بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
حكاية العامل السوري: ديك بيروت
  01/05/2014

حكاية العامل السوري: ديك بيروت



تصوير طلال خوري تحضيراً لفيلم زياد كلثوم "ديك بيروت"

"في بيروت، إحساس كأننا نعيش في جبّالة كبيرة. تفتح عينيك صباحاً على أصوات ورش العمار. تمشي في الشارع محاطاً بالوُرش. تنظر إلى السماء لترى رافعات بناء. وفي كل زاوية تلتقي بعامل سوري محمّل بأعباء عمله القاسي، وثقل مواد البناء التي ينقلها مقابل مردود زهيد، وبعبء العلاقة بصاحب العمل وبالمجتمع اللبناني. أعداد العمّال تزداد بشكل كبير في شوراع مدينة تضيق يوماً بعد يوم بسكّانها وباللاجئين إليها".

في سياق عمله على فيلمه الوثائقي الذي يحضّره عن العمال السوريين في لبنان، إلتقى المخرج السوري زياد كلثوم بالعديد منهم في ورش مختلفة وموزّعة في العاصمة وضواحيها. "كان صعباً التعرّف عن قرب إلى حياتهم، كيف قدِموا الى لبنان، كيف يتواصلون مع عائلاتهم، يومياتهم، علاقتهم بالمجتمع اللبناني وأحاسيسهم تجاهه، موقفهم مما يحدث في سوريا... ما حدا بيحكي."

الخوف ما زال يتملّكهم، قال زياد كلثوم، "هم مرعوبون من النظام السوري ومن صاحب العمل اللبناني"، وجزء كبير منهم هرب من الحرب في سوريا وقدم الى لبنان حديثاً. كل ما يطلبونه أن يعملوا ليأكلوا ويشربوا ويناموا.

"فكرة الفيلم هي عن هؤلاء العمال الذي هجروا بعمر صغير قراهم، التي تقبع تحت خط الفقر في سوريا، بحثاً عن فرص عمل في لبنان لم تؤمّنها لهم دولتهم. عملوا سنوات طويلة في إعادة إعمار بلد كان لا يزال خارجاً من حرب طويلة. جمعوا مبلغاً من المال وعادوا الى قراهم، تزوّجوا وعمّروا بيوتاً صغيرة لهم ولعائلاتهم. ثم اندلعت الثورة السورية التي تحوّلت الى حرب، تهدّمت بيوتهم أو أجزاء منها، ووجدوا أنفسهم في لبنان، من جديد، يعملون في العمار من شروق الشمس وحتى مغيبها".

دخل العمال السوريون الى لبنان بكثافة كبيرة بعد اتفاق الطائف، وقدّر العدد وقتها بمئات الآلاف. "كانوا يعملون قبل هذا التاريخ في الزراعة الموسمية وورش العمار أيضاً، لكن التدفق حصل في مرحلة إعادة الإعمار"، بحسب النقابي أديب أبو حبيب. لم يكن هناك تنظيم وقتها ولغاية الآن من قبل الدولة اللبنانية لشروط استقدام اليد العاملة غير اللبنانية. إذ يجب أن يكون هناك "حاجة اقتصادية لذلك تحدّدها النقابات المعنية بالاتفاق مع "المؤسسة الوطنية للاستخدام"، لكن هذه المؤسسة عملها مشلول ولا يتمّ تفعليها"، أكمل أبو حبيب.

ساهم واستثمر النظام السوري، في مرحلة سيطرته على لبنان، بتدفّق العمال السوريين الكثيف إليه، "واستخدم جزءاً كبيراً منهم كمؤسسة استخباراتية له، بالإضافة الى جهازه المخابراتي"، قال زياد كلثوم، "ما جعل السوري بنظر اللبناني هذا العسكري الواقف على الحاجز أو العامل المتهّم أنه مخابرات".

كما أن "الجشع الموجود عند أصحاب المشاريع، يدفعهم الى تكديس الأرباح وتخفيض الكلفة عن طريق اليد العاملة"، أضاف أديب أبو حبيب. "يدفعون المليارات لشراء الأراضي لكنهم لا يشغلّون عمالاً لبنانيين– وهناك الكثير منهم يقبل العمل في البناء على عكس ما يقوله أصحاب المشاريع – كي لا يدفعوا أجوراً أعلى لهم ويضطروا الى تسجيلهم في الضمان الاجتماعي، هذا بالرغم من أن قانون الضمان في لبنان يُلزم جميع المؤسسات تسجيل عمالها فيه حتى ولو كانوا غير لبنانيين".

ولفت أبو حبيب إلى أن الاستغناء عن العمال اللبنانيين من قبل أصحاب المشاريع وتشغيل عمال سوريين مكانهم، بمردود زهيد جداً، بدأ ينذر "باندلاع حرب بين الضحايا، إذ تُحوّل هذه الممارسات العمّال إلى أعداء"، خاصة وأن وضع العمال اللبنانيين "تعيس" أيضاً. وبحسب إحصاءات الضمان الاجتماعي، فإن ما يُقارب 50% من العاملين اللبنانيين في المؤسسات الموجودة في البلد، مكتومين عن الضمان.

يستيقظ العمال السوريون باكراً. هم، بالنسبة لزياد كلثوم الذي أسمى فيلمه كما يراهم، "ديك بيروت". يمارسون خلال ساعات النهار مهناً قاسية، أعمارهم بين الـ15 الى الـ65 عاماً، يتلقّون يوميات تتراوح بين الـعشرة الى العشرين دولاراً، بالكاد تكفيهم للأكل والشرب والمواصلات، يستأجر كل عشرة أشخاص أو أكثر منهم غرفة تتسع عادة لثلاثة فقط، ينتهون من عملهم ويعودون فوراً الى مكان سكنهم، إذ في عدد كبير من المناطق اللبنانية "ممنوع على العمال الأجانب التجوّل بعد الساعة الثامنة"، أكمل زياد كلثوم.

"لا تُطبّق عليهم القوانين اللبنانية، إنْ كان على مستوى الأجور أو الضمانات الاجتماعية أو السكن، ولا يطبّق عليهم قانون العمل اللبناني في حال تعرّضوا لحادث، وما أكثر الحوادث التي تحصل لهم. هذا لا يجوز ما دام العامل غير اللبناني حاجة اقتصادية". وفي وضعنا هذا، مع ازدياد الأعداد التي تتدفق إلى لبنان بسبب الحرب في سوريا، "نحن بحاجة لتنظيم اليد العاملة لأنها تتخطى حاجة البلد الاقتصادية، مع احترام الجانب الإنساني ومعالجته"، قال أبو حبيب.

أخبرنا متعهّد باطون التقيناه في إحدى الورش في منطقة الأشرفية في بيروت بأن شركات تأمين خاصة هي المسؤولة عن التأمين على العمال في الورش، إلاّ أن المبلغ الذي يُدفع لهم يختلف حسب جنسايتهم.

"هناك إنسان بدرجة وآخر بلا درجة" علّق أبو حبيب، و"هذا يتعارض مع الاتفاقية الدولية التي وقع عليها لبنان ضدّ التمييز في الأجور".

مع هذا التدفق البشري الى لبنان، والضغط والكبت والحياة "اللاإنسانية" التي يعيشها العمال، ازدادت مؤخراً – وهذا يبقى كلاماً فقط لأن لا نسب دقيقة عن هذا الازدياد- في بعض المناطق اللبنانية، جرائم كالسرقة والتحرّش.

"في العام 2005، بعد انسحاب القوات السورية من لبنان، تمّ تفريغ كل الغضب في هذا العامل السوري على اعتباره "مخابرات"، والآن يحصل ذلك أيضاً، إذ أصبح هو مسؤولاً عن كل الجرائم والمشاكل التي تحصل في البلد"، قال زياد كلثوم. وأضاف أن هناك مشكلة كبيرة تشكلها حالة تدفق العمال السوريين واللاجئين الى بلد صغير وهشّ، لا قدرة له على التحمّل. لكن هل الحلّ يكون بإلصاق التهم الجاهزة على كل السوريين، خاصة العمال منهم، وحبسهم في مكان عملهم ومنعهم من التنفس والتجوّل بعد الانتهاء منه؟ "ماذا لو أخذنا مسافة ونظرنا الى حركة العمال السوريين من بعيد، ماذا سنرى؟" اقترح المخرج السوري.

"إذا وضعنا مجهراً فوق المدينة وراقبنا حركة العمال السوريين، سنرى سرباً من النمل يتحرّك بصمت. حكاياهم متشابهة وإيقاع يومياتهم الحزين كذلك. أصبحوا بشكل أو بآخر مثل قطيع يُفتح عليهم الباب في صباح كل يوم، يتم نقلهم الى مكان ليأكلوا ويشربوا، ويعودوا من بعدها الى المكان ذاته. تُقفل عليهم الأبواب لأن لا أحد يوّد رؤيتهم أو شمّ روائحهم"...
 


ريّـان ماجـد/الان -بيروت

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات