بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> الــزاويــة الـــثقــافــيــة  >>
"روشميا".. حكاية أسطورية في واد فلسطيني
  25/04/2015

"روشميا".. حكاية أسطورية في واد فلسطيني


أحمد شوقي (القاهرة)


في الفترة بين 15 و22 أبريل الحالي، وفي سينما زاوية بوسط البلد، القاعة التي تحولت لمتنفس يشاهد فيه محبي السينما الأفلام الفنية التي يصعب أن يجدوها في أي قاعة أخرى بمصر، تقام فعاليات أسبوع آفاق السينمائي الثاني، بعد أن أقيم الأسبوع الأول في بيروت خلال العام الماضي، لعرض مجموعة من الأفلام التي حصلت على دعم من الصندوق العربي للثقافة والفنون "آفاق"، أحد الداعمين الرئيسيين للسينما المغايرة في المنطقة العربية خلال السنوات الأخيرة.
برنامج الأسبوع ضم 14 فيلما من سبع دول عربية، معظمها يعرض للمرة الأولى في مصر، ومن بينها موضوع حديثنا اليوم، الفيلم التسجيلي الفلسطيني "روشميا" للمخرج سليم أبو جبل، الحاصل على جائزة لجنة التحكيم من مهرجان دبي السينمائي، والجائزة الكبرى للأفلام الوثائقية من مهرجان تطوان للسينما المتوسطية، والذي انتهي قبل أقل من أسبوعين.
عجوزا وادي روشميا
أبو العبد وأم سليمان، زوجان تجاوزا السبعين ـ وربما الثمانين ـ من العمر، يعيشان في كوخ بدائي بوادي روشميا في حيفا، وبدائي هنا وصف دقيق، فلا يملكان في منزلهما مصدرا للكهرباء أو الماء أو أي شكل من صور الطاقة. لا يملكان أي مصدر دخل ثابت أو متغير، ويعيشان على أكل بعض ما يزرعاه أمام الكوخ وبعض مساعدات تأتيهما. وضع لم يتغير منذ عام 1956 عندما انتقل أبو العابد ليقيم كلاجئ في روشميا، قبل أن يتزوج من أم سليمان، زوجته الثالثة وشريكة حياته.
روشميا كان يضم عددا من السكان، هاجروا كلهم تباعا، ولم يتركوا ورائهم سوى عجوزي الوادي اللذين لم ينجبا أبناء، وبقيا في حضن الوادي منفردين، كصورة معاصرة نادرة لتفاهم كان قبل قرون بين الإنسان والطبيعة. لكن ولأنه تفاهم نادر، فكان من المحتم ألا يستمر، وأن يصبح على أبو العبد وزوجته أن يتركا منزلهما الذي سينضم مكانه إلى نفق تنشأه الحكومة الإسرائيلية.
الزوجان سينالا تعويضا كبيرا، قد يسيل له لعاب أي شخص ليبدأ حياة جديدة بمعايير أفضل. لكن عندما يكون وصول الموت مجرد مسألة وقت، تتضائل جاذبية الحياة الجديدة كثيرا في مقابل رغبة محمومة ـ وطفولية أيضا ـ في البقاء على الوضع المألوف منذ نصف قرن، خاصة إذ ما كان أصحابه لم يجربا أصلا أي صورة للحياة المعاصرة ، حتى أن المخرج يقول أنه لم يلاق صعوبة في أن يتصرفا أمام الكاميرا بشكل طبيعي، لأنهما لا يعرفان ما هي الكاميرا ومعنى أن تُنقل حياتهما للشاشة!
أزلية السرد.. خيار الفيلم
الأمر أشبه بأن تعثر على قبيلة بدائية لم تقابل صور الحداثة، لكنها قبيلة تسكن بجوارك، تتحدث نفس اللغة، وتدرك معنى الاحتلال والتهجير واللجوء. لذلك فقد اعترف سليم أبو جبل في الندوة التي تحدث فيها بعد الفيلم أنه لم يقم بأي جهد في توجيه الزوجين أو تهيئتهما للتصوير، وأن كل إنجازه كان القدرة على البقاء بينهما لأطول فترة ممكنة. أكثر من ثلاث سنوات يتواجد معهما بكاميرا فيديو قديمة، حتى أصبح وجوده في حياتهما أمرا مسلما به، يتحركان ويتحدثان ويتشاجران حول البقاء أو الرحيل أمامه بأريحية كاملة، أريحية تأخذ المشاهد من يده وتجعله مكان المخرج، يعيش مع العجوزين ويراقب حياتهما عن كثب.
مشاهد "روشميا" يقيم خلال سبعين دقيقة هي زمن الشريط مع الزوجين، ويضع يده على إيقاع حياتهما الأزلي. هذان شخصان يكرران نفس الأفعال طيلة خمسين عاما، الأمر الذي جعل من الممكن على المخرج أن يصور مشاهده على طريقة الأفلام الروائية، بالقطع بين أكثر من زاوية لنفس الفعل، بينما قام في الواقع بالتصوير باستخدام كاميرا واحدة فقيرة، فقط لأن الأفعال تتكرر بحذافيرها، لتبدو الحياة وكأنها لقطة سينمائية يعاد تكرارها آلاف المرات.
خيار التعبير عن أزلية إيقاع الحياة لا تقتصر على استخدام التكرار في خلق مشهد ثري، ولكن في تعمد الانتقال من مشهد لآخر بصورة لا تضع حدودا واضحة بين مشهد وآخر، ولا تحترم بدقة عاملي الزمان والمكان، فلقطة للزوج يجلس عند مدخل الكوخ قد تكون جسرا لمشهد آخر داخل البيت. تكنيك قد يتساوي في أي فيلم آخر إحساسا بالتشظي، لكنه هنا على العكس تماما يعبر عن تماسك كلي للزمن، فاللحظة الواحدة هي مئات اللحظات، وتلك شعرية سينمائية أجاد سليم أبو جبل خلقها بصريا بالتعاون مع المونتير المصري ميشيل يوسف، الذي خلق قبل شهور جوا عاما مقاربا بشكل أو بآخر، في فيلم "أم غايب" لنادين صليب.
حكاية عجوزي "روشميا" أكبر من أن تُحصر في تفسير سياسي ضيق على طريقة القوالب المسبقة التي يصب فيها أي فيلم فلسطيني. هي حكاية رحبة، عن كون كان من الضروري أن يتغير، لكن لكل تغيّر ثمنٌ يجب أن يُدفع...

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات