بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> الــزاويــة الـــثقــافــيــة  >>
سميح شقير: الثورة امتحان عصيب للمثقفين.. وكثيرون رسبوا فيه
  26/11/2011

سميح شقير: الثورة امتحان عصيب للمثقفين.. وكثيرون رسبوا فيه


غادر بلاده منذ نحو سنة ونصف السنة، باحثاً عن فضاءات أرحب للتعبير عن الذات، يستطيع أن يقول فيها ما يشاء، بعد حصار طويل لأغنيته، التي أريد لها أن تبقى بلا صدى.
يرى الفنان السوري سميح شقير أن الثورة السورية شكلت امتحانا صعبا للمثقف السوري، وبرأيه فإن كثيرا من هؤلاء المثقفين رسبوا في هذا الامتحان. يعتقد أن الخوف ليس مبررا لأحد فاللحظة الآن «لنصرخ، لا أن نجبن». يحضر لعمل جديد عن الثورة السورية، وتحقيقا للمفاجأة لن يفصح عن اسمه.
يتابع اليوم ما يجري في بلاده بتلهف وألم وتخوف، وفي نفسه شوق كبير للعودة إلى وطن، يرغب باكتشافه من جديد. والغناء في كل مدنه وقراه الثائرة.
على هامش مشاركته في «أوبريت الحرية» في الحي الثقافي بالدوحة، التقت «العرب» الفنان سميح شقير. فكان الحوار التالي..

ـ بداية حدِّثنا عن مشاركتك في أوبريت الحرية؟
- نحاول من خلال هذا العمل ملامسة جوانب الحراك الجماهيري وهذه الثورات. بحيث يصور الأوبريت، حالة التظاهر والشهداء، والقمع الذي تتعرض له الشعوب، هذه اللحظات تتكامل راسمة صورة لما يحدث. وبالتالي يعبر العمل عن طموح الناس وحلمها بالحرية. وتحقيقها عبر الثورات، التي تحققت مقدماتها وانتهت فصولها الأولى، لكنها لم تنته، لأن الثورات لا تنتهي بسقوط الطغاة، بل بسقوط بنى المجتمع كلها. فطموح الناس «ليس تغيير القبعات فقط».
نحاول ملامسة جوانب مما حدث في الأشهر الأخيرة، من خلال محاكاة فنية وتعبيرية للثورات العربية. عبر مجموعة أغان و9 لوحات فنية بينها ربط درامي. بالنسبة لي قدمت لوحة بعنوان «هي بلادي» وهي من كلماتي وألحاني، وتوزيع عمرو عيد. استلهمت فيها روح الثورات العربية التي جمعها حلم واحد بتحقيق الوحدة والحرية.
سعيد بالتجربة. وسعيد أن أفعل أي شيء، فكل ما فعلناه قليل. هذا العمل لرفع معنويات الناس. وهو لحظة حصاد قدر من جمالية هذا التغيير. الذي يحق للشعوب أن تفرح به.
ـ كيف تقيم علاقة المثقف العربي مع الثورات. ولنتحدث هنا عن الثورة السورية تحديدا. بعض المثقفين انحازوا إلى جانب الشارع، بينما فضل الكثيرون الصمت أو الانحياز إلى جانب النظام؟
- الثورة شكلت امتحانا عصيبا للمثقف. كثيرون رسبوا في هذا الامتحان. فالمثقف إن لم ينحاز إلى جانب الناس فلمن ينحاز؟ والناس هنا ليست كلمة عامة. بل هي تعني أولئك الذين حملوا قضية التغيير، وصرخوا بهتاف حيوي ينادي بالحقوق الأساسية. وبمجرد أن يكون هناك حراك شعبي يرفع المطالب تصبح هناك سمعة شعبية للحراك.
من المعيب أن لا ينحاز المثقف أو لا ينتمي إلى قضايا الشعب، فهو كل عمره يجلس في المقاهي، ويخرج على شاشات التلفزة ليتحدث عن الحرية، ويكتب عن المعاني الكبيرة والتغيير المجتمعي والديمقراطية. وعندما تأتي لحظة الحقيقة، عندما يصبح ما كان يتحدث عنه شيئا حقيقيا على الأرض. ينحاز للسلطة! ويتذرع بأن الاستقرار سيذهب. وكأن الاستقرار مطلب بحد ذاته. أنا لا أسميه استقرارا، بل هو مياه آسنة وراكدة لا حياة فيها في مجتمعاتنا.
الثورة كانت امتحانا صعبا، لم ينجح فيها الكثيرون. كنت أتابع ما يجري بألم. صحيح هناك مثقفون وأدباء ومفكرون انضموا ولا يزال عدد منهم ينضم للثورة. ولكن بعضهم يتخذ موقفه بناء على الكفة الراجحة! بينما الناس تتعامل مع قوة عسكرية وبالصدر العاري. الشهداء هم من صنعوا التوازن. نقول لهم شكرا ليقظة الضمير. كنت آمل أن يكون مثقفنا منحازا للشعب منذ البداية.
أما أسباب تخلف المثقفين عن الانحياز إلى جانب الشعب، فهي كثيرة، بعضها متعلق بالاستفادة الشخصية من الواقع الموجود، ولأن تغيير هذا الواقع، سينعكس بشكل سيئ على هؤلاء. وبعضهم يرتبط بعلاقات مع رجالات السلطة. وأحيانا يكون الجبن والخوف هو السبب. نعرف البعض الذين يقولون «قلبي مع الثورة، لكنني لا أستطيع أن أعبر». هذا المثقف خائف. طبعا الخوف شيء إنساني نقدره. لكن اللحظة تاريخية، وكل إنسان معني بالتغيير. هي لحظة يجب أن نصرخ لا أن نجبن. ولن ندخل هنا في لغة الأسماء. الأسماء فرزت منذ الأشهر الأولى للثورة.
ـ شاركت في عدة مظاهرات في فرنسا، كيف تقيم هذه التجربة، وهل تعرضت لمضايقات من قبل الموالين للنظام؟
- بالفعل شاركت في مظاهرات بباريس، إنه شعور جميل ورائع. لناس بكل الساحات تتحدث وتعتصم، وهو بالنهاية فعل جماعي. فعل الثورة وفعل التغيير فعل جماعي بامتياز، ولا يمكن أن يكون فرديا. الكل يسهمون ويقودون نحو التغيير. ويستندون على بعضهم «الكتف على الكتف».
في الفترة الأولى هوجمت بضراوة على الإنترنت والفيس بوك وبعض المواقع. كان شيئا مؤسفا. حتى لغة هذا الهجوم مؤسفة جدا. تشعر أن هناك مكاتب معينة «تشتغل بالناس» وهذا واضح. ولم يحدث معي فقط، بل حدث مع كثيرين، تعرضوا لمضايقات وللضرب، حتى إن الدماء سالت من بعضهم.
ـ هل أنت متفائل بنجاح الثورة السورية؟
- نعم متفائل. لكن مع بعض التخوف. أنا مدرك أن الشعب السوري لم يخرج من سباته ليعود إلى الوراء. هذا لن يحصل. الزمن ولى، والناس متفائلة، أما مصدر التخوف فهو مبني على الضحايا. هؤلاء أعزاء علينا كثيرا. الأطفال والنساء والشباب. نحن نعيش في لحظة رعب. حجم التضحية سيكون كبيرا. لكن هذا قدرنا. نحن نعيش الأمل الكبير. والثورة ستنتصر بالتأكيد.
ـ هل كنت تتوقع أن تنال أغنية «يا حيف» كل هذا القدر من الانتشار والنجاح، إلى درجة أن بائعا متجولا اعتقل بسببها. ما شعورك عندما تسمع بهذه القصص. ولماذا برأيك نجحت الأغنية؟
- توقعت أن تأخذ أغنية «يا حيف» هذا الصدى. وإذا قلت غير ذلك لن أكون دقيقا. فكرت أن أشتغل عملا ما. وشعرت أن الأغنية دسمة بمحتواها المؤثر. بما فيها من صدقية والحالة التي خرجت فيها ذات تأثير عال. فقدرّت أن يكون لها أثر. وإلى الآن يحدثني الناس كيف كان شعورهم عندما سمعوها لأول مرة. وكم مرة سمعوها؟ أعتز بالأغنية. فهي لبنة من اللبنات التي عمرتها فوق جدار كبير. منذ 30 سنة وأنا أعمر فوق هذا الحائط. إنه حائط لاستناد الروح على المعاني. لقد عبرت الأغنية عن موضوع راهن. وكصدى وجدت تأثيرها الكبير بين الناس، وهذا سبب اعتزازي.
في الحقيقة كنت أتمنى أن أكون موجودا في داخل الحدث. هذا الشيء الذي أتألم منه. الحكايات التي تحدث مذهلة. وهي تخصني وتمت لي بصلة. كنت أتمنى لو أنني على الأرض بين الناس المتلقية. ما توفر لدي من مشاعر كانعكاس لما حدث، هو أكبر مما أستطيع التعبير عنه.
ـ بعد هذه الأغنية لم نسمع شيئا آخر عن سوريا، هل سنستمع إلى أغنية أخرى عن الثورة قريبا؟
- نعم يوجد عمل جديد، بدأت تسجيله، وخلال أيام سنسمعه. هي أغنية واحدة. ستنشر من خلال الإنترنت واليوتيوب حتى تصل إلى الناس. وتحقيقا للمفاجأة لن أفصح عن الاسم. أما بالنسبة لعمل أغنية عند سقوط النظام، فأنا لا أخطط بهذه الطريقة، ولكنني عادة أغني لكل مفصل ولكل التحولات.
سميح شقير كفنان. وبعد تجربة امتدت لنحو 30 عاما. هل تشعر اليوم بأن كل أعمالك وأغانيك عن الثورة والحرية أتت بثمارها أخيرا، وأنها لم تذهب سدى؟

- منطقيا لا يولد شيء من اللاشيء. هذا تراكم، ونحن شديدو الاعتزاز بهذا الجيل الشاب، الذي اجتمع حول القضايا الأساسية، وهذه هي سبب وحدة الشارع، الذي تجاوز الأيديولوجيا واللغة القديمة. لقد قفز الشارع فوق لغة الأيديولوجيات. وعانق الاستحقاقات الأساسية، وطالب فيها، واستطاع أن يوحد نفسه أكثر من أي جيل سابق. هذه مميزة لهذا الجيل. ويستحق التحية عليها، ولكن في الأخير وعبر التاريخ هناك تكامل بالبناء لا تستطيع أن تتخيل أن ما قلناه وقاله غيرنا عن الحرية والمقاومة ورفض الاستبداد والقيد، لم يذهب في الهوى. بل استقر في نفوس الناس، والأب أعطى ابنه. ما عملناه سابقا لم يذهب في الفراغ. ولا يهمني الآن ما فعلته سابقا. وكم لي دور في ذلك. هذا آخر همي. وكل همي منصب على نجاح الشعب في الوصول إلى مبتغاه العظيم. وهو الحصول على الحرية وإسقاط النظام الاستبدادي إلى الأبد.
ـ ما أكثر عمل قريب إلى قلبك؟
- عادة أنحاز إلى آخر أغنية اشتغلتها. ولكنني أحب كل أعمالي. فأنا ولدتهن، ولولا ذلك لما خرجت الأغاني. فهي فعل ابتكاري وجمالي يعني لي الكثير وجزء من ذاتي. أما آخر عمل فهو ما زال جديدا وطازجا والناس تحاورك فيه، وتخبرك عنه وعن انعكاسه وحيويته. لذلك أنحاز إليه.
ـ غادرت سوريا قبل انطلاق الثورة السورية، ما الذي دفعك إلى المغادرة؟
- أقيم في فرنسا منذ سنة ونصف. غادرت سوريا بسبب الحصار الطويل لأغنيتي. لقد أوصلوني إلى هذه المرحلة. وكتبت عن ذلك في الصحافة المحلية وهاجمت حالة الحصار هذه. فبعد تمسكي ومحاولتي أن أفعل شيئا في بلادي، أوصلوني لشعور أن ما تفعله مرفوض. حيث تعرضت لمضايقات عديدة وبأشكال مختلفة، ومن فصولها: أنني ممنوع من الظهور على التلفزيون والإذاعة. ولا أستطيع أن أغني في مسرح. صحيح أنه لا يوجد استجوابات أمنية. ولكن هذه الممارسات قتل لتجربتي. فقررت أن أبحث عن فضاء أوسع لكلمتي المحاصرة. خرجت لأقول وأنا أقول. وهذا حديث يطول. ربما نتحدث فيه في مناسبة أخرى. آمل أن أعود قريبا إلى البلد لنغني معا نحن والناس الرائعون الذين يستحقون الإجلال على تضحياتهم.
ـ لماذا يخاف النظام الاستبدادي من الأغنية؟
- برأيي من حقه أن يخاف من الكلمة الحرية ومن الفن، خاصة الأغنية لأن الناس يكررونها، ويرددونها، فتصبح جزءا من وجدانهم، إذا حملت الأغنية معنى عميقا الكل يخاف منها. فهي تدخل قلوبهم. وتتحول إلى قدرة كبيرة تهزم فيالق وجيوشا، لأنها استخلاص روح الجماعة، فروح الجماعة تنتصر. الشعوب هي تنتصر لأن صوتك صوت حالة من الصعب أن تهزم. وأنا قلت: «الشعب مثل القدر من ينتخي بماين».
ـ عندما تعود إلى سوريا بعد انتصار الثورة. ما المكان الذي يخطر ببالك أن تغني فيه أولا؟
- ما يهمني، أنني سأحيي الكثير من الحفلات، في الكثير من الأماكن التي ارتسمت في ذاكرتنا. لقد أعدنا اكتشاف هذه المدن والأزقة والحارات. أقول لنفسي سأتجول وأعيد اكتشاف هذا البلد ومدنه مرة أخرى. «ستكون الجماهير هي الفنان وأنا الكورس». صوتهم الأعلى وأنا من الآن أتهيأ لهذه اللحظة الجمالية. إنها مثل الحلم.
ـ لو أردت أن توجه كلمة للشعب السوري. ماذا تقول؟
- أقول لا توجد قوة فوق قوة الشارع الرائع الواعي. الذي حافظ على سلميته، واستطاع أن يتخطى مخطط الطائفية. ويعبر عن مطالبه بأجمل الأشكال وبطريقة حضارية. صحيح أن الصورة تتغير مع العسكرة. لكن هذا شيء يتحمل مسؤوليته النظام، الناس حريصة على التعبير السلمي. الشعب واعٍ ونحن نتعلم منه. وهو دائما بوصلة لنا عندما نغني أو نكتب. شعبنا يستحق الحرية والأفضل، وسينتصر بالتأكيد.


عمر عبداللطيف - العرب القطرية

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات