بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> الــزاويــة الـــثقــافــيــة  >>
أقواس وأفكار..عن الجولان.. والنبيذ
  14/05/2010

أقواس وأفكار..عن الجولان.. والنبيذ


رياض طبرة


أعترف أني أميُّ بجدارة, لم تكن الشهادة عندي غير بطاقة عبور إلى لقمة عيش, وقطار أقلني إلى العتمة قبل أن أصحو بفعل انخفاض السقف عن مستوى الرأس.
لكنني مع ذلك أعرف من الحروف صوتها الشجي, وأعشق ذلك الحزن المتأصل في مفردات العربية؛ لا أدري ما مرد ذلك؟ الرثاء أم الجفاء؟!.. وأجهل في الوقت ذاته ما بها من فرح, فرحت أبحث في ائتلافها عن ظل امرأة وما حسبت يوماً أن لاظل للمرأة في الحروف, لكنني لا أخطئ أبدا إن قلت إنها الحروف كلها, من أجلها تشكلت الكلمات واكتسبت فرحها وحزنها جمالها وقسوتها وهي المعين الذي لا ينضب للإبداع. ‏
قبل ذلك حاولت الفرار من أميتي فوجدتني أعود إليها بعد أن تهجيت اسم رباب وزينب وهند دون أن افلح في شيء ولكنني ازددت تعلقاً بأهداب الكلمة السحر.. ولن أكون بعد في صدد البحث عنها. ‏
فها أنا ذا في آفاق بعد ثلاثين عاماً وقف يومان من العمر على شفاه الذاكرة يوم ساقني السوط إلى المدرسة ويوم غدوت فيه تشرينياً.. كان اليوم الثاني أكثر الأيام رسوخاً في الذاكرة فهو أنا وأنا هو... ‏
وعندما وقفت على باب العتمة نهضت امرأة من بين صفوف الضمير والمسؤولية لتسكب في الروح ضياء الوجدان والإنصاف: ‏
قالت اكتب فشبت دمعة لم تجد مكاناً لها, وها هي تتدحرج من بين الحروف تمسح عن العمر حزنه فرحت أعيد رسم الكلمات. ‏
وها أنذا أتقدم بطلب عليه توقيع رجل يحمل على كاهله ستين موتاً ومازال يتهجى حروف العطف والنداء والندبة ولا يقوى على وضع إشارات التعجب والاستفهام ويجهل كيف ينقط الحروف أو يرتب الفقرات.. ‏
فجأة قالت سأمنحك شهادة محو الأمية فاكتب ما شئت على انك مكلف من الآن بالوفاء لمن أحببت فرحت أبحث فلم أجد غيرك أيتها المدينة الحبيبة أبدأ بها الكلام.. ‏
سأكتب عن مدينة أخذت من عمري عامين قبل أن تحتل ذاكرتي ثلاثة وأربعين عاماً هي أعوام العدوان علينا ظللت فيها أحن إلى نوافذها المفتوحة على الشوق, وأزقتها العامرة وشوارعها الفسيحة وقد حفرت عليها آلام القدمين المتعبتين وهما تروحان وتغدوان من حي العرب إلى حي الداغستاني ومن ساحة بانياس إلى قيادة الجبهة غرباً وقد ينعطف بي الطريق يساراً إلى منزل تهدم مثلما تهدمت المدنية كلها.. ‏
عقود مرت وأنا لأمية فيَّ لم أكتب عنك عن ثانوية احمد مريود ونادي فلسطين.. أو أتتبع الرحيق في ثنايا العمر الذي مضى لعلني اسكبه شهداً في صفحاتك المنسية. ‏
هناك في القنيطرة يأخذني المكان إلى زمن جميل كانت فيه مدينتي وطناً بحاله... ‏
كانت عاصمة للجولان وحاضرة وبداوة قبلة السوريين يجدون فيها أنفسهم وينطلقون إلى الشمس تدفئ مشوارهم. ومنك إلى الجولان وأهله الصامدين الباقين على العهد سوريين لا يرضون بغير عروبتهم بدلاً.. صامدين في بقعاثا ومجدل شمس ومسعدة بعدما ضاق العدو المحتل بمن ظل في غير هذه القرى فضيق عليهم الخناق وطردهم من ديارهم مثلما طرد الفلسطينيين من قبل. ‏
وإن كان كثير من الغرب يجهل الجولان ولا يعرف عنه غير انه هضبة فإن ما فعله رجل يوناني فاضل يجب أن يفتح آذان وعيون وعقول الغربيين جميعاً على الحقيقة. ‏
لقد رفض نائب رئيس الوزراء اليوناني هدية قدمت له من (السفير الاسرائيلي) في أثينا وهي زجاجات من نبيذ جولاني نسبه العدو إليه قائلاً: صحيح أنني اشتراكيّ ولكن تربيتي المسيحية التي تلقيتها من أهلي لا تسمح لي أن اشرب نبيذاً مسروقاً من أرض لها أهلها فالجولان لأهله. ‏
فوجدت نفسي أردد مع الشاعر: ‏
مضطراً ألاّ أكذب أن أبي ‏
أميُّ يقرأ حين يشاء ‏
تدعوه صفحات الأرض ‏
أن يبذر فيها ‏
قمح الحب ‏
وتبر الماء ‏
حتى لو تعبت يده ‏
لا يخطئ أبدا في الإملاء ‏


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات