بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> الــزاويــة الـــثقــافــيــة  >>
رسالة حب من منفى طويل!
  13/05/2014

إلى سميح القاسم في عيد ميلاده الخامس والسبعين


رسالة حب من منفى طويل!

بقلم: عدنان جابر

أَخبرني صديقي رائد نصر الله ابن الناصرة، أنك مريض.. بذاك المرض!
أَخبرت زوجتي فاطمة ابنة الجاعونة التي لم ترها، أن الشِعر والناس بحاجة إليك يا سميح، ودعوْنا الله أن يشفيك.
أُخبركَ يا سميح أنك ومحمود درويش وناظم حكمت وفيروز أيضاً، كنتم تعززون صمودنا ونحن خلف القضبان. رفعتم معنوياتنا، وأثبتنا لأنفسنا وللسجان، بأنه لا يمكن أسر الإرادة والحلم والخيال.
أنت ومحمود درويش، عرفتكما وأحببتكما أكثر بعد أن قرأت رسائلكما. كنتما "شِقَّي البرتقالة"، كما وصفكما العملاق الثقافي الفلسطيني، الساخر الجميل إميل حبيبي.
محمود درويش، رفيق دربك وعمرك، الذي قال:
يا دامي العينين والكفين !
إن الليل زائل
لا غرفة التوقيف باقية
و لا زرد السلاسل !
نيرون مات، ولم تمت روما
بعينيها تقاتل !
وحبوب سنبلة تموت
ستملأ الوادي سنابل!
وأنت يا سميح الذي قلت:
يبس النهر وماتت في أغاني الحمائم
وأنا يا كفر قاسم
أنا لا أنشد للموت، ولكن
ليد ظلت تقاوم!
وسمعنا من أشعارك الأغاني:
منتصبَ القامةِ أمشي
مرفوع الهامة أمشي
في كفي قصفة زيتونٍ
وعلى كتفي نعشي
وأنا أمشي وأنا أمشي...
وكذلك:
أحكي للعالم .. إحكيله
عن بيت كسروا قنديله
عن فأس قتلت زنبقة
وحريق أودى بجديلة
والشاعر التركي ناظم حكمت، الذي قرأنا له في سجن بئر السبع ديوان "الناظرون إلى النجوم"، الذي يقول فيه:
ورغم هذه القضبان
فإن قلبي لا زال يخفق
مع أبعد نجم في الفضاء
والسيدة فيروز، التي خفف صوتها عنا، وحشة السجن، وصنعتْ معنا سلالم للأمل، وأجنحة نطير بها من الزنازين، فيروز هذه، حزب الجميع، وثالث كل عشيقين، عززت أملنا، عندما غنَّت:
سنرجِعُ يوماً إلى حَيِّنا
عزيزي سميح، أذكرُ عندما أرسلتَ لي من البلاد ديوانك "جهات الروح" مع رائد نصر الله إلى صوفيا. وأذكرُ عندما عانقتك قبل سنوات في دمشق. يومها، أمام فندق الميريديان، طلبتْ مني ثلاث فتيات صغيرات وخجولات من مخيم اليرموك، عرفنك من آبائهن ومن ثقافة المخيم، أن أكون وسيطاً كي يُسَلِّمْنَ عليك. وعندما قمت أنا بهذه المهمة في بهو الفندق، قلت لي أمامهن بدعابتك المحببة: وهل تأخذ منهن كوموسيون!
ماذا أقدم لك يا سميح عرفاناً بالجميل. فأنا واحد ممن أطعمتَ أرواحهم وصمودهم في الوطن وفي المنافي. دخلتُ السجن وعمري 17 عاماً، وبعد 7 سنوات ونصف في الأسر، وإبعاد من وطني فلسطين على يد الأعداء، وإبعاد من بلد الأشقاء ـــ الأردن، وخروجٍ بقهر من بلد شقيق آخر ـــ سوريا، ها أنا في صوفيا في غربة جديدة متجددة، تجاوزت الستين، أحمل عكازي و60 شظية من رصاص الصهاينة المتفجر (دمدم)، أنتقل من منفى لمنفى، أحمل معي أينما ذهبت رفيقي في النضال ـــ بنطلوني المُثَقَّب بالرصاص، وتراباً ومزهرية من خشب الزيتون وحبة ليمون جافة من فلسطين، كي أُطعم روحي في المنافي. ما أصعبَ إطعام الروح!
لهذا، أقول لك يا سميح:
قَدَري أن أعيشَ في هذا الزمن
من منفى لمنفى
وكل حضن منفى
بعد حضن الوطن
ولهذا قال ناظم حكمت عبارة موجعة:
أن تكون سجيناً في وطنك، خيرٌ من أن تكونَ إمبراطوراً في المنفى
ماذا أقدم لك يا سميح عرفاناً بالجميل. ليتني أستطيع أن أمد يدي من المنفى الطويل إلى مدينتي البعيدة الخليل، لأقطف لك عنقود عنب أقدمه لك، كي يساعدك في الشفاء.
لكن، بما أنني صرتُ لا أقربُ "المُنْكَر"، فإنني أُنيبُ عني مروان مشرقي ابن الناصرة، الناصرة الناصرة، وليس "الناصرة عِليت" ليقدم لك نبيذاً يصنعه من عنب الخليل، الذي أَسمى عز الدين المناصرة أحد دواوينه باسمه قبل أكثر من 40 عاماً، "يا عنب الخليل".
حبيبي سميح: أنت قوي، ويستهويك التحدي. لقد كان من صور تحديك، أنك أسميت ابنك "وطن محمد"، تحدياً لمن اغتصبوا الأرض.
لقد قلتَ بأنك: مريض بالتفاؤل. وهذا ما قاله، في الجوهر، الكاتب المسرحي السوري، العملاق الثقافي الجميل، سعد الله ونوس، الذي واجه المرض بالإبداع، وقال جملته الشهيرة: نحن محكومون بالأمل!

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات