بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> الــزاويــة الـــثقــافــيــة  >>
أيها الحاضر في.. أصحيح انك مت؟!
  31/12/2007

أيها الحاضر في.. أصحيح انك مت؟!(1)
الاسير كميل خاطر

تعالت الأصوات في داخلي فجأة ................ وفضت أنفاسي المتسارعة سكون ليل الثاني والعشرين من أيلول..
تماما حين بدأت أغنية الرحيل تنشد كلمات الوداع .... وبدون علم مسبق... والدي دخل حالة الاحتضار هناك... و في الوقت نفسه أصبت أنا بضيق صدر... بمرارة و برعشة لم تصبني من قبل...... فلربما الصدفة أو شي آخر لا اعلمه....!؟ حينها لا اذكر كيف غادرت نفسي بعد تنبؤي بنذير شؤم..... وكأن حدث جلل على وشك الوقوع..... فنمت
أحيانا يكون الهروب من التفكير بما قد يحدث احد مقومات الصمود عند شخص مثلي تطايرت وتبعثرت طموحاته رويدا رويدا... فعند كل فترة زمنية ما يترك واحدنا طموح آخر ويخطو... فما أن تمر السنوات حتى تكون جعبة المُقَيَد قد خلت.... عدا من بعضها المتواضع فنتشبث بها بأسناننا و باظفارنا كما تتشبث بنا... ببساطة فقدانها يعني فقداننا.
فهذا البعض من الطموح يتلخص بلقاء من عانى مشقة الطريق البعيدة وعذابات الانتظار وزارنا... بمن سهر الليالي على بعدنا و بكى.. بمن ودعنا حين رُبِطَت أجسادنا بأغلال الحرية... وتأمل لقائنا.. هؤلاء الناس نخاف ان نفكر مجرد تفكير بفقدانهم... لهذا فنمت!!!؟
نمت نوما عميقا, لم يقلقه سوى كشاف مزعج يسلطه السجان على وجونا كل ساعة من الليل... فسلاح الصمت في مثل هذه الحالات انجح بألف مرة من عدمه- فللرد قد يكون عواقب وخيمة- حتى أن الصمت أصبح عادة.. وكل من يتجرأ على فض بكارة الصمت في هذا المعسكر يُؤكَل!!!؟ مرتين, مرة من السجان المتربص الحاقد وأخرى من النزلاء الذين أصبحوا حريصين على الا ينكث احد هذه العادة.. لهذا أَصمت وأعود لاغط بنوم عميق لربما كما يفعل الآخرون.
من نومي قد حملتني أجنحة الحلم و عادت إلى حيث أبي.... فوجدت أن الأشجان قد حنت ظهره ولكن روحه لم تنحن... والأوجاع قد حفرت أخاديد على وجهه الطيب.. كما حُفِـرَت ذكراه في قلبي...... فسألت والدي الذي يحمل على عاتقه خمسة وستون عاما من تعب هذه الحياة بعد أن ضممته و قبلته بكل الأمكنة التي وصلت إليها "عن الأسباب لعدم إرساله لمصلحة السجون التقرير الطبي الذي يثبت وضعه الصحي وأردفت "لعلهم يا بيي يوافقوا على زيارتي الك بالمستشفى"... صمت هنيهة ثم تنهد تنهيده عميقة و قال "ما بدي اشوفك مقيد بسلاسل القهر, ومحاط ببعض الأقزام, بتذكرك وانت حر وساحر و انت على الاقل بمخيلتي مازلت حر.....!!!؟ اغرورقت عيناي بالدمع و تحجرج صوتي المخنوق أصلا, وقبل ان تسقط دموعي استيقظت من نومي فوجدت ضوء الكشاف! مسلطا على وجهي فلم انبس ببنت شفة, أغمضت عيني ببطء شديد, وبعد أن غيرت اتجاه وجهي, وركنت جسدي نحو الحائط بهدوء, لم انم .. غصت في ذاكرة بعيدة, و تذكرت أن والدي عمل الكثير ولكنه!! لم يعمل أي شيء ليقول ها أنا, بل جعلنا نعمل لنرى من نحن... ودفعنا لبلورة مفاهيمنا, لتحقيق ذاتنا ولإكساب توجهاتنا طعما ومعنى, حتى انه نَمى داخلنا الحس الرافض لقبول الأحداث كما يقدمها مخرجوها القادرون المستفيدون... مجملة مزركشة بألوان كاذبة, وجعلنا نفرق بين الحاجات الأساسية والحاجات القابلة للتشويه.
وفجأة شعرت بشوقٍ... بألم و بحسرة أكثر مما كنت عليه, فقفزت من سريري الذي يشبه أي شيء إلا السرير اقتعدت كرسيا قريبا مني وحاولت تقليد والدي كما وصفته لي والدتي من خلال الزيارة, فحاولت إخراج صوتي كما وانه بالكاد يسمع كما أمسى صوت أبي, تخايلت صورة فوتوغرافية لي أنا ملقاة على حضني كما كان يلقيها, و بدأت امرر عليها أصابعي ومن ثم كف يدي بلطف و حنان. وبعدها رفعت عيناي وذراعاي نحو السماء دعاءً... لكل من يستجيب الدعاء.. لا أحد يستجيب.. وبقي جسدي هنا.
ركنت الكرسي جانبا. و بدأت أخطو على طول الغرفة.. خمسة خطوات ذهابا و مثلها إيابا .. تابعت مسيرتي عشر دقائق او أكثر حتى أن جسدي عاد إلى توازنه و شعرت بأنه خلى من الألم. ارتميت على سريري وذهبت.
كانت ليلة تعج بالأحلام لعلها خلاصة الأفكار التي كانت تتلاطم على شواطئ وجداني .. وفكري الشارد هناك. فما أن ذهبت حتى أتاني أخي في حلم مخبرا اياي عن وفاة أبي.. وهَدِأت كما الأنهر التي تقطع رغما عنها بسدود قامعة.. شددت أخي من أزراره و ضممته.. وضغطت على عنقي غصة.. ثم ضَغَطَت.. لم ابك و لم اعد اذكر إذا كنت في هذا المكان أو في مكان آخر.. عندما استيقظت نظرت إلى الجميع من حولي.. وانتظرت الى ان يخبرني احدهم شيء ما... كلهم مشغول بأموره.. وبعضهم ما زال نائم... تلاشى الخوف والاضطراب قليلا.. قلت في قرارة نفسي انها ليلة كوابيس ليس اكثر.
وقفت ثم أخذت احضر لحمامي.... دخلت الحمام لاستحم, و افرك اسناني دون القاء التحية على النزلاء اليقظين... فبعد فترة وجيزة من دخولنا المعتقل, نلقى ببحر النسيان عمداَ ودون تعب اغلبية المجاملات الاجتماعية لان بقائها يعني متابعة ومراقبة بعضنا لبعض.... بقائها ايضا يعني ترديد سمفونية نشاز متتالية من صوت ثمانية افراد على الاقل.. سمفونية لا مفر منها ولا رضاء بها... لم الق التحية وقفت ثم استدرت نحو اليسار.. استحميت وحينما كنت على وشك الانتهاء من فرك اسناني, اطلق الحارس من بعيد صوتا ردد اسمي... تجاهلت النداء ولم اعره اي اهتمام و كانه ينده لاخر –خفت من الحقيقة- و قبل ان يصرخ مرة اخرى تجند البعض من حولي و نبهوني... لاجل ما يصرخ الحارس قلتُ... فحاكاني طائري العائد لتوه... فحاكيته.
تقدم جسدي نحو السجان المنادي.. اما انا فبدات اهز والدي النائم على سريره عند الافق.. لم ينهض والدي.. لم يمسد وجهي و يدي باصابعه الحنونة... لم يقبلني كعادته, بل ظل يشع كنجمة بالسماء. و ينظر الي دون ابتسامة... صرخت بوجه الموت عند الافق و دموعي تنهال على خدي دون ان تخافه. مت ايها المُقدس السادي, فلم يأبه لصرخاتي ذالك الموت المقدس و لم يمت. وحينئذ نهرني السجان واخبرني دون اي اعتبار انساني ودون مقدمات, مات والدك... لم انظر لعينيه لكنني بقيت متماسكا. ولم اظهر اي ضعف امامه..... فهو لن يتضامن معي, بل سيبتسم و يفرح ان رأني ضعيفا.. نعم.. تماسكت كي افوت عليه هذه الفرصة ليس اكثر.
باركان هذا المنفى نجرد من كل شيء تصل أيديهم إليه... نلقى على هامش الأشياء ونصبح الرقم صفر.. و لا أرقام فوق الصفر عندهم, على الرغم من ان الاتهم الحسابية الحضارية!!!؟؟؟ تحسب بعض الارقام ما دونه.. ولا يعتبروننا احياء, على الرغم من ان اجسادنا المتراصة كالموتى في مقابر الفقراء, و انفاسنا الممتزجة لم تمت بعد. عدت بعد ان اخبرني السجان عن الفاجعة –الى حيث كنت- ركنت جسدي الى الحائط الى ان تواري الحضور خلف ظهري, حدقت بالجدران الابيض ورويت حديقة ذاكرتي بمياه العشق.. لابقى حيا ورسمت المستقبل من جديد... من جديد رسمته على شاطيء احلامي المسلوبة, ونظرت الى الحاضر, فلم يكن سوى معبداً للالم, وقفت امام هذا الحاضر ليقربني الى الحرية زلفة.. فلم يفعل, لعنته من حجر!!؟

اواخر ايلول 2007

الاسير كميل خاطر

سجن جلبوع

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات