بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> الــزاويــة الـــثقــافــيــة  >>
رندا مداح تطفو بالأشلاء في تدرج رمادي لتنتصر للضحية
  24/07/2015

رندا مداح تطفو بالأشلاء في تدرج رمادي لتنتصر للضحية

الأيدي تمتد والكائنات تحاول أن تصمت، تنظر حولها وتحدّق في الفراغ أو في ما تبقى من ذاكرتها قبل لحظة الانعتاق، الوجوه مشوّهة ومنتفخة، الأجساد تستلقي، يقفز بعضها فوق بعض، أو تحضنها الأم حاملة الأطفال وأحيانا منغمسة جسديا معهم، تهيؤات يختلط فيها الحقيقي مع الخرافي في معرض الفنانة السورية رندا مدّاح المقام في صالة أوروبيا في باريس.

العرب عمّار المأمون

الكائنات في لوحات رندا مداح تحضر دون جنس

في معرض الفنانة السورية رندا مدّاح المقام في صالة أوروبيا بباريس، يخال المشاهد نفسه داخل حكاية قبل النوم تحكيها أم لأبنائها، إلاّ أن هذه الحكاية مسكونة بالهذيان الذي يصيب الأطفال قبل لحظة الرحيل، إذ تختفي الملامح ليتحول الجميع إلى ضحايا، الوجوه والكائنات تتداخل مع بعضها البعض ككتلة من رحيل.

نحن أمام مرجعية لا تستند إلى الواقع كما هو، بل تحيل إلى واقع مختلف مليء بالموت والمسخ، الحكاية الخرافية تستدعي الغول الذي يدخل لتبعده أيدي الأطفال- الضحايا، البرد حاضر، الصمت حاضر، جسد الأم- الأنثى يضحي أرجوحة وأحيانا غطاء. الكائنات التي تحضر في اللوحات دون جنس، غير واضحة المرجعية هي تكوينات قد تكون بشرية أو هلوسات لما يشابه الكائنات، إلاّ أن لها خصائص بشرية، فهي تنظر، تحزن، تبرد، تريد الكلام، تتخلل هذه التكوينات مومياءات معلقة، أيدي اصطناعية، قدم برأس دجاجة…

الحكاية الخرافية التي يستحضرها المعرض تغوص في بنية الكائنات لحظة الرحيل، إذ ينتهي الحضور البشري لتصبح الضحية كائنا معلقا في الذاكرة، لا يهم حضور جماليات الجسد البشري، ما يهم هو تواؤم هذه الكائنات بوجه الخوف.

ما نراه أقرب لأجنة تضيع في رحم الحكاية الخرافية، تتهامس، تشير إلى بعضها البعض، تمسك حبالا للأعلى، ما هو هناك، عاليا، يشكّل الثقل، وكأن الكائنات تنتظر الارتقاء- الولادة، الحكاية لا بدّ أن تنتهي، الكائنات تسبح في هيولى خرافية وتطفو بخفة ثم تنشطر لتكون نفسها، الضحية تولّد ضحية، الكائن يولّد كائنا، الموت ينتقل ويتناسخ كالوباء تحضنه ومضات من الذاكرة تبدو في الخلفية.

الضحية غارقة في الصمت ضمن لوحات مدّاح، لا تتحدث إلاّ حينما تتيقن من وجودها، هي تدرك أنها في اللاحسم، لم ترتق بعد، إن هناك ارتقاء بالأصل، هي تبحث عن الأمان، حضور الأم- الأنثى الحاضنة للجميع يمتلك مرجعيات تعود للقصة الشعبية والتفاصيل اليومية.

في إحدى اللوحات نرى طائرة ورقية على أرض خشبية ثم كائنا يحتضن كائنا يموت، أطفال تلعب، يد ممتدة تلتقط يد الكائن الميت، الشّعر الذي يُبرز الأنثى مشدود إلى أعلى، قد يكون الخلاص، في الخرافة لا حقيقة واضحة، كل شيء مفتوح على الاحتمالات.

الخيوط التي تتحكم في الكائنات واضحة بخطوط نحو الأعلى، أشبه بالحرب التي تداعب ضحاياها، تعيد تحريكهم كما تريد، الضحية تصمت، ثم تشارك أشباهها بالصمت، من هم في الأعلى، أصحاب الخيطان - وإن كانت وهمية- هم من يرسمون النهايات.

في الجدارية -اللوحة الأكبر في المعرض- تحضر الرؤوس المقطوعة والأيدي المقطّعة، تكثيف للصور التي تمر أمامنا يوميا للضحايا تحت الأنقاض، قد لا تكون التقنية التي شكلت هذه الكائنات عالية، إذ لا نقف مبهورين أمام التكوينات، إلاّ أن المفهوم الطاغي يجعل اللوحات تستدعي خيالات عن الصور التي نراها يوميا والماضي والموت الذي تشهده سوريا.

خيالات عن صور الضحايا الرمادية التي قتلت تحت القصف، أشلاء تطفو لتنتصر للضحية التي لا نعرف كيف كان تكوينها، نحن نرى فقط النهاية، البدايات معروفة هناك في الأعلى، حيث يهطل الموت من الطائرات.

التكوينات في معرض باريس مشابهة لتلك الموجودة في أعمال مدّاح السابقة سواء التشكيلية أو أعمال التجهيز، الاختلاف حاضر بالتقنية، إذ لجأت في معرضها الباريسي إلى قلم الرصاص، لتعتمد على اللونين الأبيض والأسود في التعبير، حيث يكون الرهان المفهوم الذي ينقله المعرض لا التقنية التي لم تحضر بصورة طاغية.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات