بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
التعريب يثير جدلاً في موريتانيا
  02/08/2013

التعريب يثير جدلاً في موريتانيا

المختار ولد محمد *


تشهد موريتانيا، كغيرها من عواصم المغرب العربي، جدلا واسعا حول الجهود الدافعة الى التعريب، في وقت تتمتع هذه الدول بأقليات يعتقد بعض أبنائها أن التعريب سيكون على حساب خصوصياتهم الثقافية، مما يثير اشكالية. ولكنها عوضاً عن أن تحل في اطار تعزيز المكسب من الغنى والتنوع، تتحول الى مشكلة عصابية لهويات قطعية واقصائية في زمن التأزم. بل هي تغلف أغراضا سياسية متنوعة.
في نواكشوط ، جدل التعريب قديم/ حديث. وتتمتع موريتانيا بأقلية من ثلاث قبائل افريقية هي الولوف والبولار والسونونك، لكل منها لغته الخاصة، ويجمعهم مع العرب الموريتانيين الدين الاسلامي الذي يدين به جميع الموريتانيين. ولا يتجاوز نسبة هؤلاء الى السكان التسعة في المئة (يقارب اليوم عد سكان موريتانيا الأربعة ملايين نسمة).
وقد كانت العربية هي لغة المعاملات حتى دخول المستعمر الفرنسي الى الغرب الإفريقي ما بين نهاية التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وقد شددت منظمات موريتانية داعمة للتعريب على اتهام باريس بخلق مشكلات، في اشارة الى السفارة الفرنسية في نواكشوط التي تميز بين الموريتانيين وتولي اهتمامها الى الاقلية الزنجية الفرنكوفونية، وتمنح الصحف الصادرة بالفرنسية اشتراكات تشجيعية، تساعدهم على مواصلة المشوار في وقت تعاني هذه الصحف من ضعف حاد في المبيعات. لكن بعض الزنوج الموريتانيين، ومن بينهم الباحث ابراهيم صو، يتهمون العرب في موريتانيا بتنفير الزنوج من محبة اللغة العربية ومن تعلمها، بسبب أفكارهم ومواقفهم الاقصائية. ويرفض الباحث اعتبار الزنوج دخلاء على موريتانيا وعلى الثقافة العربية والاسلامية، ويضيف: نحن ابناء هذه الارض والاستعمار وجد عندنا اللغة العربية ومؤلفاتها القيمة، والتاريخ يشهد على ذلك، وتعليمنا وشيوخنا وعلماؤنا ومقاومونا، كل هؤلاء يعرفون ما أهمية اللغة العربية بالنسبة للشاب الموريتاني بصفة عامة.
ويرجع باحثون ارتفاع وتيرة التعريب الى أن موريتانيا، عكس جاراتها، بقت طيلة فترة الاستعمار في النصف الأول من القرن العشرين، بمنأى عن التغلغل الثقافي الفرنسي، حيث قاد علماء الدين مقاومة ثقافية قل نظيرها، وهو ما يفسره باحثون بضعف تشييد الفرنسيين للبنى التحتية عكس الجزائر والمغرب وتونس، ويستدلون على ذلك بان العاصمة الموريتانية حديثة، اذ لم تعرف العمران العصري قبل الاستقلال، حتى ان اول اجتماع لمجلس الوزراء الموريتاني جرى تحت خيمة عربية.
وقد احتكر المثقفون الفرانكوفونيون في موريتانيا الإدارة التي ظلت اللغة الفرنسية سائدة فيها حتى صدر دستور 20 تموز/يوليو عام 1991 الذي نص على ان اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد. وشهدت الأعوام الماضية انتشار اللغة العربية في إدارات من أبرزها المؤسسة العسكرية، التي تكوّن معظم ضباطها في أكاديميات عراقية وسورية.
وقد ارتفعت وتيرة التعريب بالتدريج في مجالات الصحة والمناجم، كما بدأ التعريب يعرف طريقه الى وزارة المال. وصدرت كشوف الرواتب لأول مرة في تاريخ موريتانيا باللغة الام. وساعد في تسريع وتيرة التعريب تخرج عشرات الآلاف من ابناء البلد، من مهندسين واطباء ومختصين في مختلف المجالات، من الجامعات العراقية والمصرية والسورية، ولعب المسئولون الموريتانيون على وتيرة التعريب كإنجاز سياسي. وابرزت مكفولة بنت آكاط، الامينة العامة للجنة الموريتانية للتربية والثقافة والعلوم، خلال احتفال في نواكشوط، المكانة التي توليها بلادها للغة العربية في مختلف مجالات الحياة باعتبارها هوية الامة وعنوان وحدتها. واعتبرت أن اللغة العربية ليست مسألة ثقافة فحسب، وإنما هي تربوية وتعليمية ومسألة سيادة واستقرار وأمن ومصير.
ورغم ذلك، يرى البعض ان اللغة العربية تواجه مخاطر بسبب كثافة توظيف الفرانكوفونيين في الادارات، وبسبب استمرار بعض الادارات في كتابة وثائقها باللغة الفرنسية، بينما تحرص المؤسسة العسكرية الموريتانية ورئاسة الجمهورية والبرلمان والعدالة على استخدام اللغة العربية في روتينها الإداري. ولا بد من تحرير مسألة التعريب من التصاقها بمسألة مكانة الاقلية الزنجية، فلا تصبح الجهود المبذولة لتعزيز العربية اقصاء لزنوج موريتانيا أو كيدا لهم، ولا يتخذ الزنوج من التشكيك بالعربية متراساً لهويتهم الثقافية. وأي استراتيجية أخرى، متعجلة او مبالغة او متشنجة، ستؤدي بالضرورة الى نتائج ليست في صالح البلد نفسه واندماج مكوناته، وتساوييهم. المهم ألا تصبح مسألة التعريب لغماً مزروعاً في الارض الموريتانية، ولا عنواناً لعصاب عقيم ومدمر، من أي من الجهتين جاء.


* صحافي من موريتانيا

شاركنا على مواقع التواصل الاجتماعي" جولان نيوز "
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات