بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> الــزاويــة الـــثقــافــيــة  >>
نوارس البحيرة الوادعة
  05/11/2012


نوارس البحيرة الوادعة

موقع الجولان /  المحامية عفاف الرشيد


انهض، لقد دخل الغرباء دارنا،و قطفوا ثمار حقلنا انهض لقد توسد الغرباء أرائكنا،و تصدروامجالسنا  انهض ، مازال الغرباء يهدمون أحلامنا و دورنا .
عاد إليَّ صوتي هزيلاً ، والصمت يدثر الروابي ، كانت الوديان تنأى عن الصدى لكن خطواته غائصةٌ في تراب الحاكورة التي كانت في يومٍ ليس بعيد مسرحاً لأفراحه ، ومرتعاً لأحلامه الفتية ،و في أعماق نفسه فيض أمنيات موؤدة باح بها لأشجار الحقل الذي يزنر داره كما يزنر الربيع بلدته فيق بأجمل الألوان
جعلت أركض نحو آثار أقدامه التي ما زالت غائصة في تراب الحقل أبثها حزني ، أناشدها ، انهض استباح الغرباء بيادرنا وحصدوا قمحنا
ذرات التراب العالقة على معوله تعبق برائحة كفيه المتعبتين ، والنسائم الرطبة تحمل عبق البحيرة الوادعة و تردد أهزوجته القديمة التي تترنم بحب الوطن 
أيها الحاضر الغائب انهض ، مزق الغرباء عباءات الفرح وداسوا أجساد أطفالنا ،حتى سال صديد الجراح يغرق الروابي
دنت أغصان شجرة التوت تواسي ندائي، فأيقنت أن اليأس نال من رجاحة عقلي فكيف ينهض من مرت عليه سنين وهو راقدا في لحده، لكن الظلام خيم على سمائنا وباتت طرقنا ملونة بالوحل الأحمر ومزق الأشلاء، ماذا أقول ؟
لقد أصبح وأمسى وبات ، المصاب كبير، لكن ذاكرتي تراودني ، كأن بيني وبينها ثأراً قديماً ، توسلت إليها مراراً أن لا تهزي مهد الذكريات كي تظل غافية، لكنها تفتح نوافذ الحسرة وهي توقظ نوارس بحيرة طبريا في ذاكرتي ،فتئن الضلوع مشوقة ويستيقظ الحزن المقيم
طبرية الهادئة الحالمة ما أروعك وأنت بين أحضان فيق، أخبريني عن البوح الذي وشت به عنك عصافير الحقول في يومٍ ربيعي غابر، وماذا عن ا لغزل القديم مع فيق ، التي ما انفكت تعانق كتفيك بحنان أسطوري 0
آه من حنين يكبل الضلوع ، انهض جدي :
أسر الغرباء بحيرة طبرية ، عامت مراكبهم فيها كبلتها بالأغلال سورتها بالألغام ،هاجرت نوارسها وصمتت طيور الماء عن الغناء ، لقد رحل الفرح بعيداً وانتحب الشاطئي وبكى القمر
أطلقت عنان البصر بعيداً لعلي أرى ملامح أطياف المكان ،لاحت لي جياد حطين وهي تقرع بحوافرها طبول النصر، أتعود جياد حطين للصهيل أم مات كل شيء جميل ؟!
اصمتي يا ذاكرتي الشقية أرهقني تمردك ، ستظل تلك البحيرة الوادعة حلمي الجميل  ولن تكف سهول طبرية عن ثورة الأقحوان ، وسوف تنتفض من بين شقوق هذه الصخور أشلاء شهدائنا حراباً و أشواكاً في وجه القادمين من عالم الشر
هكذا ا قالت لي شجرة التوت، تلك التي كان لنافيها أعشاشاً تشبه أعشاش العصافير ، وأراجيح عبثت فيها الرياح ، في القلب لك حسرات وأنات أيتها الشجرة الصامدة ، أراك وقد أصبحت عجوزاً عارية الأغصان،من هول ما رأيت من جرائم ومجازر وما زلت تقاومين الانكسار، أيتها العجوز شاخت ملامحك ، ولم يزل جزعك قوياً يقاوم الاحتلال
اهتزت الشجرة العجوز مصفقة بأغصانها كما يصفق الطير بجناحيه محلقاً ناشداً عباب السماء ورأيت منها العجب ، امرأة جميلة يدثرها رداء ابيض ، بدت سومرية القد فينيقية الهوى تدمرية الإرادة و الملامح بابلية العينين ، ربتت كتفي بحنان بكلتا يديها مواسية :
دعي جدك راقداً تحت أغصان الشجرة ، لا تجزعي لن تعجز أرحام النساء عن ولادة الشجعان ، وتذكري أن في رحم كل امرأة طفل قادم يشبه جدك ، وعلى صدر كل امرأة طفل
يرضع من حليب جدتك ،كل اللذين قتلوا سيولدون من جديد ،
من جديد،لا تحزني ودعي جدك راقداً قرير العينين تحت ظلال شجرة التوت
أيتها القادمة من عالم جميل :
لقد أوقدت نيران الذاكرة ونوارس البحيرة ترفرف بروحي بيضاء الأجنحة والأماني ، أما كلماتك المضيئة فقد ملأت روحي همةً وعزيمة، فرأيت جدتي تخبز وتصنع لنا الزلابية كعادتها، بينما كجدي يحرث الحقل غمرتني أطياف أهلي وأحبتي اللذين غادروا منذ زمن بعيد ، أيتها النابتة من أديم الأرض ليتك تظلي قربي تؤنسي غربتي وتحكي لي حكاية النوارس المهاجرة
هرعت نحوها كي أشكر قدومها ، لكنها كحلم جميل يرحل مسرعاً يستكثر على الحالم الفرح ، اختفت وصفقت أغصان شجرة التوت كالطير الذي ينشد عباب السماء ، لعلها غابت في جذور شجرة التوت ،وربما ذابت بين ذرات التراب العالق على معول جدي.لكن المكان ظل عبقا برائحة خبز جدتي
عذلت ذاكرتي التي أرهقتني وقصدت التلفاز لأشاهد آخر الأخبار ، في العراق هجوم وحشي على الإنسانية ، في فلسطين انسحاق للحرية ، في الجولان مداولات عقيمة ولما انتهت الأخبار كنت قد فرغت من جدل حبالاًو ضفائراً قوية المراس سيحتاجها يوماً رجالاً نبتوا من جذور أشجار فلسطين وشربوا من ماء طبرية إخوة هم و يتدربون على حماية الوطن
 عفاف الرشيد
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات