بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> الــزاويــة الـــثقــافــيــة  >>
لحظة سهو
  20/03/2007
 

لحظة سهو

ياسمين القضماني

 لحظة سهو جعلت هذه اليد وهذا القلم مدفوعا لكي يَكتب.. لحظة سهو جعلتني مدفوعة بشرودي لأخرج بعضا مما يجول بعالمي الداخلي الرافض بأكثر الأحيان الإفصاح عن إسراره وأفكاره.. لحظة سهو، تساءلت فيها ماذا سأكتب أو لماذا اكتب؟..وما الذي يدفعني أصلا للكتابة هكذا فجأه في هذا الوقت غير المناسب أبدا.. فأنا في مكتبة الدراسة الطلابية أحاول دراسة مادة للكلية، لعلها تنجح بإشغال اهتمام عقلي، فيوافق على تخزينها ريثما يأتي الامتحان كي ارتاح منها وتذهب إلى أعماق الذاكرة فاسحة المجال لغيرها من المواد.. ربما هذا هو سبب شرودي، وهذا سبب كاف لأفعل أشياء كثيرة غير الكتابة..ولكن لحظة تذكرت الشئ الذي جعلني امسك القلم لأحاول ملاحقة الأفكار والصور..

نعم تذكرت انه ظهور الجلاد..نعم الجلاد..! يا ويلي من نفسي ويا ويلي من شتات أفكاري التي تتسابق في الظهور وتتنافس في السرعة لتجعلني أتنقل بينها وإتباعها وأحاول البقاء عند الأخيرة منها لأفهمها وأساعدها على التجاوز من اجل الأتي الجديد، ولهذا اعلم ألان ما الذي أتى بالجلاد لفكري وجعلني أتخيل وأعيش تفاصيل مهنته بحدود معرفتي وتصوري لها..! فالذي أتى به، هو المجلود، ومن بين أصناف المجلودين، كان السجين المجلود هو البطل، وقبل أن يكون مجلودا، فكرت في لحظة سجنه، والذي جعلني أتخيل لحظة سجنه..

هي لحظة الم وحزن ودموع أمه، وتفكيري بالأم كان بسبب اقتراب عيدها..عيدها السعيد للبعض والحزين للبعض الأخر..انه سعيد وحزين يا أمي في آن واحد..انه حزين..! اه يا امي الحنونة..كم ازداد العالم تفاهة وكم خف حزني لبعدي عنك في لحظات الشرود هذه..فلقد فكرت وشعرت بأنه واجب علي أن اجعله يومك بحق لأنه حقك في هذه الظروف القاسية والباردة والتي تستصرخنا لندفئها في كل فرصة سنحت لنا..وهذا اليوم هو فرصة لأترجم لك ما بداخلي واحافظ على اتصال روحينا واعزز ذبذبات الحب والخير لنا ولغيرنا..فلا شيىء أفضل من إدراك حقيقة مشاعرنا وحسن التعبير عنها..فهي قادرة على صنع المعجزات في هذا العالم الذي يسابق ليصبح كتلة حجرية صلبة وجامدة...

 اه يا امي.. كم تألمت لأني لن استطيع بغير كلمات بسيطة وبعيدة ان اعبر لك عما يجول بداخلي، ولكن الذي خفف حزني هو ثقتي بأني سأعوض لك يوما ما وبكل الايام، وليس يوما واحدا من ايام السنة، وثقتي بأنك مرتاحة وحالمة بسعادتي ونجاحي رغم بعدي عنك، فأنا إن كنت بعيدة، فبحثا عن بناء حياتي وانت غير معترضة على الم وقسوة البعاد لأنك تعلمين بأن هذا يساعدني في ايجاد ذاتي وفي صقل إرادتي ويجعلني أشد ونظرتي ابعد..لكن ماذا عن غيرك من الامهات المتألمات والدامعات لأن عيونهن ترفض أن ترى بوضوح.. لأنها ان رأت لن ترى غير فراغ تركه لها نبض قلبها: ابنها الذي لطالما حلمت بأن تراه أفضل الأبناء وزينة الشباب وكم من أيام وساعات قضتها تتخيل شكله كلما تقدمت به السنوات..وكيف انه يزداد شبها بها فتقلق لأيامه التوالي، وكيف هي ستكون وكيف ستجعله يجتازها وكيف ستنير المزيد من شعلات عقله وفكره وقلبه ليبدأ بالتخطيط لنفسه..وماذا عن حلمها بيوم زفافه، هذا اليوم الذي لايفارق خيالك والذي تشاركيننا اياه لشدة ما يجول في قلبك قبل عقلك فنساعدك ونتخيل معك ونحققه لك ولكن هل يتحقق لهن؟ .. لا حول لهن ولا قوة.. قانعات هادئات حالمات بامل قريب حامل للعادلة وليس من اجل متابعة أحلامهن بحياة أبنائهن ولكن ليزيدوا قوة ونور لهب شعلة من شعلات كن قد وضعنها بدواخلهم لتنير ظلم ما بدواخل الكثيرين الذين جعلوا الحياة قاسية وليس كما ارادوا ان نقول بان الحياة هي التي جعلتهم قساة. نعم يا أمي..

 ان الذي زاد الاحساس بـ "التفاهة" هو مجرد المقارنة بالم هؤلاء الانقياء الصادقين المدفوعين بظلم الايام.. فما أنا يا امي بجانبهم؟ وما شوقك لي مقابل شوق امهاتهم لهم؟ بين شوق متأمل سعيد وشوق متألم حزين مشتعل حارق متمرد لا يرضى بقطرات الدموع أو بأحرف العزاء والمواساة لأطفائه، فهي لن يرضيها شئ الا ان رأت عينها صغيرها الذي شاب مقيدا ومعزولا ومقهورا، ولكنه طليق حر بروحه الحرة.. ..وهذه السنوات المعدودة من الفراق ريثما انهي مرحلة لأبدأ بأخرى في مقابل سنواتهم من الانتظار بصبر والم وانعدام آفق اي مرحلة تالية..!!

اه يا أمي.. كم احس بضعف نفوسنا وانا اراه واراهم، فهل يعقل انني استحضر جلادا وهميا لأستمتع بعذابه واجعل الجميع يشعر بأني انسان بحاجة للمواساة..! هل استحضر جلادا وهميا لأجعل من نفسي تابعة وأسيرة وانا الحرة! فأي قيد من حولي هو نتيجة لخضوعي والتنكر لتمردي، بينما هم "المقيدون الأحرار" وبرغم معاناتهم وتضحيتهم المجانية وضعف أجسادهم من جلد جلاد حقيقي، جلاد بشري مثلنا وليس وهمي، بالرغم من ذلك هم عكسنا بروحهم يقاومون وبعنادهم يتمردون من اجلنا ومن اجل الحياة وحبهم للحياة..بينما نحن اجسادنا تنهار من الم وهمي، فيا لـ حياتنا المسكينةة..فالذين يستحقون ان يستمتعوا بها ويقدرون ما فيها مخفييون داخل اقفاص من قبل الناكرين للحياة والحاقدين عليها...

يا الهي.. كم هي محيرة هذه اللحظات..اسمع اهاتهم القوية وأحس بنفوسهم الطيبة والنظيفة والبريئة تعلو من خفتها وتسبح بافق السماء لتصطدم بعقول البائسين مثلي والكثيرين غيري للتذكير فقط بان هناك الكثير من الاحزان في هذا العالم وليقولوا لنا: اصمدوا..فنحن معكم ونحن لكم.. نحن من أجلكم ومن اجل حريتكم وسعادتكم فلا تتخلوا عنا وتضعفوا.. فلا معنى لشىء ان بدأت السلسلة تفقد جزءً من اجزائها فهي متكاملة تزيد وهجا ولمعانا بحبكم وخيركم وتخفت بضعفكم... يا امي الغالية.. اقول لك إن حزني قد خف، او بالاصح، قد تعدل او توضح..فنحن اشخاص عاديين اصحاب مشاكل متواضعة ومتوقعة..ولكن حزني الاخر كبير وسأوحاول ان احوله الى احساس بالامل والحرية لعلني اساعد بقليل من ذبذبات الطاقة الايجابية هؤلاء "المقيدين الاحرار" وهذا اقل ما يمكنني واقل ما يجب ان افكر به.. وان شاء الله خيرا.. وان شاء الله ان يحفظ جميع النفوس الطيبة ابناء الحياة والطبيعة المعذبين من اجل الحفاظ عليها..وان شاء الله ان يزرع في نفوس امهاتهم الامل والصبر وينير حياتهم بالتفائل ويطيل حلمهم بلقائهم، لأنه مهما كان، يحق لهن بالذات ان يحلموا حتى لو طال انتظارهن لتحقق الحقيقة والحق.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات