بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> الــزاويــة الـــثقــافــيــة  >>
ماذا فعلت الثورة بالسوريين
  30/07/2013


ماذا فعلت الثورة بالسوريين

  نوري الجراح



ما الذي تغير منذ أن انتفض السوريون لأجل استعادة حريتهم وكرامتهم؟ وبأي عيون نرى الملحمة السورية؟ كل شيء جديد في انتفاضة السوريين، كل شيء خارق للمألوف ومتفوق على ذاته، وقد وفى السوريون الحرية، بعد سنوات الخضوع والذل، أثمانها الباهظة، من دون أنة شكوى، ولا لحظة ندم.
هذه هي الثقافة الجديدة، فلا حاجة بنا إلى درس أرفع من هذا الدرس، ولا يعوز هذه الانتفاضة وصف يتنزل عليها من قمر «الثقافة» ومريخ «الفكر»، فهي درس ثقافي تاريخي. على الثقافة العربية في ضوء هذه الانتفاضة أن تعيد النظر بمجمل خطاباتها. لا أريد للألم أن يجعلني أقول بموت الفكر وموت ضمير هذا الفكر، لكن شيئا ما لن يبقى كما كان، لا في سوريا ولا في الإقليم في ضوء التراجيديا السورية.

ما من شك أن الانتفاضة السورية العارمة، وهي كبرى الانتفاضات التي عرفها التاريخ الحديث في الشرق، تملك كل مواصفات الحدث التراجيدي بملامحه القصوى؛ اليتم الكامل للنقاء البشري، المسيح الجماعي للعصر، والبطولة الأسطورية. وكنا قد اعتقدنا أن العالم خلا منها حتى طلعت علينا، في سياق انتفاضي عربي تاريخي، هذه الانتفاضة بطاقتها الجبارة، ويتمها المؤلم، باتت اليوم أشبه بنشيد شعري يصل إلى عصرنا من العصور الغابرة. شيء يمكن أن نعثر عليه في صور كونية تتمثل في ملاحم الشعوب العامرة بالمتخيل، الإلياذة والإنيادة، وما بينهما، الرامايانا والماهابهاراتا، وما بعدهما، وصولا إلى ملاحم العرب البطولية، لاسيما عندما تستدعي الذاكرة الجريحة بالصور السورية، بطولات فردية وجماعية مذهلة، من فتيان وأطفال يحملون الطعام إلى المحاصرين ويموتون تحت التعذيب، إلى شبان يصلبون على الدبابات وفي أقبية الموت، إلى رجال يسحلون في الشوارع ولا يسمحون لكرامة نسائهم أن تهان، جموع صرعت تحت العذابات، ولم تسمح للقاتل أن يستبيح اعتزازها بإنسانيتها وقيمها العليا.

شبان وصبايا يخرجون إلى شوارع الهتاف والرصاص ينهمر على أجسادهم اليافعة. أي روح هذه، أي نور للبطولة هذا؟ والسوريون في هذه الملحمة يتحولون إلى جسد جماعي وروح جماعية، وقبلها كان كل سوري فرد في جزيرة.

لقد رأى العالم كله، القريب والبعيد، ببلادة منقطعة النظير، يد الجريمة وهي تختطف أجمل أبناء سوريا وأنبلهم، وتحصد بمنجلها القاسي زهرة الحياة الطالعة، دون نجدة من العالم، أو مؤازرة من ضمير تفي القِيَمَ الواجب. لكن المواجهة البطولية التي يخوضها السوريون، اليوم، ضد الطغيان، بأمل لا ينال منه اليأس، تضعنا مباشرة، أمام السؤال الجوهري: ماذا فعلت بنا الثورة؟ ماذا فعلت بنا دماء السوريين، كل السوريين، القتلة والمقتولين، وضحاياهم الذين سبقوهم، بسكاكينهم البلهاء وبلطاتهم الهائجة وكل آلة للموت سلّح بها الطاغية سوريين عميت أبصارهم وقلوبهم ليقتلوا سوريين كانوا ومازالوا إخوة لهم؟ سؤال كبير، مفتوح على شتى الإجابات. والمأساوي اليوم أنه بينما يستشهد السوريون لأجل نيل حريتهم، ببطولة نادرة، هناك سوريون يستميتون ليظلوا في القيد. هل يريد لنا المنطق أن نقرأ الواقعة الدموية المعاصرة في ضوء تسوده أشباح التاريخ، وظلال الفروق المذهبية والعداوات القديمة بين المنقسمين على أنفسهم بفعل اختلاف ما اختاروه من طرق إلى الله؟ ولماذا لم تتمكن ثقافة المتقاتلين تحت خيمة الله من استدعاء الأفق الذي رنا إليه ابن عربي، عندما هتف: «عقد الخلائق في الإله عقائد وأنا عقدت جميع ما عقدوه»؟

أما آن لنا، نحن السوريين ومن حولنا العرب المفجوعون بمأساتنا، أن نقرأ الواقعة الدموية في ضوء العقد الاجتماعي الحديث وما أنجزته البشرية من خلاصات قيمية وأخلاقية وحقوقية تنظم علاقات البشر في الحياة المدنية الحديثة؟

وعلى ميل آخر من الأسئلة الجارحة، هل تقف القصيدة ويقف الشاعر إزاء الملحمة السورية بعيدا عن هذا السؤال وغيره من أسئلة البشر والمجتمعات، في المنعطفات الكبرى واللحظات الفارقة في حياة الأمم؟ وهل يعجز الشعر عن أن يكون أمينا لصوته وصوت الإنسان، معا، في وقت كهذا؟

كيف حدث أن ارتبطت صورة الشاعر العربي الموصوف بأنه حداثي، بنوع من الذاتوية المفرطة، والتعالي على الناس، والنأي بنشيده بعيدا عن معاركهم الكبرى لأجل الحرية، حتى ليكاد يُرمى، اليوم، بالخيانة؟ لابد من إعادة النظر في المسالة برمتها، في معنى الشعر، وفي دور الشاعر، بدءا من علاقته بلغته وصنيعه الشعري، وانتهاء بدوره في المجتمع والتاريخ. وإذا ما وجد الشاعر فرقا جوهريا بين ما كان عليه قبل الثورة وما بات عليه بعدها، من واجبه الأخلاقي أن يتريث ويتأمل في هذا الفرق، في مصير الفجوة بين الوعي والضمير، وبين الكلمة والموقف، والمصير الإنساني.

أن يكون الشاعر في خندق الحرية، هذا قدر إنساني واختيار جمالي وأخلاقي، فالشعراء هم قادة ثورات وفتوحات على تخوم الخيال وفي مساحات الحركة الأرضية لأجل المستقبل، وقصيدته صوت نقي من أصوات الحرية لا تتنازل عن لغتها الجمالية، ولا عن مستقبليتها الكامنة في نزوعها إلى الابتكار، ولا عن خصوصية علاقتها الخلاقة باللغة.

الثورات لا تقول للشاعر كن شاعرا رديئا لتكون شاعرا ثوريا، ولا تقول له استرح، الآن، وعندما ينتهي الشعب من توقيع قصيدته الجماعية، يمكنك أن تكتب أنت قصيدتك.

في كل وقت يمكن للقصيدة المبدعة أن تُكتب، وفي كل وقت يمكن للقصيدة أن تباهي بابتكاريتها وحريتها، وأن تكون قصيدة الشاعر وقصيدة الناس.

الشاعر ثائر، لا فجوة أو مسافة بين الكيانين. ومن منطقة الحلم يبدأ فعل الثائر في المجتمع والتاريخ. عندما نهض مارتن لوثر كينغ بدعوته لاستكمال تحرير زنوج أميركا من التمييز العنصري، آخر حلقة في ربقة العبودية، بدأ خطابه بجملة افتتحت تاريخا جديدا للأميركيين السود ومعهم العالم كله: (عندي حلم). عند هذه العتبة انكسرت القيود، وتحول الثائر إلى شاعر. من الحلم يولد الشاعر ومن مصهر الحرية تولد قصيدته. والشعراء الذين لا يحلمون هم بقايا عبيد، سرَّاق كلمات من القاموس.

انتفاضة الشعب السوري كشفت أقنعة الحرية عن وجوه العبيد. عبيد الشهرة، وعبيد الديكتاتور، بطانته السرية المندسة في عكاظ الشعر الحديث. وبأسرع مما تخيل هؤلاء المسوخ في صورة رواد للشعر، تساقطوا في عيون جمهورهم وصاروا رفاتا.

الشاعر، بداهة، هو صوت الحرية، والضمير الحي للأمم وقت تموت الضمائر.

تخلى العالم عن السوريين في ثورتهم الفريدة، فصاروا جميعهم شعراء يكتبون بدمائهم الشهيدة ملحمة الحرية الأكثر يتما في التاريخ المعاصر. وعلى شاعرهم أن يكون سطرا مضيئا في تلك الملحمة أو لا يكون.


 

شاركنا على مواقع التواصل الاجتماعي" جولان نيوز "

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات