بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> الــزاويــة الـــثقــافــيــة  >>
سوريون من المهد إلى اللحد
  15/05/2014

سوريون من المهد إلى اللحد


زكريا تامر


نثرثر ليل نهار مرفوعي الرؤوس: نحكي عما نحبه وعما نبغضه، ولا ندري أننا نكذب حين نحب وحين نبغض.
ونحكي عن أصدقائنا، فنسلخ جلودهم بحجة أننا نتدرب تمهيداً لسلخ جلود أعدائنا.
ونحكي كأن الكلمات هي التي تهدم السجون وتعاقب الجلادين وتدفنهم.
ونحكي كأننا لم نرث عن آبائنا سوى الألسنة.
ونحكي كأن الحكي هو النفط الذي يسيّر الطائرات والسفن والسيارات.
ونحكي ممجدين الحرية متناسين الذين يقدمون كل يوم على اغتيالها.
ونحكي كأن الكلمات خراف تطير من صحن إلى صحن راجية الجياع الإنتظار ريثما تذبح وتسلخ وتشوى.
ونحكي بفخر عن هزائمنا بوصفها النتائج الحتمية للتسامح الإنساني الذي نتصف به.
ونحكي بازدراء عن الشمس التي تتيح للظلمات أن تهيمن.
ونحكي عن فضائلنا التي تؤهلنا لاحتلال كل الجنان.
ونحكي في البر والبحر والجو عن مقتنا لمن يحكمنا ويظلمنا ويذلنا متجاهلين أن الأيدي هي القادرة على حمل السلاح، وليست الألسنة.
اعترافات الحالمين
حلمنا ببلاد لا تزدرينا لأننا لا نسرق ولا نقتل ونكره الوشاية والوشاة.
وحلمنا بمجيء أعوام بيض تبيح لنا التوقف عن مطاردة القوت اليومي البارع في المراوغة والهرب، فنجحنا يوماً وأخفقنا سنيناً.
وحلمنا برجال مخلصين أكفياء ينطقون باسمنا، فإذا الناطقون باسمنا هم الجراد الذي يأكل الأخضر واليابس والبوم الناعق على الخرائب والأطلال.
وحلمنا ببيوت تليق ببني البشر، فلم نظفر إلابسجون وقبور ورؤوس مطأطئة.
وحلمنا بشمس الحرية، فلم نحظ إلا بنار الموت.
وحلمنا بأن نأكل حتى الشبع من خيرات بلادنا، ولكن اللصوص لم يتركوا للجياع إلا ما يشبه القمامة.
وحلمنا بمدارس لنا ولأطفالنا، ولكن خدم المستبدين حولوا المدارس حظائر تنتج الدجاج والخراف.
وحلمنا بتغيير العالم الحالك السواد، فاتضح لنا أن المسموح لنا هو تغيير زوجاتنا ووسائدنا فقط.
وحلمنا بدحر النفاق والمنافقين، فبوغتنا بأن النفاق هو القادر القدير مالك الرايات المنتصرة، والمنافقين هم الجيش الذي لا يقهر.
وحلمنا بتحطيم الأوثان، وأخفقنا لأن الأوثان لها عبيدها المتأهبون للموت دفاعاً عنها.
وحلمنا بكتّاب هم النور الذي يبدد الظلمات، ولكنهم كانوا ظلمات تضاف إلى ظلمات.
وحلمنا بقادة من فولاذ، فلم نمنح إلا قادة من تبن مبتل يحترق.
وحلمنا بأن يهلك كل الطغاة، ولا يجدون تراباً يوافق على استقبال بقاياهم، فلم يهلك سوى خير رجالنا.
وحلمنا بأن تصير الكرة الأرضية كرة قدم نتفرج عليها تتقاذفها أقدام اللاعبين متنافسة على ركلها، وها نحن نتفرج.
العصاة
نحن الذين رضينا بالذل والهوان وصبرنا على ما لا يصبر عليه.
ونحن الذين حفرنا القبور للطغاة وخدمهم، فأضحت تلك القبور قبورنا.
ونحن الذين ثرنا تواقين إلى الحرية، فعاقب العالم ثورتنا شر عقاب كأن الحرب على الطغاة هي أم الجرائم.
لمن نشتكي؟
هرعنا حفاة إلى ضريح السيدة زينب، وقلنا لها مشتكين إن الزاعمين أنهم من محبيها يقتلون الأطفال والنساء والرجال، فقالت إنها تعلم ما يفعلون لأنها كانت أول ضحية من ضحاياهم، وأرتنا عنقها الملطخ بالدم وأصابع يديها المبتورة، فتساءلنا بأصوات ملأى بالأسى: لمن نشتكي؟
فأجابت أن الشكوى لله وحده إذا كانت الضحايا سورية الجنسية.
الشوك العاطر
المتحدثون باسم المعارضة السورية يصلحون رجالاً تذرف أعينهم الدموع بينما أيديهم تذبح العصافير، ويصلحون أيضاً لرواية النكات الفكاهية في جنازات الأطفال الرضع.
الفئران المحظوظة
حين يهلك فأر من فئران السلطة في سوريا يعمّ العويل مدنها وقراها وسهولها وجبالها وأوديتها وتتعالى الولاويل ويصبح مؤيدو السلطة ومعارضوها كتلة واحدة متحمسة للرفق بالحيوان. أما حين يقتل الآلاف من السوريين الأبرياء، فيسود الصمت كأن المقتولين لا صلة لهم بالأرض السورية.
الزوجة تجدد معلوماتها اللغوية
قعد الزوج والزوجة متلاصقين يتفرجان على ما يُعرض من برامج تلفزيونية تحتفل بترشح الرئيس في انتخابات الرئاسة للمرة الألف، وكان الزوج معلماً للغة العربية، وكانت الزوجة ربة بيت، وقد قالت عابسة الوجه: ما هذه الشرشحة؟ لو كان هذا الرئيس رجلاً فعلاً لما احتاج إلى تمثيلية الإنتخابات، ولأعلن تعيين نفسه رئيساً.
فبوغت الزوج، وقال لها: أنا لم أسمع ما قلته.
وبادر إلى السخرية من مذيعة تشبه خادمة ترتدي ثياب سيدتها، وكانت تخطيء أخطاء لغوية لا يرتكبها تلميذ في المرحلة الإبتدائية، فتنهدت الزوجة، وقالت لزوجها : هل تصدق أن كل ما تعلمته في المدرسة من دروس في اللغة العربية نسيته تماماً وطار من رأسي؟!
فقال الزوج لها : لا شيء ينسى إذا حاولت التذكر.
قالت الزوجة: لو كنت محباً لي لساعدتني واعتبرتني تلميذة في صفك.
قال الزوج بصوت مازح: هيا ضعي فعل (قعد) في جملة مفيدة.
ففكرت الزوجة لحظات ثم قالت: قعد الرئيس على رؤوسنا ورفض النهوض.
فحملق الزوج إلى زوجته مذهولاً، ولم يصدق ما سمعه، وبدت له المتكلمة امرأة غريبة لا يعرفها، ولا صلة لها بزوجته المشهورة بصمتها وحيائها، وقال لزوجته: لم أسمع ما قلته. هيا ضعي فعل (وقف) في جملة مفيدة.
فوضعت الزوجة ساقاً على ساق، وقالت فوراً: وقفت أصابع أيدينا وأقدامنا إحتراماً للسيد الرئيس.
فاستولت الدهشة والفضول على الزوج، وانتظر يوم الإنتخاب نافد الصبرمرحاً ليختار شكري القوتلي رئيساً.


زكريا تامر

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات