بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
مخيم اليرموك: فشلت عملية الإخلاء... والمبادرة الأهلية أمل وحيد للسكان
  01/12/2013

مخيم اليرموك: فشلت عملية الإخلاء... والمبادرة الأهلية أمل وحيد للسكان

محمود سرحان



تسارعت وتيرة الأحداث والتحركات الشعبية والسياسية خلال الأيام القليلة الماضية في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين جنوب دمشق، وذلك بعد اعلان الجبهة الشعبية (القيادة العامة) على لسان أنور رجا مسؤولها الإعلامي عن فتح الطريق أمام المحاصرين في المخيم باتجاه واحد، هذا الإعلان دفع بالمئات من سكان المخيم إلى الخروج في تظاهرة رافضة، انطلقت الجمعة من جامع «الوسيم» وصولاً الى شارع المدارس – وسط المخيم، معتبرين انه قرار يأتي في سياق «مؤامرة» على اليرموك، وذلك وفق ما قال أحد المشاركين، وأضاف: «يقولون في الإعلام إنهم يسوقون المسلحين سوقاً إلى المخيم، ثم يخرجون بعدها بأيام معلنين قبولهم بفتح الطريق للخروج فقط؛ وليس بالاتجاهين خلافاً لما تم الاتفاق عليه... وهذه مؤامرة تدل على نيتهم تدمير مخيم اليرموك».

مرت الساعات الأولى ثقيلة متباطئة صباح السبت (9 -11- 2013)، الذي كان الموعد المحدد للبدء بإخلاء المخيم وخروج المدنيين بلا عودة، في ذلك الصباح تضاربت الأنباء حول فتح المعبر وبدء «العملية»، ولكن ما حسم الأمر في النهاية، هو تعرض عدد من الأهالي حاولوا الخروج لإطلاق النار، قرب الحاجز الذي كان لا يزال مغلقاً، وانتهى ذلك اليوم بتبادل الاتهامات حول مصدر النيران، في منابر المعارضة والموالاة على حد سواء.

اعقب هذا الإعلان حالة استياء وغضب بين الكثير من الناشطين في المخيم، فقد رأوا فيه محاولة جديدة لشطب المخيم، الذي يمثل أكبر التجمعات الفلسطينية في سورية، على يد «القيادة العامة» التي تدّعي انها المدافعة عنهم وعن القضية الفلسطينية، كما أن المساومة على حياتهم في ظل الحصار القاتل، هو ما يستنكره ممدوح - أحد الناشطين: «ما تحاول فعله القيادة العامة هو ابتزازنا ومساومتنا على حياتنا؛ فإما البقاء لنعاني الجوع والموت بمختلف أشكاله، أو خسارة مخيمنا وهو المكان الوحيد الذي يقبلنا بعد رفض العالم لنا، هذه جريمة جديدة بحقنا وليست فعلاً وطنياً مهما حاولوا تجميله، كما أنها تدل في شكل قاطع على انها شريكة في حصارنا». ويختتم كلامه مستهجناً: «اسرائيل وحدها ستكون ممتنة لعمل كهذا!».

من جهة أخرى، يرى عدنان (أحد المحاصرين) «أنها محاولة لإنهاء المخيم وإضاعة حق العودة»، ويتابع مشككاً: قد تكون مجرد خروج تلفزيوني، تأتي قناة الدنيا (المقربة من النظام) كي تقوم بتصوير جنود النظام ورجال القيادة العامة، وهم يقومون بمساعدة الأهالي خلال خروجهم مع بعض المديح، وبعد الانتهاء يعيدون إغلاق المعبر». ويضيف مشيراً إلى عدم ثقته بتأمين مراكز ايواء لهم وفق الاعلان: «الآلاف ممن سبقونا بالخروج لم يسأل عنهم أحد!، ومن سيحاسبهم إن لم يقوموا بذلك؟».

توقيت الطرح


حالة الاستياء هذه التي ابداها الناشطون والأهالي على حد سواء؛ لم تكن من مجرد فكرة «الإخلاء» فحسب، بل أيضاً من توقيت طرحها والتي كادت أن تنسف في لحظة واحدة كل الجهود التي بذلها الناشطون الشباب في مخيم اليرموك على مدى أسبوعين، بهدف إنجاز مبادرة جديدة تفك الحصار عنه، وتعيد الحياة الطبيعية إليه، فبعد نجاحهم في الحصول على موافقة المعارضة المسلحة على الانسحاب من المخيم مقابل فتح معبر اليرموك أمام حركة المدنيين ودخول الاغذية والأدوية، وأيضاً السماح بعودة الأهالي اليه، طرحت هذه الفكرة لتحطم أسس المبادرة «الجديدة»، والأخيرة تحمل الطابع الأهلي خلافاً لكل المبادرات السابقة بطابعها السياسي، والتي شابتها المناكفات «الفصائلية» حول من يمتلك الكلمة الفصل بشأن المخيمات في سورية وكذلك الموقف من الصراع في البلاد، ولكن اشتداد وطأة الكارثة الانسانية الناتجة من طول مدة الحصار، وسقوط عدد متزايد من المدنيين ضحايا الجوع والمرض، دفع بعدد من الناشطين الشباب للعمل على مبادرة جديدة بطابع مدني مستقل على أمل تحقيق انفراج حقيقي في وضع المخيم، بينما كان السبب الرئيس الذي دفعهم للعمل وحدهم على هذه المبادرة هو «عجز القيادات الفلسطينية»، كما يقول الناشط المدني أحمد قيس، أحد المشاركين فيها، مضيفاً: «بعدما خذلتنا الفصائل ومنظمة التحرير الفلــسطينية وفشـــلت في تحقيق اي شيء لمصلحة المخيم، قررنا العمل وحــــدنا، وفق المثـــل القائـــل: ما بحـــك جلدك إلا ظفرك». وبالفعل أثمرت جهـــــودهم مع الطرف الداخلي ولكنها تعثرت مع الطرف الخارجي. يقول موضحاً: «لقد استطعنا الحصول على موافقة قوات المعارضة على الانسحاب من المخيم، ولكن للأسف تم رفض خروج وفدنا للقاء ممثلي النظام وجماعة جبريل من دون ذكر أسباب لهذا الرفض.

بعد هذه المحاولة خرجت القيادة العامة بإعلانها عن ترتيبها لفتح الطريق لمن «يرغب» بهدف اخلاء المخيم، وكأنها غير معنية بالمبادرة!، وهو ما زاد من مخاوف الفلسطينيين في اليرموك، بما يحمله من مؤشرات خطيرة عن نية تحويل المخيم، إلى ساحة معارك بين طرفي الصراع في سورية؛ والتي اقترنت بتطورات ميدانية تمثلت بخسارة قوات المعارضة الكثير من المناطق، التي كانت تسيطر عليها في المنطقة الجنوبية من دمشق، والذي أجبرها على التراجع التدريجي نحو الأحياء المحيطة بالمخيم مع استمرار تقدم قوات النظام المدعومة بميليشيا لبنانية وعراقية، مما يضع هذه الأحياء ومعها مخيم اليرموك بين «فكي كماشة»، وبالتالي سيؤدي اخلاؤه واحتدام المعارك فيه، إلى خسارتهم ملجأهم الوحيد في سورية والعالم أيضاً، وهو ما يهدد بتكريس تشردهم، كما يطمس هويتهم الوطنية التي يمثل احد جوانبها «مخيم اليرموك»، وهذا ما دفع النازحين من أبنائه في الخارج، للقيام باعتصامات في مختلف اماكن نزوحهم الجديدة، وشملت لبنان وألمانيا والسويد، رفضاً للإخلاء ومطالبين جميع الاطراف وعلى رأسهم منظمة التحرير الفلسطينية، للتدخل من اجل حماية أهله وتحييده وإعادة الحياة الطبيعية إليه.

على مدى نحو عام من سيطرة قوات المعارضة على مخيم اليرموك في العاصمة دمشق، طرح الكثير من المبادرات لتحييده من أتون الصراع المستعر في سورية، ترافق طرحها في كل مرة مع زيارات وفد منظمة التحرير الفلسطينية إلى دمشق، وبنيت جميعها على ضرورة اخلائه من المظاهر المسلحة؛ أي انسحاب قوات المعارضة إلى خارج المخيم، وعدم دخول قوات النظام أو اللجان الشعبية التابعة لأحمد جبريل إليه بالسلاح، اي يبقى منطقة «خالية من السلاح»، إضافة الى فتح الطريق لحركة الافراد والبضائع من وإلى المخيم، وتسوية أوضاع من يرغب بتسليم نفسه لقوات النظام وإطلاق سراح المعتقلين الفلسطينيين الذين لم يثبت تورطهم في أعمال قتالية، وتشكلت لتحقيق هذه الغاية «الهيئة الوطنية الفلسطينية» من بعض الفصائل الفلسطينية المحايدة والمستقلين من وجهاء المخيم، ولكنها فشلت مراراً في تحقيق أي غرض من أغراضها، وتبادل الطرفان (جماعة جبريل والجيش الحر) على الدوام الاتهامات بإفشالها، بينما تبدو الآن الفرصة سانحة، من اجل تطبيق مبادرة المؤسسات المدنية البعيدة من «المناكفات الفصائلية»، التي تعتبر احد اسباب فشل المبادرات السابقة، بخاصة بعد وصول وفد من منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة زكريا الآغا الى سورية، معلناً نيته عدم المغادرة إلى رام الله، قبل انقاذ المخيمات الفلسطينية وتحييدها وعلى رأسها مخيم اليرموك، فكانت اولى ثمار زيارته، عدول القيادة العامة عن قرارها بفتح الطريق لإخلاء المخيم، والإعلان عن تقديم مساعدات غذائية عاجلة للمحاصرين في اليرموك، وبناء على موافقة قوات المعارضة بتطبيق الاتفاق، وبعد انتهاء المشاورات، والبدء بتطبيق الاتفاق الجديد، والذي كانت خطوته الأولى السماح بدخول المساعدات الى المحاصربن، لكن عناصر الحاجز «شبيحة نسرين وعناصر القيادة العامة» المرابطين عند أول المخيم، اعاقوا محاولتين متتاليتين لإدخالها بذريعة عدم وجود «تعليمات» بذلك، وما لبث أن غادر بعدها وفد المنظمة دمشق عائداً إلى رام الله من دون اي توضيح، تاركاً المبادرة معلقة والمخيم وأهله في مهب الريح.

مطالبة بتحييد المخيم

في ظل زحمة الأحداث والتحركات السياسية والميدانية الجارية، أصدرت قوات المعارضة المسلحة في اليرموك، يوم الخميس ( 14 – 11 - 2013 )، بياناً أكدت فيه من جديد موافقتها على تنفيذ المبادرة الأهلية، تبعته يوم الجمعة تظاهرة قام بها اهالي المخيم دعماً للمطالبة بتنفيذها، وتحييد المخيم وإنقاذه من التدمير، بخاصة بعد تصريحات «انور رجا» الأخيرة بأن المخيم قد يواجه مصيراً قاسياً. وفي الأيام القليلة الماضية هدأت المعارك وانخفض القصف بنسبة كبيرة، ترافق ذلك مع عمل «الهيئة الوطنية» على رفع السواتر الترابية، وتنظيف شوارع المخيم كبادرة حسن نية عملاً بالاتفاق الجديد. ولكن عودة الاشتباكات والقصف في شكل متقطع، رفعت حالة القلق لدى أهالي المخيم من محاولة جديدة لإفشال المبادرة.

وعادت الاوضاع مرة أخرى للاستقرار مع استمرار جهود وفد الهيئة لتنفيذها، والذي نجح أخيراً بإدخال كمية من حليب ولقاحات الأطفال إلى داخل المخيم والذي مثل بارقة أمل جديدة في هذا السياق.

تعددت الأسماء التي حملتها هذه المبادرة، تارة أهلية وتارة اخرى باسم «المنظمة» وأخيراً باسم الجبهة الشعبية – القيادة العامة، والتفاؤل الحذر هو ما يسود الأجواء هذه الأيام، بينما يبقى السؤال الوحيد الذي يدور في ذهن فلسطينيي سورية و»اليرموك» على وجه الخصوص، وبعد ان قامت قوات المعارضة السورية بالانسحاب من المخيم؛ هل سيكتب التاريخ أن الجبهة الشعبية – القيادة العامة أفشلت هذه المبادرة بعد أن حاولت اخلاء المخيم من سكانه؟ وهل ستنجح منظمة التحرير الفلسطينية في إنقاذ نفسها والمخيم، باعتبارها الفرصة الأخيرة والتاريخية لكليهما؟ وأخيراً، هل ستنفذ المبادرة الأهلية كما هو معلن، أم تكون لبعض الأطراف حسابات أخرى؟


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات