بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> الــزاويــة الـــثقــافــيــة  >>
صورة عشق
  09/12/2006

 

صورة عشق

قصة قصيرة
د. نزيه بريك

كان النهار ما زال بكامل وعيه، وهي مستلقية في أحضان الموقد وقد بدأ النعاس والتعب يحتلاّن مساحة وجهها. لا شيء يُخرِجُ الهدوء من إيقاعه سوى شهيق وزفير نعاسها. أخذت تعبث برماد الذكريات محاولة أن تطرد النعاس من فمها، ثم دفعت بإصبعها نحو باطن شفتها السفلى ليَصدَّه لسانُها الأرجواني وراحت تتصفّح دفاترَ حكايات كاد النسيان أن يدوِّنَها عل صفحاته.

فجأة لامست أناملُها جمرَ حكاية ما زالت مشتعلة في موقد فؤادها. تذكّرت، متنهّدة، إذ خرج يومها متبخّرًا غاضبًا منها ولم يعد.. علمت بعدها أنه وقع أسيرًا في أيدي جيوش السماء.

قد مضى دهر على غيابه. لكنها أحسّت بأيدي الماضي تعانق طفل حنينها بشغفٍ لتنفي الحاضر. أمسكت بيديها رأسَها المثقلَ حزنًا وشوقًا لئلا يهوي من فوق عنقها، وراحت تتحسّس بفؤادها هذا الذي يعانقها والدمع الأسود ينساب من سماء عينيها ليرسم على وجهها الشاحب خطوطًا سوداء.

بكت ثم بكت صراخًا بلون الألم، كأنها أرادت أن تتقيّأ حمم الحزن المتراكم في بركان أعماقها منذ سنين. بعدها خيّم هدوء المستنقع لبرهة ثم تنفّست الصعداء وراحت تلملمُ أشلاء قواها المتناثرة على شواطئ أحزانها. قرّرت أن تنتقم لأسر حبيبها. خرجت ولون الغضب يختلط مع الشوق في عينيها، ومن فمها تمتدُّ ألسنة الإنتقام. "لن أتوقّف حتى يُفكُّ أسري،" صرخت الخطوط الأفقية في أعلى جبينها.

راحت تحصد كل ما يصادف دربها، ولا تعرف الشبع كأن لا بطن لها. تُحوّل جميع الألوان إلى لونها المفضّل.. الأحمر. اشتمّت الريحُ أنفاسَها الخانقة، وحين خرجت إليها تداعبها لعلّها تمتصّ غضبها، تحوّل غضبها الأسود إلى جنون أحمر. أحذت تميل تارةً يمينًا وتارةً شمالاً، ثم تقفز نحو الأعلى كأنها راقصة. لم تكن الريح المسكينة تدري أنها دخلت رقصة الموت مع الذئب الأحمر حتى انحنت فوق جراحها النازفة ثم هوت أرضًا.

حين أيقنت النصر على الريح استفحلت وراحت تغتصب فتيات الأرض الخضراء على صدر أمّهنَّ التي كانت في صيف عمرها اليابس.

سجدت تصلّي صلاة الفلاحين. وصل الدعاء آذان السماء فرقَّ قلبها من لحن الرجاء، فما كان أن أمرت جيوشها بإطلاق سراح الأسير وأسر العناء. نزل إليها يمطر دموع الغربة، ثم رمى على صدرها بحر حنينه فتطاير دخان اللقاء صعودًا كأنه على موعد مع السماء. ضمّته التصاقًا والشوق الممزوج بنبيذ اللقاء يقطر من يديها. بقيت هكذا تطوّقه بين ذراعيها وهو يغمرها بقبلاته حتى انطفأ ظمأ جِمال الفراق في فؤادها..

"كما نشاء نعود إليك يا جيوش السماء،" قالا قبل أن يتلاشيا.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات