بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> الــزاويــة الـــثقــافــيــة  >>
لقاء مهذّب
  25/03/2006

لقاء مهذّب

وردنا هذا النص بالبريد الإلكتروني من جولاني\ة فضل\ت عدم الكشف عن هويته\ا ملقباً\ة نفسه\ا بالاسم: "موزا"

للقاءٍ مُهذب تعبت بقدر مليون سنة، إنما كانت لحظة واحدة، غلّت فيَّ روحي، حاورتني فأصبحنا شفافتين:

الدوران الأصفر حول ملعقة الدواء، شاحنة القمامة -لأول مرة أرمي أنا قمامة المنـزل- التماثيل والكؤوس والذباب الصامت، شمس تنفث ريحًا، ذاك مُعذِِّب، لا مقزِّز، الساعة التي تسير بعكسي، جيراننا الذين ماتوا فارتحتُ أنا، وُحُول المرج مستحيلة الإزالة، السعال الكثيف في الزوايا التي استقام داخلها مزاج أبي، رائحة دخانه، دخان أمي التي لا تُدخن، والمرايا الكثيرة التي حاولت كثيراً إزالة وجهي عنها. كنت كلما أزلت وجهًا، يطلع آخر في مكان آخر.. وكذا أركض أنزع واحدًا عن سريري، واحدًا عن حقيبة مدرستي، وآخر عن ممسحة الغبار، رفوف الكؤوس، شقوق البلاط، النباتات التي رويتها للتو.. وجهٌ هنا.. آه يطلع هناك.. هنا.. وذاك يفرح وذاك يسعل.. يبكي.. يقول نكتة ولا أضحك..كثرٌ.. آه يكفي ما حدث وهاتوا لاصقًا للجرح.. وجهٌ يعدو.. يقفز.. يموت.. يناديني بغير اسمي - اسمي ليس أسماء.. اسمي سيدوري، يكفي هذا أكبر خطأ.. ووجهٌ يلتصق ببيجامة نومي واثنان وثلاثة وعشرة ومليون.. أكثر..

فجأة يدخل من الباب المتحرّك.. ظهره ينـزف من عيون جيران مختبئين خلف الستائر، يضمّها كجندي غاب طويلاً ونجا بأعجوبة، فترتّب بأصابعها خرزات ظهره من جديد: "لا طريق في هذه الغابة سوانا". لأول مرة يدخل الفضاء الذي يغلّف صوتها عبر الهاتف.. يدسّ يديه في الملابس الداخلية للمكان ويسترجع كل المكالمات كي يؤثّث صمتها، لكنه لا يرى سوى صورته في كل زاوية وفي كل الأشياء، حتى على شاشة التلفزيون.. لأول مرّة يلتقي بغيابه.. "كنتَ هنا بجانبي كل الوقت،" قالت وهي تتمخّط، "كنت أستعير ريقَكَ كي أبتلع أقراص الدواء.. أتعبتك حبيبي."

فجأة شعر أن لا مكان لحضوره وسط غيابه هذا الجميل، "سأغادر!" قالها فانتصبت أمامه، "فلتبقَ حبيبي.. أهلي سيتأخرون في المرج، شجرة التفاح تغري أبي أكثر من البيت.. إبقَ حبيبي،" وتهرع نحو المطبخ وتضع غلاية القهوة على النار.. تعود إليه وهو جالس على الكنبة، تنتصب أمامه من جديد، "لا حبيبتي.. سأغادر، أخاف أن أرتكب أي خطأ فأشوّه غيابي الذي سهرتِ عليه طويلاً.. آه حبيبتي! لست جميلاً كما أراني الآن.." يضع رأسه على بطنها ويلفُّ مؤخّرتها بيديه، ويشتم رحيق جسدها الصباحي.. يفتح الباب المتحرك، يذكّرها باسمها ويدعوها مساءً إلى أغانيها.. يتسلّق الطريق إلى سيارته.. يفتح باب السيارة، وقبل أن يدخلها ينظر حوله كي يحرر الناس من جمودهم ويعيدهم إلى الحياة.. يربّت على ظهر السيارة وكأنها فرس، يبتسم، قبل قليل كانت مثل عربات أبولو والآن تعود كما كانت مهترئة قد تموت في أي حفرة على الشارع..

ويمضي نحو أغانيها

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات