بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> الــزاويــة الـــثقــافــيــة  >>
قراءة في «ضرورات الثقافة»
  18/04/2012


قراءة في «ضرورات الثقافة»

وائل طربيه


كل حديث عن الثقافة في الجولان المحتل ينتهي إلى الحديث في السياسة؛ وإذ يبدو الكلام على «حركة ثقافية» في نطاق ما لا يزيد على ثلاثة وعشرين ألفاً من سوريي الجولان كبيراً ولا يخلو من ادعاء، إلا أن معاينة الشرط المعيشي بمكوناته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية قد يكسبه بعض الوجاهة.
هذا الجولان الصغير، الذي يشكل جزؤه المحتل واحداً في المئة من مساحة سوريا، وتعداد ساكنيه، اليوم، واحداً في الألف من سكانها، كان متصلاً دائماً، وعلى نحو ما، بالأحداث الكبرى في سوريا والمنطقة! وقد تسعفنا ذاكرة المعمرين وبعض الوثائق النادرة في تتبع هذا التواصل.
مسودة نادرة لرسالة بعث بها وجهاء مجدل شمس وشيوخها عام 1908 إلى السلطان عبد الحميد الثاني، تشيد بقرار إعادة العمل بالدستور وأهمية سيادة القانون وترسيخ قيم المواطنة في إدارة شؤون الناس (طبعاً بلغة تلك الأيام).
رسالة ثانية من وجهاء مجدل شمس إلى الشريف حسين عام 1916، يعلنون فيها دعمهم لثورته. وعندما يصل الحديث إلى الثورة السورية الكبرى، تنطلق الذاكرة الشفهية وتكثر الوثائق في وصف معارك مجدل شمس الأولى والثانية مع الجيش الفرنسي، ولا تتوقف عند الشهداء الذين سقطوا أو عند حريق المجدل مرتين، أو عند كون نائب القائد العام للثورة السورية الكبرى هو ابن مجدل شمس. وفي حمّى الذكريات المتداعية عن سوريا بعد الاستقلال وقبل الاحتلال، لا ينسى أي محدث أن يأتي على ذكر الفنان فيلمون وهبي أيام كان يأتي إلى الجولان في رحلات للصيد والسمر.
عشية احتلال الجولان عام 1967 والتهجير القسري لمعظم أهله (ما يسمى بالنزوح في لغة لا تخلو من غبن)؛ بقي ما لا يزيد على سبعة آلاف سوري في خمس قرى. ماذا سيفعل هؤلاء، وقد تُركوا محاصرين ومقتنعين أن عمر الاحتلال أيام ويزول!؟
توالت السنون ولم يرحل المحتل؛ وانتهت حرب تشرين الأول 1973 باستعادة خمسين كيلومتراً مربعاً من الجولان عقب اتفاقية فض الاشتباك، ورُفع العلم السوري فوق مدينة القنيطرة، فيما غُيِّبت عن الذاكرة الشعبية للسوريين حقيقة أن الجزء الأكبر من الجولان ما زال محتلاً! وهكذا تُرك سوريو الجولان ليواجهوا مصيرهم منفردين من دون أي مساندة من الدولة السورية.
توالت السنون، وفتحت إسرائيل، في سنوات احتلالها الأولى، أبواب التقدم للحالة المعيشية والاقتصادية لقرى الجولان لدمجهم بعجلة الحياة الإسرائيلية، وسارعت، في المقابل، إلى استبدال المناهج التدريسية السورية بأخرى معدٍّة خصيصاً للدروز.
الجهاز التعليمي والمنهاج المفروضان على مدارس الجولان، طوال سني الاحتلال، سياسيان بالدرجة الأولى ويخضعان لاعتبارات الأجهزة الأمنية؛ ابتداءً من توظيف المعلمين وإقرار الأعياد الرسمية (الدرزية تحديداً)، وليس انتهاءً باستحداث مواد إلزامية، مثل «تاريخ الدروز»؛ منفصلاً عن تاريخ العرب والإسلام، و«التراث الدرزي» و«تاريخ الشعب اليهودي» و«اللغة العبرية» (التي تتضمن تدريس العهد القديم والأدب العبري، قديمه وحديثه، في مقابل برنامج ركيك للغة العربية وآدابها)، وإهمال متعمد للمواضيع الإبداعية. هذه البنية للمنهاج التعليمي المخصص للدروز، مصممة لإنتاج هوية جديدة قوامها «الشعب الدرزي» أو «القومية الدرزية» المستقلة عن جذرها الثقافي العربي.
الرواية الرائجة بين سكان القرى الخمس عن أسباب بقائهم في بيوتهم، عشية التهجير، تقول إنهم يتمسكون أكثر من غيرهم بالأرض، بحكم خبرتهم التاريخية مع المحتل؛ وهي رواية غير دقيقة ومتعالية على الآخرين وتخفي بعداً طائفياً مخاتلاً. يعرف العارفون من أبناء الجولان، أنه تم الإبقاء عليهم في قراهم، من ضمن أسباب عديدة؛ فإسرائيل، كانت تبيّت تدابير خاصة لمستقبلهم، وسعت لجعلهم منطلقاً لتحقيق حلمها الإقليمي بإنشاء حزام من الدويلات الطائفية الخاضعة لها، تفصل بينها وبين سوريا وباقي الدول العربية.
يتباهى كثير من الجولانيين أيضا، أن مشروع إسرائيل في إقامة «الدويلة الدرزية» تم إحباطه انطلاقاً من الجولان بشجاعة وحنكة أحد أبنائه؛ كمال كنج أبو صالح، وما تزال وثائق هذا المشروع محاطة بسرية عالية في أرشيف الدولة العبرية.
الفن والحياة
أطلقت انتفاضة الهوية والإضراب الكبير عام 1982 طاقات العمل الشعبي معززة معاني الوطنية السورية. وفي السنوات التي تلت الانتفاضة، غيرت إسرائيل سياساتها، بعدما وجدت أن التضييق والعقاب كانا يغذيان الرفض والمقاومة، ولا سيما أنها تتحكم بالشرط المعيشي والإداري والصحي والتعليمي، وروابط اقتصادية محصورة باقتصادها، ونظام تأمينات متقدم، ومتوسط دخل فردي يفوق ثلاثة أضعافه في سوريا. كما بينت تجربة حركة المقاومة السرية، أن مقومات الكفاح المسلح غير متوافرة، وأن نظام دمشق غير معني أصلاً بتعكير هدوء جبهته مع إسرائيل. كل ما سبق، مضافاً إليه، النسيان والإهمال والتقصير الفادح للدولة السورية تجاه مواطنيها المحتلين، أنتج وقائع عنيدة تزيد صعوبة السؤال عن ماهية الأدوات الفعالة في الدفاع عن الذات والوجود. وإذا كان لدفاع الجولانيين عن أرضهم مفاتيح فهم وسلوك عملية وبسيطة، فإن الدفاع عن الهوية يبدو أكثر تعقيداً؛ كونه يتجاوز رفض الهوية الإسرائيلية إلى جميع تفصيلات العيش تحت الاحتلال، وينقطع، في الوقت ذاته، عن مجريات الحياة اليومية في سوريا، والتي يعرف الجولانيون دقائق الواقع المعيشي والاقتصادي وحال الحريات العامة وحقوق المواطنة فيها، ويلتبس الأمر في ما يعزز الهوية وفي ما يفرّط بها؛ خصوصاً عندما يصطدم بالرغبة


تكوين للفنانة رنده مداح من الجولان
في التقدم وإنتاج عيش أفضل. إذّاك، تغدو الثقافة ميدان النزاع الأول.
يمكن القول، إن إقامة العمل الفني الأول في الجولان جاءت تتويجاً رمزياً لما سبق؛ فتمثال «المسيرة» (للفنان حسن خاطر، 1986)، المحمّل بالرموز الوطنية (سلطان الأطرش قائد الثورة السورية الكبرى، إضافة إلى شخصية المجاهد والشهيد والأم والمثقف والأطفال حملة السنابل وأمل المستقبل)، والذي أُنجز بعمل جماهيري حملت لواءه «رابطة الجامعيين»، ثم محاولة سلطات الاحتلال تفجيره بعد أسبوع من تدشينه، فتح الباب أمام فكرة الفن الحداثية كتعبير مفهوم وأصيل عن الكتلة الاجتماعية، وكأداة فاعلة في التعبير عن الهوية الجمعية، وقد قوبل بتقدير احتفائي انسحب، بتأثير ذلك، على الموقف من الفن عامةً ومن الفنان، خاصةً، الذي ظهر مرة واحدة كبطل وطني؛ الأمر الذي أسس لحضور نشط للفن في الثقافة المحلية، وأثار حماسة عدد من الشباب للالتحاق بالكليات والمعاهد الفنية.
مثل جميع التفاعلات المجتمعية، كان لحفاوة استقبال الناس للفن، كمدعاة للاعتزاز الوطني والقومي، وجهها الضيق الآخر، الذي لم يتسع مداه للنظر إلى الفن أبعد من مفهوم الالتزام «الوطني» المباشر، واختزال وظيفته في تأكيد مقولات الخطاب السياسي وتردادها.
الحركة الفنية
أدت هذه المراكمات إلى ظهور مراكز تعنى بالثقافة والفنون، بدأت مع تأسيس «بيت الفن» عام 1996 و«مركز الموسيقى»، وفي ما بعد «المنتدى الثقافي» و«مركز فاتح المدرس للفنون والثقافة» و«مسرح عيون» و«فرقة ذكرى» و«مركز تواصل الثقافي» و«المنتدى الثقافي في مسعدة» و«دار اللغة العربية» و«مكتبة حنا مينا الثقافية» و«مركز ألوان»، وعدة فرق موسيقية منها: «توت أرض» و«هوا دافي»، وإنتاج بعض الأعمال السينمائية، وإصدارات في الشعر والقصة وأدب الأطفال وبعض الدوريات، كجريدة «بانياس» وإنشاء مواقع محلية للإنترنت تلامس الشأن الثقافي في بعض جوانبها. بالإضافة إلى أنشطة فنية سنوية كالمهرجانات الثقافية وحركة تشكيلية نشطة في إقامة المعارض ومهرجانات النحت والعروض الموسيقية والمسرحية. بعض هذه المراكز ما زال قائماً وبعضها توقف، ليظهر غيرها من التجمعات التي تنشط في أوساط الشباب، كمجموعة «صبايا وشباب»، وفي مجالات الفنون والثقافة أكثر من سواها.
لسنين طويلة، كانت الساحة الثقافية الفلسطينية المتنفس والمؤثر الأقوى في أحوال الثقافة الوطنية وبوابة الجولان إلى العالم، في غياب شبه تام للمؤثرات المباشرة للثقافة في الساحة السورية، خصوصاً في ما يتعلق بجيل ما بعد الاحتلال.
بعد سماح إسرائيل لمئات الشابات والشبان باستكمال دراستهم الجامعية في دمشق، ثم في جامعات الاتحاد السوفياتي، وبتأثير ثورة الاتصالات والفضائيات العربية والإنترنت، بدأت تتكون أواصر أعمق بالثقافة السورية، وكان الكاتب السوري ياسين الحاج صالح من أول المثقفين السوريين الذين التفتوا إلى ضرورة التواصل مع الجولانيين عبر نشر مجموعة من مقالاته في صحيفة جولانية محلية ابتداءً من العام 2005، كما كان عمر أميرالاي وأسامة محمد أول من نظّم نشاطاً فنياً في الجولان المحتل بالتعاون مع «مركز فاتح المدرس للفنون والثقافة»، عبر مهرجان السينما التسجيلية السورية عام 2006. كانت هذه أولى النشاطات الثقافية بين الجولان والوطن الأم، التي لا تمر بقنوات العلاقة مع النظام السوري وأجهزته ورجاله، والتي تحمل بعداً نقدياً عميقاً لبنية النظام وتخرق احتكاره لكل ما يتعلق بملف الجولان المحتل.
صحيح أن جل النشاط الثقافي في الجولان المحتل ينتظم في خط رفض الاحتلال وتأكيد الهوية السياسية والانتماء الوطني لسوريا، إلا أن تجليات عديدة له تجعلنا نكتشف سماته النفعية التي تنأى بنفسها عن المواجهات الخطيرة التي يجب أن تتصدى لها الثقافة؛ كالخطاب الطائفي الصاعد الذي يستخدمه الاحتلال لعزل سوريي الجولان عن عمقهم العربي الإسلامي، وتستخدمه، في الوقت ذاته، أجهزة النظام السوري في تعميق ولاءات، ما قبل وطنية، تجاه نظام الحكم.
لم تخذل الثقافة معناها ووظيفتها بين مثقفي الجولان عند انطلاق ثورة الكرامة. الغالبية العظمى من الفنانين والمثقفين انحازوا إلى ثورة الكرامة منذ الأيام الأولى، وعدد منهم نشط في إنتاج الأعمال التشكيلية والموسيقية والنصوص الأدبية وفي مجموعات العمل الإعلامي لشباب الثورة. لم يعد ممكناً اختزال وظيفة الثقافة في ممارسة سوريي الجولان إلى هجاء العدو والتغني بوهم وطن غير متحقق. فالثورة السورية، أعطت للثقافة في الجولان معنى وقيمة جديدين، عبر الانخراط النشيط في الحراك الثقافي الديمقراطي والثوري في سوريا، وعلى جميع مساحة الوطن.

فنان تشكيلي، مجدل شمس ـ الجولان السوري المحتل.
جريدة السفير/ملحق فلسطين(الجولان: بوابة فلسطين) العدد 24 - الثلاثاء 17 نيسان 2012

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات