بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
أصبحنا وأصبح الملك لله
  23/01/2007

 

أصبحنا وأصبح الملك لله

بقلم : الأستاذ أحمد الخطيب
 

تشاء الاقدار ان تشرق الشمس يوميا على قرية الغجر من وراء جبال مزارع شبعا وتلالها، وجرت العادة ان ينظر الفلاحون الى المزارع في كل صباح ومع خيوط الفجر الاولى لعلمهم ان الصباح سيتنفس من هناك من الشرق، وان الشمس ستطلع من وراء اكماتها ومرتفعاتها ، فيهللون ويكبرون ، "اصبحنا واصبح الملك لله".

مزارع شبعا وقرية الغجر، لغزان كبيران منسيان عبر توالي الايام والازمان، لقد عاش سكانهما بعيدين عن الاضواء دهراً كاملاً، فالمزارع منطقة جبلية وعرة لا يمكن الوصول اليها الا على ظهور الدواب والبغال ، مما جعلها حصناً منيعاً، والغجر قرية بعيده مجهولة، تكََرّم شيخ الربوة بذكرها قبل سبعمائة سنة تقريباً، واخبرنا عنها في كتابه" نخبة الدهر" بانها اقليم تتبع لها مجموعة من القرى. ومنذ ذلك التاريخ لم يسمع عنها احد , ولم يتحدث بوجودها احد ،الا ان هذا الامر لم يضر بسكانها، بل اعطاهم القوة والقدرة على المحافظةعلى وجودهم وديموميتهم، فبنوا وزرعوا وعاشوا بكرامة وراحة بال ، حافظوا على علاقاتهم الطيبة مع جيرانهم وكانوا رمزاً للاخوة والمحبة والتسامح .

منطقتان متجاورتان يتعانق من خلالهما السهل بالجبل، وقوة الصمود بعزم الارادة ، والحب بالتسامح ،والعزيمة بالصبر على الشدائد، والمحبة والعمل الشاق بكسب الرزق الحلال ، والتعارف بالعيش المشترك .

عرف اهالي البلده معظم اهل المزارع وسكانها من خلال نزولهم من جبالهم وعملهم في اراضي القرية ، لقد كانت عائلات كريمة معروفة عرفناها من خلال المشاركة في المواسم الصيفية والزيارات، لقد كانوا نعم الشريك ونعم الجار ، اشتهروا بكرمهم وشجاعتهم وقوة شكيمتهم ، لقد اخذوا صلابتهم من صخور جبالهم وعظمة سنديانهم ، وعرفوا لينهم من زهور جبالهم ونسيم وديانهم وطيب عطرهم،تحدوا الليل المظلم ،والوحش المفترس وحافظوا على حياة حرة كريمة .

لم يعرفوا يوماً ما ، كما لم نعرف ، اتفاقيات سايكس بيكو ، وتعديلات نيوكمبولية ،واتفاقيات الحدود المشتركة، وانتماءات الهوية ،كل ما كنا نعرفة ويعرفونه بانهم اخوة لنا يحملون الهوية اللبنانية كما نحمل الهوية السورية ، ولكن هذا لم يكن ليقف عائقاً امام الجيرة الحسنه والعمل والتعاون المشترك على تذليل مصاعب الحياة اليومية.

قرية الغجر ومزارع شبعا كانتا منسيتان حتى وقت قريب ، وصراعات الجغرافية المناطقية جعلتهما يطفيان على السطح ، ليتحدث بهما وبمصيرهما القريب والبعيد .

لقد تصدرت هاتان المنطقتان الصحف ونشرات الاخبار منذ سنة" 2000" اي بعد تحرير جنوب لبنان ، ويكاد لا يمر يوم دون ذكرهما، حتى وصل الحديث عنهما الى اعلى المستويات الدولية ، فها هو الصحفي الامريكي المعروف" توماس فريدمن" ينشر في صحيفة نيويورك تايمز اقوال الرئيس" بيل كلينتون" التي كتبها في رسالته الوداعية قبل ساعات من رحيله عن البيت الابيض، يقول كلينتون :"ان الحرب القادمة في الشرق الاوسط لن تنطلق من الاراضي الفلسطينية ولا من العراق ،بل من قرية الغجر ومزارع شبعا في جنوب لبنان ".

اما الصحفي الاسرائيلي اليكس فيشمان فقد صرح في صحيفة يديعوت احرونوت الاسرائيلية بقوله: " ان احد الاماكن الوحيده في الشرق الاوسط التي يمكن لاطلاق النار على جرافة ،ان يؤدي فيها الى تدهور اقليمي في ايامنا هذه في قرية الغجر، في زاوية مهملة في اطراف هضبة الجولان ، التي ضمت الى اسرائيل خطأ، وان هذه القرية الصغيرة التي يقطنها اقل من الفي شخص هي اليوم اليوم مركز اهتمام دولي واحدى النقاط الساخنة في الكرة الارضية.

وكما نرى لم يكن الحديث عن جمال موقعهما الطبيعي، بل عن اهميتهما من الناحية الاستراتيجية والحربية ، والتوقع ان الشرارة الاولى للنزاع الاقليمي يمكن ان تكون منهما، او بسبب الاطماع التي تترتب من السيطرة عليهما .وهنا لا بدَلنا من ان نعرف القاريء الكريم بهذين الموقعين، ليكون على دراية فيما يحصل حوله من احداث وتطورات :

فقرية الغجر هي قرية سورية تقع على السفوح الغربية لجبل الشيخ (اي على سفوح تلال المزارع )تحيط بها الاراضي اللبنانية من جميع الجهات عدا الجهة الشرقية، حيث يربطها بمنطقة الجولان السوري المحتل ممر مناسب يؤمن اتصالها بالعمق السوري ، كما انها تشرف على مجرى نهر الحاصباني ، وعلى نبع الوزاني الذي يغذي مجرى الحاصباني بالمياه طوال اشهر السنه ،عدد سكانها حوالي" 2200 نسمة "، ومساحة اراضيهم الزراعية تقدر" 11500 دونم".

مرّ ما يسمى بالخط الازرق الذي رسمه" لارسن" تلبية لرغبة اسيادة ،مر في وسط القرية ،ولكن السكان رفضوا هذا الخط ،ورفضوا هذا القرار الجائر، لانه يؤدي الى تقسيم السكان واضاعة الارض ، ولا زالوا متمسكين بموقفهم هذا، مماحدا بالامم المتحده للترسيم هذا الخط الوهمي من الجو.

تعرض ويتعرض سكان البلدة لضغوطات كثيرة ، منها محاولة تهجيرهم من منازلهم، او التعويض مقابل الاخلاء ، او تقسيم القرية بواسطة اسلاك شائكة وفصل العائلات عن بعضها.......وما الى ذلك. الا ان السكان رفضوا جميع هذه القرارات حتى انهم رفضوا وقوف الامم المتحدة على الخط الازرق داخل البلده ،لانه يجسد التقسيم بكل معنى الكلمة.

اما مزارع شبعا فهي المنطقة الجبلية الواقعة في اقصى جنوب شرق لبنان ،الى الجنوب الشرقي لبلدتي شبعا وكفرشوبا ، ومزرعة المجيدية . يتراوح ارتفاعها عن سطح البحر بين" 1700- 1100 م" ، وبالاضافه الى كونها منطقه جبليه الا انه يوجد بها مساحات واسعه من الارض السهلية الصالحه للزراعه والتي تتميز بخصب تربتها ، كانت مأهوله بالسكان حتى عام "1967 " وقد اعتمد اهلها على الزراعة وتربية المواشي وخاصة الماعز منها.

اما حدودها الجغرافيه : فتبدأ من وادي العسل شرقاً وتنتهي بقصر شبيب شمالاً، اما من الغرب فيحدها خراج قرى شبعا وكفر شوبا والمجيديه ونهر الوزاني ، ومن الجنوب حدود فلسطين الى بانياس.

وهي تشتمل على المزارع التالية: من الجنوب الى الشمال: خلة الغزاله ، القرن ، فشكول زبدين ،قفوة، بسطرا ، رمثا، الربعة، الغبرة، جورى العقارب ، بيت البراق، مشهد الطير ، كفر دورة،برختا ،مراح الملول.

ويستثنى من هذه المزارع مزرعة المغر ، التي تسمى مغر شبعا ، لانها تقع ضمن الاراضي السورية لكون سكانها من السوريين ، وقرية الغجر التي اختار سكانها الجنسية السورية ، لذلك الحقت المزرعة والقرية بسوريا حسب اتفاقية عام" 1936".

تبلغ مساحة هذه المزارع" 36 كم2"، وقد زرتها مرات عدة في اطار الرحلات الشبابية للتعرف على معالمها وطبيعة تضاريسها وانواع اشجارها ، وينابيعها واثارها التاريخية،برفقة احد المرشدين المختصين ، كان ذلك في بداية التسعينات من القرن الماضي ، حقا انها عالم مكتمل ،فمن الجبل الشاهق الىالوادي العميق،الى السهل الواسع الفسيح ، الى الازهار المتنوعه التي لا تنبت الا على علو الف متر واكثر، الى الاشجار الحرجيه المختلفه والتي تزهر اوائل حزيران من كل عام بعد ان تذوب الثلوج التي تغطي جبالها، الى الينابيع التي تتفجر من سفوح وديانها ، لقد رأينا بيوت السكان المهجورة او المهدمة ،وهياكل العبادة وخاصة في "مزرعة برختا" التي تطل على وادي العسل الاعلى ، هذه الهياكل التي يعود تاريخ بنائها الى ما قبل الميلاد ،عندما كان الناس يعبدون الشمس والكواكب ، كما كان واضحاً للعيان السلاسل الحجرية التي اقامها سكان المزارع حول الارض السهليه منعاً لانحراف تربتها ، وذلك لاستغلالها لزراعة المواسم الشتوية والاشجار المثمرة التي كانت لا تزال موجودة فوق تلك الارض الطاهرة. نعم ، لقد انتابنا شعور غريب فان ذلك الانسان الذي روض الطبيعه وتفاهم معها، واستفاد من تقلباتها، يستأهل منا ومن الانسانية كل التقدير والاحترام ، فهو لم يشكو ويتذمر من غضب الطبيعة وقسوة الحياة، بل تشبث بارضه وحجره وجبله، ليقدّم خدمة لابناء شعبه، وليحافظ على كيانه وكيان دولته .

وماذا عن الاتفاقيات الدوليه بشان المزارع وقرية الغجر؟

من المعلوم بان الحدود التي يتهافت عليها البعض ويلهثون وراء تطبيقها لم تكن موجودة في العهد العثماني ، وكان ما يسمى اليوم بدولة لبنان ، وسوريا ،والاردن ،وفلسطين ،كلها تتبع تسمية واحده هي "بلاد الشام" اي ان الحدود المصطنعة التي تفصل هذه الدول عن بعضها لم تكن موجودة . وعندما حدثت الحرب العالمية الاولى 1918-1914"، ساء الدول الاستعمارية ان تبقى بلاد الشام موحدة ، فعملوا على تقسيمها الى دويلات وكيانات كي يسهل السيطره عليها ، وابتزاز خيراتها ، واهانة شعبها، وبذر روح الطائفية بينها ، فكان له ذلك،حيث بيت في الخفاء، وطلع علينا باتفاقية " سايكس بيكو" وغيرها، التي قسمت العالم العربي كله بين الدول المستعمره ، من شمال افريقيا الى بلاد الشام . وكان اهمها دولتي بريطانيا وفرنسا،حيث قسموا اماكن النفوذ بينهم بحيث فرقوا دول بلاد الشام ، فسيطرت فرنسا على سوريا ولبنان، وسيطرت انجلترا على فلسطين وشرق الاردن، كي لا تجعل التواصل السكاني مستمراً، ولكي تفرض العقوبات على كل من يتجاوز الحدود من منطقه الى اخرى .

ولما كانت سوريا تضم بين جناحيها لبنان، وتتبعان للانتداب الفرنسي لم تكن فرنسا على عجلة من امرها لترسيم تلك الحدود ،على الرغم من وجود لجان درست ووضعت حدوداً مصطنعة بين الدولتين ، الا انها لم تستوف شروط تلك الحدود ، وخاصة وان الاراضي اللبنانية والسورية متداخلة مع بعضها، وكل منها يتبع الى هوية اخرى . لقد عملت اللجان جهدها كي تحل هذه الازمة الا ان جذورها لا تزال مستمرة حتى اليوم .

ونعود الى مزارع شبعا والغجر :

ففي سنة "1920" وقبل انشاء دولة لبنان الكبير ، كان القسم الشمالي من المزارع يتبع الى حاصبيا ،والقسم الجنوبي يتبع الى قضاء مرج عيون ،اما قرية الغجر فكانت تتبع الى قضاء القنيطره محافظة دمشق .

وفي نفس السنة "1920" اصدر المفوض السامي الفرنسي قراراً بانشاء دولة لبنان الكبير، وبموجب هذا القرار اعتبرت مزارع شبعا لبنانيه ، كما اعتبرت صيدا لبنانية لانها لم تكن قبل هذا القرار تابعة لمتصرفية جبل لبنان .

لقد لقي هذا القرار معارضة شديدة من المسلمين في الجنوب والشمال ،وعقدوا مؤتمر" وادي الحجير 1920 " ،وكان من اهم قراراته رفض الكيان والمنشأ ،ورفض الانسلاخ عن سوريا ، مما ادى بالمنتدب الى الاكتفاء بوضع خريطة تترجم القرار دون أن تنشر ، و لم يكن يرى ضرورة لنشرها لانه الحاكم المنتدب لسوريا ولبنان معاً.

لم توضع اتفاقية" كانون الاول 1920" موضع التنفيذ الا بعد توقيعها من قبل فرنسا وبريطانيا في "عام 1923 "وسميت اتفاقية :" بوليه نيوكمب" ، وهي التي حددت حدود لبنان مع فلسطين ، ولم تصادق عليها عصبة الامم الا في سنة "1932" . وبذلك اصبحت حدودا دولية شرعية.

سنة "1932 "جرى احصاء لتكريس الفصل بين سوري ولبناني ، بعد ان هدأت الخواطر اللبنانية الرافضة لدولة لبنان الكبير .

وفي سنة "1934" ، وبعد ان صادقت عصبة الامم على الحدود مع فلسطين، اراد المنتدب الفرنسي ان يثبت الحدود بين لبنان وسوريا ،فكلف لجنه عسكرية من جيش الشرق لوضع الخريطة السياسية اللازمة ، وتثبيت خط الحدود عليها . وكان في عداد هذه اللجنه ضباط من السوريين واللبنانيين .

يقول" الدكتور العميد الركن امين حطيط" :"ان اللجنه اصطدمت بعقبات كبيره اذ ان القرار الذي حدد لبنان توصيفا لخط الحدود ، لم يفصل في الملكيات العقارية للافراد الذين اختاروا جنسية احد البلدين ، وجاءت عقاراتهم في سيادة البلد الاخر ".

وفي سنة" 1936" وبعد سنين من عمل اللجنة قرر المفوض السامي الفرنسي ان تعتمد اللجنه جنسية السكان معياراً لالحاق اراضيهم ، كما وقرر ان يعتمد حدود القرى والملكيات العقارية المدى الجغرافي المقبول للحدود.
وبهذا انضمت المزارع غربي وادي العسل الى لبنان لان سكانها لبنانيون، اما المزارع شرقي وادي العسل فانضمت الى سوريا لكون سكانها سوريين . اما قرية الغجر فقد تبعت الى سوريا مع جميع اراضيها ، وذلك حسب رغبة سكانها،على الرغم من تداخل اراضيها وتشابكها مع الاراضي اللبنانية.
توقفت اعمال اللجنه مع اندلاع الحرب العالميه الثانيه ،ولم يستكمل وضع الخريطه السياسية للمصادقة عليها، وفي سنة "1946 " وبعد جلاء القوات الاجنبية عن سورية ولبنان ، انشأت لجنة قضائية للبت في الخلافات الحدودية ، وخلال البحث تبين للجنة ان سكان" الغجر" اختاروا الجنسية السورية ، كما ان" مغر شبعا" يملكها سوريون ، لذلك فان القرية والمزرعة تتبعان الى سورية حسب اتفاق" 1936 " الذي ينص على ان هوية الارض تتبع لهوية السكان .
ويظن بعض المؤرخين ان الممر الذي يربط قرية الغجر بالاراضي السورية قد اقتطع من اراضي ا لنخيله، وهذا غير صحيح بحسب معرفتي بالمنطقة واراضيها ، والصحيح ان هذا الممر هو من اراضي" المغر" السورية واراضي" قرية الغجر" المحاذية والمحادة لاراضي "مزرعة المغر" ، وان هذا الممر لم يقام خصيصاً من اجل سكان قرية الغجر السوريين بل اقامه الفرنسيون من اجل الوصول الى الجنوب اللبناني ومنه الى بيروت، لذلك عملوا على شق طريق معبد بالاسفلت يصل" القنيطرة" بمرجعيون عن طريق" بانياس" ،وهذا الطريق شق باراضي" الغجر" حتى الحدود اللبنانية ، وكان يبعد عن" الغجر" حوالي 2 كم ، مما اضطر السكان الى شق طريق من" الغجر" الى الطريق الذي شقه الفرنسيون ، وكان طريقاً ترابيا ًالى ان عبّد سنه 1965.
في سنة" 1966" شكلت لجنة لبنانية سورية مشتركة للبت بكل المسائل العقارية العالقةعلى طول الحدود ، وقامت اللجنة بعملها استكمالاً لعمل اللجان السابقة، وكان اتفاق حول لبنانية المزارع بصيغة" "1946" (اي الى وادي العسل واخراج المغر واراضيها والغجر واراضيها منها ) الا ان هذه اللجنة لم تستكمل اعمالها بسبب حرب" 1967 "مما ادى الى عدم تصديق المحاضر بين الجهات السياسية المسئولة في البلدين ، وقد توقفت هذه اللجنة عن العمل بسبب الحرب ونتائجها .
وفي سنة" 1970" وصل الى الرئاسة اللبنانية المرحوم الرئيس" سليمان فرنجيه" ، وكانت تربطه بالمرحوم الرئيس" حافظ الاسد "علاقات صداقة وود ، مما حدا بالمرحوم "الرئيس فرنجيه" الطلب من المرحوم فخامة "الرئيس الاسد" ، وضع حد نهائي لمسألة الحدود بين البلدين ، فأستجاب المرحوم الرئيس لطلب صديقه" فرنجيه " ، واطلق مقولته الشهيرة التي رددها ولا زال يرددها كل مواطن شريف وهي"لبنان وسوريا شعب واحد في دولتين " وبهذه المقولة اكد المرحوم سيادة الرئيس على اعترافه بدولة لبنان ، الامر الذي كان يقلق جميع الحكومات اللبنانية منذ رحيل الانتداب .
وتنفيذاً للوعد والتفاهم اعيد العمل باللجنة المشتركة للحدود اللبنانية السورية ، التي أقرت جملة مبادئ عامة لحل الخلافات الحدودية ، ورفعتها الى مجلسي الوزراء في البلدين . وقد اجتمعت هذه اللجنة في دمشق بتاريخ "17 و18 ايار 1971" وقد دار البحث حول جميع الامور المعلقه ، واهم ما اتفق عليه ما يلي :
1- اعتبار الحد العقاري للملكيات والقرى حدا ًدولياً ، وذلك في المناطق المنفذ فيها اعمال التحديد والتحرير .

2- اعتبار الحدود الادارية للقرى هي الحدود الدولية في المناطق التي لم تنته فيها اعمال التحديد والتحرير .

3- اعتماد الخرائط العقارية التي نظمها المتعهد الفرنسي "دومرافور 1936"، واعتبارها ملزمة للطرفين .
واقترحت اللجنة :المصادقة على خريطة سياسية موحدة للبنان ، تتجاوز الصعوبات العملية والفنية في ترسيم الحدود ،مع الاحتفاظ بحق المالكين بالاستثمار الزراعي على جانبي الحدود .
وفي" 18- 8 -1971" صادق مجلس الوزراء اللبناني على هذه المقترحات في جلسته التي عقدها في" اهدن" .
وتم الايعاز الى الدوائر المختصة لوضع الخطة موضع التنفيذ.
بعد كل هذا ، ايحق لمن رسم الخط الازرق المزعوم تقسيم قرية الغجر ؟ اليست قرية الغجرسورية الهوية والسكان والارض ؟ اليست تابعة لجميع الاتفاقيات المذكورة اعلاه ؟ ام ان لارسن ذلك المبعوث النرويجي الذي رتب ورسم الخط الازرق بالاتفاق مع اسياده وبغياب الرأي اللبناني والسوري يعرف اكثر من اصحاب الارض وملاكها ؟
ان عملية الترسيم بين لبنان وسوريا لم تبدأ بعد بشكل فعلي ، وان هذه العملية تتضمن اربع مراحل ،اخرها وضع العلامات الحدودية على الارض، وان العمليات الثلات قد انتهت وبقيت المرحلة الرابعة وهي وضع العلامات على ارض الواقع ، وهذا لا يتم ما دام الاحتلال مسيطراًعلى الارض .
ونحن نعجب كيف يرضى اللبنانيون أن يأخذوا أرضا ليست لهم والاتفاقية تعتبر ان الحدود العقارية للملكيات والقرى هي الحدود الدولية.
اليست قرية الغجر سورية محتلة ؟ فكيف يرضى لبنان ان يرسم الحدود بينه وبين المحتل ويتناسى ان لهذه الارض ولهذا القرية راعياً ومالكاً اسمه سوريا؟ اليست الموافقة على هذا الترسيم تخدم المحتل ! أم اننا نكيل بمكيالين ! فكيف يكون ترسيم الحدود في مزارع شبعا مرفوضاً في ظل الاحتلال (وهذا أمر اتفقت عليه كل من سوريا ولبنان) ، ويكون مسموحاً في منطقة الغجر ؟ أليس ما ينطبق على المزارع ينطبق على قرية الغجر، أم لكل منهما مكيال يخضع للتقلبات الدولية ومصالحها المغرضة ؟
ان تقسيم قرية الغجر العربية السورية، وحرمانها من جزء كبير من اراضيها هي مؤامرة رعتها ونفذتها الامم المتحدة التي مارست شأناً ليس من صلاحيتها،لانها ليست الجهة الصالحة لتعيين الحدود بين الدول. وعلى هذا فأن الخط الازرق المزعوم الذي قضم قسما ًكبيراً من اراضينا وقسّم قريتنا، هو باطل ولا يستند الى اي اتفاقية من الاتفاقيات التي وقعت بين لبنان وسوريا ، وان حدود اراضينا التي نملكها والتي تعد حدوداً دولية بحسب الاتفاقيات المعقودة تبعد عن القرية وتتداخل مع الاراضي اللبنانية شمالاً ، وهي معروفة عند جيراننا أهل قرية "الماري"، وتبلغ مساحتها اكثر من ألف دونم.
ألا يتساءل المرء لماذا تم ترسيم الخط الازرق في منطقة قرية الغجر فقط ! ولم يتم في اي منطقة أخرى من الحدود اللبنانية السورية ! والجواب يعرفه القاصي والداني ، وهو مصادرة الالاف من الدونمات واغتصابها ، وتهجير الالاف من السكان، واقتلاعهم من جذورهم وارضهم ليعيشوا لاجئين في مكان ما .
أما موقف أهل القرية فهو الصمود في وجه جميع المحاولات التي تستهدف حياتهم ومستقبلهم ومصيرهم ،
وانهم متمسكون بموقفهم الرافض للتقسيم والتهجير واضاعة الارض .
اننا على ثقة بصمود أهلنا ووحدتهم ووقوفهم صفاًواحداً في وجه كل الطامعين، والمتامرين والمفسدين . وأن اي محاولة لتغيير الواقع على الارض سوف تجابه بالاساليب المناسبة.
ونؤكد على ان ما دار في محادثات الناقورة بين الوفود العسكرية اللبنانية والاسرائيلية، وما توصلوا اليه من فاهمات وقرارات بشأن قرية الغجر ، هو أمر مرفوض من قبل جميع سكان البلدة، لان هذه القرارات اتخذت بغياب الدولة السورية صاحبة الشأن التي ليس لغيرها أي حق في مناقشة أمور القرية ، كما اتخذت بغياب أي ممثل عن القرية، حتى أن هذه القرارات بقيت غامضة وغير معروفة لاحد من أهل القرية، فماحيك في الظلام ، سيطلع علية الصباح ويمحوه النهار.
ان المظاهرات والاحتجاحات التي قام بها أهل القرية وعبروا عن مشاعرهم وطموحاتهم لهي اكبر دليل على رفضنا لما يحاك ضد قريتنا من مؤامرات وتسويات ، واننا نعود مجدداً لنؤكد انه ليس لاحد الحق في فرض اي واقع جديد من طرف واحد ، فلا للبنان ولا لاسرائيل اي حق في تطبيق اي قرار يخالف قواعد القانون الدولي والشرعية الدولية، فتقسيم القرية ، او تهديم بيوتها أو اجلاء سكانها ، او مصادرة اراضيها امور مرفوضة وليس لها اي مصداقية دولية ، وان المؤسسات الدولية وجمعيات حقوق الانسان ومحكمة العدل الدولية لن تسمح بتمرير هذا المخطط الذي يهين الكرامة الانسانية ويحط من قيمة ومشاعر الشعوب .
اننا نطالب الامم المتحده ، والدول المعنية ان تعود الى التفاهم الذي تم بعد سنة "2000" وبقي ساري المفعول حتى سنة" 2006" ، والذي يعتبر القرية جزء من الجولان السوري المحتل ، وان وضعها سيسوى ضمن اتفاقية السلام المتوقعة بين دول المنطقة ، بعد تطبيق القرار الدولي" 242" وانسحاب اسرائيل الى خط الرابع من حزيران" 1967" .
الحكومة السورية اعترفت بلبنانية مزارع شبعا على لسان قائد الامة سيادة الدكتور بشار الاسد أعزه الله ورعاه ، وعلى لسان السيد وزير الخارجية ، وجميع المسئولين السوريين، وذلك تطبيقاً واحتراما للاتفاقيات التي وقعت بين البلدين"سوريا ولبنان" .
فهل لدى الحكومة اللبنانية الشجاعة المطلوبة للاعتراف بسورية قرية الغجر واراضيها المتداخله مع الاراضي اللبنانية؟ واعتبار الخط الازرق باطلاً وملغياً في منطقة الغجر، لانه رسم من طرف واحد وقضم الاف الدونمات من الاراضي السورية والتي من المفترض أن توضع نقاط الحدود على تخومها الشمالية المجاورة للاراضي اللبنانية.
وهل ستحترم الحكومة اللبنانية الاتفاقيات التي وقعت عليها والتزمت بتطبيقها ، وكان اخرها اتفاقية عام 1971؟
نأمل ذلك، وان غداً لناظره قريب .


المصادر:

- جريدة السفير اللبنانية.

- جريدة الديار اللبنانية.

- جريدة النهار اللبنانية

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات