بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> الــزاويــة الـــثقــافــيــة  >>
فن رندا مداح أو التعلّق بحبال الهوا
  16/06/2015

فن رندا مداح أو التعلّق بحبال الهوا

موقع الجولان للتنمية

كتب الكاتب والمفكر اللبناني فواز طرابلسي عن اعمال  الفنانة السورية من الجولان  المحتل رندا مداح  بمناسبة افتتاح معرضها غاليري يوروبا باريس ١٧ حزيران-١٠ تموز ٢٠١٥ . هذا نصه:

 

معرض رندا مداح

غاليري يوروبا باريس ١٧ حزيران-١٠ تموز ٢٠١٥

وكلمتي في الكاتالوغ

فواز طرابلسي

فن رندا مداح أو التعلّق بحبال الهوا

 

رندا مداح امرأة معلّقة. مثلها مثل بلادها الجولان: منطقة سورية تحت الاحتلال الاسرائيلي. أرض محتلة مثل ارض فلسطين دون ان تكون فلسطينية. هضبة مضمومة الى دولة اسرائيل يرفض اهلها حمل الجنسية الاسرائيلية. يتمسّك اهلها بانتمائهم الى سورية التي ترزح تحت وطأة الاستبداد والقهر.

التعليق والحبال حاضران منذ تجهيز رندا الاول بعنوان «بلا بشارة». مجموعة شخوص معلّقة. انتظار معلّق على كرسيه المعلّق. آمال معلّقة.

لا تصمد حبال التعليق دائما. الكائن المعلّق هو ايضا الكائن الذي يهوي، الكائن الذي ينسحق على الارض. تقاوم رندا الجاذبية بالأمل والرجاء. وتهزمها النكسات والحروب.

تبدأ الثورة في سورية ويبدأ القمع.

الجولان منطقة معلّقة من جديد بين احتلال الغريب واستبداد ذوي القربى.

ورندا الرافضة الاحتلال والاستبداد معاً تردّ بالتعليق. في فيديو قصير تعتقل فرقة عسكرية وتعلّق أفرادها بالحبال (تشنقهم؟) على وقع واحدة من أهازيج الثورة السورية.

استوطنت الحرب. تتقلّب رندا في تصويرها بين استخدام الرصاص (الحيّ) والتكوين بالطين.

الوجوه والاجساد الطينية ممعوسة. كما قد تلقاها وقد إنتشِلتْ من تحت ركام بناية دمّرتها البراميل المتفجّرة، آخر مبتكرات صناعة الموت. تسمّي رندا شغلَها بالطين «الطين المشوي» في زلّة لسان تقول شواء الجسم البشري في الحرب.

التوحّش يعيد تكوين الجسد البشري: الضحية البشرية طائر قتيل مثلما تموت الطيور منقلبة على ظهورها.

تردّ رندا على الرصاص الحيّ ضد التظاهرات بالتصوير بالرصاص الحيّ. تصوّر بالرصاص لتقول كم ان «الرصاص الحي» يقتل.

مع الموت يتغيّر التعليق. يصير أفقيا بعدما كان عموديا.

في حروب الاخوة الاعداء يقتل الاخ اخاه، وفي حفلات التوحّش العربيدة تتسع أشداق الكبار لتلتهم الأطفال، أطفالهم، كما عند بعض الحيوان.

نعود الى مشاهد التعليق. نسوة معلقات بشعورهن. قتلى سابحون في فضاء محيّر، غادروا الارض لكنهم يعاندون قضاء الآلهة التي حكمت على الانسان «انت من التراب والى التراب تعود». انهم «الموتى الاحياء» كما في الثارات القبلية. متأرجحون مثل شلو هذا الطفل على الارجوحة. او قل، عكساً، انهم يسبحون في فضاء غامض مثل الاحلام. ها هي ارجوحة العيد وها هي المسافة القاتلة التي تفصل الطفل عن فرصة ان يمتطي الارجوحة ليعلو فوق كل هذا التوحّش.

 يقال في بلادنا عمن يرجو امراً بلا كبير امل في تحقيقه او الحصول عليه انه «معلّق بحبال الهوا».

لا تلعب رندا مداح مع الحرب والقتل والموت. تأخذها على اقصى محامل الجدّ. صمّمت ان تصوّر وتكوّن بواسطة ادوات الحرب وعنف الحرب وتشظي الحرب وبشاعات الحرب. وهذه الاعمال هي جزء من الملحمة المأسوية السورية، هذه حبال صوتية نابحة لشعب مستوحد في سجنه وإنقسامه وعذابه وموته، لكنه، في حريته المتوحشة وتشبّثه المهووس بالحياة، لا يزال معلّقاً بحبال الهوا.

فواز طرابلسي
  مجلة بدايات.
 
 
للمزيد
 الفنانة  رندا مداح تشارك معرض بباريس بغاليري أروبيا

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات