بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
حول الديمقراطية فـي عصـرنا الحـالــي
  22/01/2007

 

حول الديمقراطية فـي عصـرنا الحـالــي

 بقلم: ابو مجيد/ احمد علي القضماني

من المفيد للجماهير أن تدرك أنه لا معنى ايجابياً للديمقراطية في أية دولة من الدول إذا لم تتحقق أولاً المساواة بين المواطنين في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، وذلك لأن الحقوق السياسية المتساوية هي ثمرة ووليدة للتكافؤ والمساواة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي. وهنا يغدو واضحاً لكل مواطن ذي بصيرة ونضوج فكري الفارق الموضوعي ما بين الديمقراطية في الدول الرأسمالية، والديمقراطية في الدولة التي تدين بالاشتراكية العلمية. ففي النظام الرأسمالي تنحصر الثروات الكبيرة بيد أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة، وهم على الأغلب أصحاب القرارات الهامة في الدولة، وبذلك الديمقراطية فيها تخدم بالدرجة الأولى مصالح طبقة الرأسماليين وهم في كل الشعوب الأقلية، في عصرنا الذي نعيش فيه، وليسوا الأكثرية، وحسب الإحصائيات في الولايات المتحدة الأمريكية، مهما ارتفع عدد الرأسماليين. الكبار فيها لم يتجاوز عددهم الإجمالي ثلث السكان، والثلثين الاخرين من الشعب ليسوا في عداد الرأسماليين ومن البديهي ان ندرك أن من يملك هو الذي يحكم ويقرر سياسات الدولة في جميع الدول الرأسمالية، فالذين يحكمون يسيرّون أمور الدولة حسب مصالحهم في الدرجة الأولى. بينما في مجتمع الدولة الاشتراكية بعد ما ينتهي فيها تعدد الطبقات الاجتماعية ويصبح الجميع طبقة واحدة، تتحقق المساواة بين المواطنين في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، وتصبح الديمقراطية هي حكم الشعب لصالح الشعب بواسطة الشعب، وبذلك تصبح الديمقراطية نعمة يتمتع بها الجميع على قدم المساواة، أما في الدولة الرأسمالية كالولايات المتحدة الأمريكية مثلا، فالديمقراطية فيها منقوصة حيث الثروة المادية لا يتمتع بها جميع المواطنين على قدم المساواة بل هي لمصلحة الأقلية الرأسمالية.
والديمقراطية تتحقق بالنضال والكفاح، وهي ليست هبة ولا عطاء من احد، ولهذا فهي تحتاج لكثير من الجهد والى فيض من المعرفة والى تطوير مستمر للكفاءة لدى الجهات المناضلة من أجل تحقيق الديمقراطية الحقيقية، أي الديمقراطية التي تصب في مصلحة الأكثرية وهم في كل الشعوب العمال والفلاحون والموظفون الصغار والمثقفون الثورييون والحرفييون اليدوييون والفئات المحرومة التي لا تملك أرضاً ولا مسكناً وتعاني من شظف العيش.
والديمقراطية هي في الأساس أداة سياسية لتنظيم الصراع في المجتمع بوسائل سلمية، فالمجتمع ليس مجرد كم من الأفراد، بل هو علاقات ومصالح وطبقات وصراعات ومنافسات، وإذا لم ينجح المجتمع في تنظيم هذه الصراعات بوسائل سلمية، فإنه يتعرض لمخاطر العنف الذي قد يصل إلى الحرب الأهلية الطبقية بين الجهات المضطهدة التي حقوقها منتقصة. والجهات الرأسمالية والإقطاعية والموظفون الكبار الذين يقودون الدولة عادة مصالحهم المادية متناقضة مع مصالح الجماهير الكادحة، ومتناغمة مع مصالح الرأسماليين والإقطاعيين، وحتى أنها تلتقي أحياناً مع ما ترغبه دول الاستعمار والاحتلال، وتاريخ بلادنا العربية أثناء الثورات الوطنية التي قامت فيها ضد المستعمرين والغزاة الأجانب المحتلين حافلة بالشواهد على ذلك. أيضاً تاريخ جميع الشعوب التي أبتليت بالاستعمار يقر ويعترف بذلك، ومما ذكره الزعيم الصيني الثوري الكبير ماوتسي تونغ فيما نشر له من كتابات ان الجبهة الوطنية التي ناضلت من أجل حرية الصين واستقلالها التام بقيادة الحزب الشيوعي الصيني لم تضم في صفوفها كبار التجار المستوردين الاحتكاريين والملاكيين الكبار والقسم الرجعي من المثقفين المرتبطين بهم. وأثبتت الأحداث صدق ورجاحة فكر "ماوتسي تونغ" لأن هؤلاء انضموا في الوقت الحرج إلى "شيانغ كاي شيك" الزعيم الصيني الذي يمثل مصالح طبقة الرأسماليين والاقطاعين والديمقراطية التي تبقي سلطة الدولة في أيديهم كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ودول أخرى رأسمالية إمبريالية ذات تاريخ استعماري بغيض، وعندما أضطر "شيانغ كاي شيك" وجيشه للهرب إلى جزيرة فرموزا الصينية، رافقه وهرب معه كبار الأغنياء هؤلاء وأقاموا دولة على شاكلتهم في فرموزا نظامها الديمقراطي مماثل لأنظمة دولة حلف الأطلسي الرأسمالية ومتناقض مع الديمقراطية في الدول الاشتراكية الممثلة لمصالح العمال والفلاحين والجماهير الكادحة عامة الذين هم الأكثرية الساحقة في كل الشعوب.
على ضوء ما سبق يمكننا القول أن مفهوم الديمقراطية ليس سهلاً بل هو من أصعب المفاهيم الاجتماعية والسياسية تحديداً، وذلك لأنه يرتبط بالمعايير الاجتماعية والقيم الإنسانية، ويرتبط بطبيعة القوى المنتجة ووسائلها. فقد مرت المجتمعات البشرية عبر تاريخها الطويل بمراحل اجتماعية متميزة في نظمها الاقتصادية والسياسية والأخلاقية، وبات معلوماً أن القيم والمعايير الاجتماعية التي سادت في المجتمعات الإقطاعية تختلف عن تلك التي وجدت بعدئذ في المجتمعات الرأسمالية التي تلتها، أو في مجتمعات الرعي والصيد التي سبقتها، وفي جميع هذه المجتمعات المتعاقبة تحديد المعاني لمفهوم الديمقراطية يختلف بعضها عن بعضها الآخر، فمفهوم الديمقراطية عند الإقطاعيين هو غيره عند الأقنان والعبيد الذين ثاروا في روما قبل الآف السنين بقيادة "سبارتاكوس" من أجل الخلاص من العبودية المتوارثة جيلاً بعد جيل.
وخلاصة القول أن مفهوم الديمقراطية في زمننا الحالي عند الرأسمالي مختلف عن مفهوم الديمقراطية التي تصب في مصلحة العامل والفلاح والمواطنين الكادحين. بل هكذا يجب أن يكون عندما يزول الجهل وينتشر الوعي والمعرفة لدى العمال والفلاحين وجميع المواطنين الكادحين الذين يشكلون الأكثرية العددية في كل الشعوب. والوعي والمعرفة بالفارق الموضوعي بين الديمقراطية الرأسمالية والديمقراطية الشعبية لا يكفيان بدون النضال الجماهيري من اجل تحقيق وإقامة الدولة الاشتراكية على أسس متينة من الديمقراطية الشعبية التي تثمر المساواة والعدالة الاجتماعية وإلغاء الفوارق الطبقية وصولاً لمجتمع لا وجود فيه لفقراء وأغنياء بل الجميع فيه على قدم المساواة.
وفي البلدان المتخلفة نسبياً أو ما أصطلح على تسميتها بالعالم الثالث يعتبر تحقيق الديمقراطية مكسباً جماهيرياً كبيراً وانقلاباً اجتماعياً له أثره الايجابي فكرياً وسياسياً واجتماعياً، وهذا الانقلاب يشكل أرضية مثمرة لدفع عملية التقدم الاجتماعي إلى الأمام.
وفي عالمنا العربي غيبّت الديمقراطية طويلا، والإنسان العربي على الغالب لا يعرف الديمقراطية كشكل من أشكال الحكم في تاريخه الطويل، وبهذا حرمت مجتمعاتنا من ممارسة الحقوق الديمقراطية السياسية التي تمارس في العالم الرأسمالي المتطور، ولكن تطوره تم وجرى للأسف بالشكل الذي يخدم مصالح "أرباب المال وأصحاب الاقتصاد الكبير بالدرجة الأولى". لذلك من واجب الأحزاب التقدمية العربية أن توفر وتخلق مناخات ديمقراطية داخل مجتمعاتها لخلق الإنسان المحرر القادر على العمل الايجابي المفيد والقادر على تحريك التيارات والقوى الاجتماعية ودفعها إلى الأمام نحو بناء المجتمع الأفضل الذي تتحقق فيه الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية الحقيقية وتذوب فيه أخيراً الفوارق الطبقية، وتسود الديمقراطية فيه بأجمل صورها ومضامينها الإنسانية.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات