بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> الــزاويــة الـــثقــافــيــة  >>
لك وللعابرين
  21/04/2010

لك وللعابرين
بقلم: نضال الشوفي - مجدل شمس


جدي الطاعن في السن، بات يعرض عن حب الفصول أكثر كلما تقدم به العمر، كان يبحث لكل واحد منها عن عيوب، الصيف الدبق، والخريف المتقلب، والشتاء عدو العظام والمفاصل، والربيع الصبياني المزركش.
قلت له بعالي الصوت: يا جدي، تعال نجلس تحت التينة في باحة الدار، كي تحكي لي حكاية جديدة. فمضغ كلتا شفتيه وباطن خديه الضامرين، ولكزني بحربة العصا الرقيقة مستهلا سؤاله: ألم يقطع والدك العنيد تلك التينة بعد؟
ثم لاك باطن فمه من جديد، ولكزني بالعصا مرة أخرى، وسكت.
لمع في عينيّ الدمع، وعلى أطراف فمي اللعاب على الأثر، فسارع أبي القريب منا إلى ضمي، مستبقا صوتي المشروخ الذي سيخدش السمع إن بكيت، ثم سحبني من يدي إلى الخارج وهو يقول:
لا تخشَ شيئا يا بني، سأداوي تلك الشجرة في الحال.
غاب أبي بعض الوقت وظهر من جديد حاملا منجل جدي الصدئ، وبدأ بطعن جذع التينة الغليظ المحدب، باضا اللحاء في أكثر من مكان حتى سال الحليب البارد فوق الساق الخشن، ثم وقف وقفة الواثق المطمئن وهو يخاطبني:
_ لن يسقط الثمر قبل أوانه بعد الآن.
كنت عرفت أبي الهادئ منذ عشر سنين، لكني لم أعرفه حكيما أكثر من جدي، لم يسبق أن قص عليّ قصة واحدة من قبل، يداه أبلغ من لسانه، تلبي مطالبي الصغيرة بلا تردد فتحملان إليّ ألعابا وفاكهة وحلوى الأعياد، وتصنعان لي شاحنات مزركشة بأسلاك المعدن الملونة، وتبنيان أيضا فوق التينة الكبيرة العجوز بيتا من خشب.
ترى، ألهذا كدت أبكي في حضرة جدي الذي كان سيهدم عالمي الصغير بنفس اليدين التي خلقته؟
هيهات يا جدي، ما كان ذلك، ولن يكون بعد اليوم.
فها أنا الشاب الواقف الآن في جبانة البلدة أجترّ ذاكرتي وسط حشد جاء صافحا مرددا كلمات طيبات. يلامس سمعي صوت الشيخ المديد الرخيم وهو يتلو صلاة الميت، فينبهني من الشرود، أحني رأسي الشامخ لمستوى الرؤوس المحنية في حضور الموت، أتملى حفرة مستطيلة ضيقة سيجثو فيها جسد جدي المتخشب منذ وعيته، ثم أزيح النظر ببطء شديد وصولا إلى صندوق الخشب المتواضع، المستطيل الشكل أيضا. يهمس صوت خفيض بداخلي سائلا بغير تشفٍ:
لماذا يا جدي لم تكن تملأ جيوبك جوزا وزبيبا كباقي عجائز القرية؟
أظننت أني لا أحب الجوز والزبيب؟
جعلتني أهجس بالأشباح كلما اقتربت من باب حجرتك المتطرف في زاوية الممر، أخشى أن تسقط كرتي الوحيدة قرب "مطواك" الثاقب ذي القبضة العاجية اللون. الآن لك كل الهدوء، فالناس في بلدي لا يسيرون فوق القبور.
ها هم الناس ذاتهم يحملونك بعد انتهاء الصلاة على الأكف وينزلون نعشك بكل أناة إلى الحفرة فينبهني حراكهم مرة أخرى من سكرة الشرود، أتقدم بتؤدة إلى موقعي الجديد قرب حافة القبر الممتد بطول قامتك الفارعة، لكنه مع ذلك لا يزيد حجما عن محفّة خادم في مدفن الملكة ( بوآبي ). جدي يا سليل ملوك بلاد الرافدين، هل أخذت أغراضك معك كما كانوا يفعلون؟ بالطبع لا، فمثواك مجرد قبر سوف يضيق عليك أكثر كلما أمعن الجسد اهتراء، لن يتسع "لمطواك" ولمنجلك ولأشباح غرفتك ولا حتى للجوز والزبيب.
بعد أن يدثرك التراب سأصلي لك وعليك، وغدا سأزرع بقربك تينة أترك جنيها لك وللعابرين، فإذا تساقطت ثمارها قبل الأوان، سأخدش قشرها بذات المنجل الصدئ، وأصلي لها ولك.
_ نم يا جدي هادئا مطمئنا، لن يكون من بعدك طوفان ولا سيول، فالشتاءات في بلادنا لم تعد تحمل الكثير من المطر.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات