراب عبر اجتراح وطن حرّ وشعب سعيد من طراز جديد لا يمتّ لحماقات القرن العشرين بصلة.
إني أثق بأنكم، شباب سوريا، ستتفوقون علينا، وتتجاوزونا كجيل وكتاريخ. ستتفوقون علينا في حبِّكم لسوريا وستتغلّبون على عجزنا وعنانتنا الوطنية الفادحة التي ضحينا بها ذبحناها على مذبح الاستبداد. الاستبداد كان خلُقاً سائداً لدى الجميع في النظام والمعارضة بل وفي العائلة أيضاً، فالقمع لا يقمع الحاضر فحسب بل يقتل المستقبل.
نتمنى أن تنسفوا منطق الفرقة التي خلصت اليها البلاد من أساسها وأن تثبتوا في أقرب فرصة أنّ سوريا لا يمكن إلا أن تكون وَحدة واحدة موحَّدة، لكن على أساس ديمقراطي.
ورغم كل ذلك، فإن هدفي من هذه المقالة وتحديداً هو القول بأن الفرقة قد حصلت وان لابد لرأبها من الاعتراف بها الآن. إن ما اكتبه هو محاولة، قد تفشل وقد تنجح، لوقف طوفان الفوضى والتفكك ونزيف الموت والألم المجنون الذي أطلقه رئيس مجرم أخرق فاسد عليل العقل مسعور الروح عديم الوجدان بعد أن انفلت ينهش في جسد سوريا ويتلمّظ بدمها المجبول بالتاريخ.
ليسَ سوريَّاً من لم يعشِّش في نخاعه دم السيد المسيح وطُهر رهبان السريان السوريين وروح علي بن أبي طالب وحصافة معاوية وحكمة السهروردي وعرفان بن عربي وعزّة صلاح الدين الأيوبي العزيز بأهله وانتمائه، ورجاحة عقل فارس الخوري وصالح العلي وعظمة سلطان باشا الأطرش وابراهيم هنانو. ألا فلتسقط همجية بشار إذ توقظ كل جاهليات الطائفية وتشعل همجية الخوف وعبثية الانتقام. في حين انه لطالما أخبرنا الجداد أنّ ليس سورياً من لا يسري في دمه شيء من السريان والكرد والعلويين والشيعة والسنة، هؤلاء ليسوا إخوتنا بل أبناؤنا من دم ولحم أُمِّنا، ويجب أن نسعى لتقديم مخرج ممكن راهن لتحديد الخسائر، وطن مزقه عقل شمولي، ألا لعن الله من فرقنا.
كالذئب، لسع بشار الأمة السورية وبثَّ طاعونه الطائفي القاتل في روحها وأغرق الوطن السوري بطوفان شعبوي جائح، طوفان من همجية الغرائز. وللأسف لم تتمكن بعض قيادات المعارضة الوقوف لا في وجه همجية هذا الطوفان ولا سُعاره. فغرقت البلاد في الَّلهب الذي زرعه بشّار بل كانوا جزءاً من انبعاث وانتشار طاعون وحشيّة الخوف وهمجية الانتقام.
إنه يريد أن تنتقل عدوى السّعار في كل الوطن بين الموالين والمعارضين علَّه يحوِّلنا كلنا إلى حيوانات من جنسه، فيتمكن ان يجعل منا قرابين لطاعونه الطائفي في كرنفال دم جنوني.
لن ينفع في انتصار سوريا في شيء جري تحريض نجوم الموالاة أو المعارضة لشعبوية الانتقام، ولن ينفع شيءً في توفير دم طفل سوري واحد، ولا في بناء لِبنة واحدة يأوي إليها أولادنا في المستقبل.
يُحكى في تاريخ الصين عن قائد كانت قواته تحاصر قلعة وانتقل الطاعون إلى جنوده من هذه القلعة، فأحرق القائد القلعة بأهلها، ليكتشف بعدها أن الطاعون استمرَّ يحصد جنوده، وأن أطباء القلعة الذين قتلهم كانوا يملكون سرّ علاج ناجع للمرض.
ألا يجب أن نتعافى من هذا الطاعون؟ وفي جائحة هذا الطاعون وبعد انتشاره، لا يفيد كثيراً قتل الذئب المأفون بقدر عليك ما عليك تعالج أهل المدينة كل المدينة بعد انتشاره. من دون ذلك ستمزق أسناناً لحم الوطن بلا رحمة. فالانتصار على بشار لن يكون إلا إذا تم وقف نَزْف الدم السوري وإلا إذا انتصرت قضية الوحدة الطوعية لكل السوريين.
ندخل الان في مرحلة خطر وحرجة وغاية في التعقيد من المفاوضات السياسية ونحن نعلم أن في كل تفاوض في ظل الجرائم الكبرى التي ارتكبت، فيه شيء من الخيانة نسبيّة. لكن القضية الرئيسية اصبحت الان تكمن في إنقاذ أمنا سوريا الخالدة. فأي هدف أسمى وأية استراتيجية يجب ان ترسمها قوى الثورة كهدف نهائي للمفاوضات؟
لعلنا لم نعد نستطع إعادة التأسيس لعقد وطني ينضم اليه السوريون على اساس دولة مركزية على النمط الفرنسي القديم ولن تكون وحدتنا ممكنة بعد الآن إلا من خلال عقد وطني طوعي دون خوف.
بل يجب الكف عن محاولة اعادة إنتاج دولة موحدة إلا من خلال بناء دولة تتمتع فيها مختلف اقاليم البلاد بقدر كبير جداً من اللامركزية. عله يمكن فيما بعد تعزيز طوعي لوجدتنا بفضل روح الوحدة والعزة الوطنية لدى شبابنا، تعزيز البنية الوطنية الموحدة للوطن من خلال الاندماج الطوعي لكل مكوناته. فلقد انتهى زمن الفرض والقمع والاستبداد العقائدي لكل الهويات الفرعية للمواطنة السورية.
السؤال الأساسي هو كيف نُمَكِّن خميرة الحضارة السورية من أن تجد منصة تعيد من خلالها تأسيس نفسها واستعادة حيويتها لتنتعش براعمها من جديد؟ هذه البراعم لن تنمو على الدماء ولن تنمو على الحقد بل إنَّها لن تنمو إلا من خلال ربيع يعيد شرف الانتماء لأقانيم الوحدة الوطنية السورية.
ألم يحن الوقت أن تمارس الثورة نقداً ذاتياً لخططها ومسارها وفكرها وقياداتها؟ ألم يحن وقت التوقف عن التهافت على القوى الدولية على طول وعرض المجتمع الدولي من أمريكية إلى إيرانية؟ يجب علينا الاعتراف فعلاً أنه عبر ترجي كلا الطرفين أُزهِقَت كرامة الثورة والشعب على السواء.
آن لنا أن نقولها بفمٍ ملآن:

إنه وهم وسذاجة، بل هي جريمة، اعتقاد بعض قادة المعارضة أنّ أيّة قوّة دولية أو إقليمية ستساعدنا بحقّ في الانتصار على نظام بشار الأسد. وهم وسذاجة وجريمة أن نظنّ أنّ أوباما سيأتي يوماً على صهوة حصان أبيض ليفتح دمشق! فحين فتحها لورنس العرب لم يسلِّمها لأبناء الشريف حسين، بل سلَّمها لسايكس – بيكو اللذين انتظرا ثلاث سنوات حتى تسنى لهم نسف وحدة المملكة السورية التي ترأسها الملك فيصل بعد تفكك الدولة العثمانية. لقد انتظروا حتى تصعد غرائز الطائفية بكل أشكالها لتستدعي التدخل الأجنبي.
هذا الوهم وتلك السذاجة لدى البعض لم يؤدِ إلا لتضليل السوريين وحرف المسارات السلمية للثورة ودفعها بعيداً عن سلميتها، بل بعيداً عن أبسط مبادئ حرب العصابات وأبسط قواعد الحرب الشعبية نحو احتلال المدن ثم التمسك بالأرض الخ.. بالاعتماد على وهم أنّ الغرب سيدعم تأسيس جيش نظامي يواجه ترسانة بشار الأسد بما يسمح بتحقيق وضع مثل بنغازي.
لقد دفع الجيش السوري الحرّ وعبر تضحيات كبرى لمحاولة لتحول إلى جيش نظامي، وكان في ذلك جوهر وصولنا إلى حالة العطالة هذه، فلن يتدخل الغرب ولا الجيران، بل إنّهم ينظرون إلى سوريا كقلعة مأفونة بالسّعار لا حلّ إلا بخنقها وإن تطلَّب الأمر حرقها بمن فيها.
وبالمقابل نقول أنه وهم وسذاجة الاعتقاد بإمكانيّة تغيير موقف إيران أو روسيا.. ألا يكفي تهافتاً عليهما.
وهم وسذاجة أن نعتقد بالمقابل أنه بعد الآن، لا زالت ثمة فرصة لحل صفري يخرج فيه أحد الطرفين منتصراً. الحلّ الصفري يعني قتل الدولة وتدمير الكيان السوري. وكما قلنا فلقد تغلغل النظام الشمولي لحافظ الأسد في دم الدولة وروحها ليصبح الاثنان كتوأم سيامي لا يمكن قتل أحدهما إلا بقتل الآخر.
وهم وسذاجة واغتراب، أن نتعامى عن حقيقة أن ما تبقى من بنية الدولة والبلاد غير قابل لأن نؤسس عليه دولة جديدة موحدة. فالولاء والطاعة الوطنية لدى كل الشعوب ليست مفهوماً مجرداً بل هي مفهوم ملموس يتجسد في الدولة وشكلها الراهن وبنيتها الراهنة التي تحولت في حالنا السوري إلى جلد رقيق يلبسه شيطان سلطة شمولية مأفون.
وهم وسذاجة الاعتقاد بأنه يكفينا ترداد الضمانات والتعهدات لمختلف الشرائح الأقل عدداً في الوطن السوري (ولا أقول الأقليات)، سيسمح بالمحافظة على الوحدة الوجدانية للبلاد. إنها ليست ساذجة بما يكفي لتصدق غليظ الأيمان بأن جميع الناس بعد سقوط بشار سيكونون عاقلين ولطفاء، متغاضين عن غرائزهم، وسيشفون تلقائيا ًمن طاعون الطائفية بعد النَّصر المُبين.

شاركنا على مواقع التواصل الاجتماعي" جولان نيوز "

يجب على كل سياسي بل على كل مواطن مسؤول في هذا البلد أن يعترف الآن للشعب بأسره أنه بعد كل ما جرى لن يمكن فرض الاتحاد الطوعي على أي من شرائح ومكونات الشعب السوري.
بل أقول انه أنا وان وحدة البلاد غير ممكنة إلا عبر توافق وطني يضمن أولاً أمن الشرائح الأقل عدداً من الشعب السوري. أما الأكثريات فعليها ان تثبت قدرتها على خلق التوفق الطوعي الحر وتوفير مقوماته. فمع الأخذ بعين الاعتبار فداحة الكارثة، لم يعد بالإمكان اجتراح حل سلمي، إلا بحل تخرج فيه كل هذه المكونات منتصرة، بل حل تبنيه معاً وتشارك في تصميمه كل الهويات المؤسسة للوطن.
لابد من بنية وطنية سورية تستند إلى دولة تتمتع بقدر كبير من اللامركزية كأساس إداري (لا طائفي ولا قومي)، تتمكن فيها كل شرائح ومكونات الشعب من إعادة بناء هيكليتها الإدارية المحلية واقتصادها وأمنها وشرطتها وكل بنيتها على اساس محلي. لتنتسب طوعاً ومصلحياً للوطن السوري، ومن خلال تنميتها ونموها في الإطار الوطني.
البديل عن ذلك هو الحل الصفري، بمعنى أن ينتصر نهائياً أحد الطراف. ولا أجد هذا الحل ممكناً إلا بتفتيت البلاد وتدمير ما تبقى من مؤسساتها خاصة بعدما دمج بشار الأسد السلطة بالدولة فصار الخلاص منه كما قلنا يترافق حتماً بتدمير للبلاد.
إنها خطوة ستجعلنا نتمكن من إيقاف تفكك الأمة السورية والوطن السوري، والمحافظة على الحدّ الأدنى من وحدة البلاد في انتظار أن يتفوق شبابنا علينا في اجتراح عقد وطني واجتماعي جامع سوري جديد يتجاوز التخريب الذي حصل للروح “الوطنيّة السورية” ويعكس روحه التاريخية العظيمة. لابد من إدخال البلاد فيما يشبه “الكارنتينا” حتى تشفى من الطاعون الطائفي ومن دون ذلك لا سيكون سلام ما بعده سلام ودولة تمهد للتفكك النهائي للوطن ومثال العراق مائل أمامنا لا يحتاج حتى لنظر بعيد

سمير التقي : مدير مركز الشرق للبحوث

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات