بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
علاقتنا بعضنا ببعض
  15/08/2005

علاقتنا بعضنا ببعض

منى أبو جبل

إن العلاقة بين الأفراد ما هي إلا نتاج مجتمع وعادات وقيم, والتقاليد الفكرية هي وليدة المجتمع وحصيلة ظروف موضوعية. نربي أبنائنا على الفردية في العائلة، حيث نزرع الشخصية الفردية، وهنا تكمن المأساة، حيث ينتج تناقض رهيب بين الفرد والمجتمع.
نزرع في قلوب أولادنا القيم المثالية: المحبة, التعاون، والصدق، يتعلمها لفظياً في البيت، وحتى في المدرسة، ولكن سرعان ما ندرك ونكتشف، تلقائياً، أن هذه القيم، من خلال تصرف الوالدين والأفراد بالمجتمع, أي من حوله، وكيفية التعامل معهم، ليست إلا قيم سطحية، لا ارتباط لها بالحياة الواقعية والسلوك. يتعرف هذا الفرد إلى نمط من السلوك، يفرضه عليه المجتمع من حوله، يستند إلى العدوانية والتنافس والخداع والقهر.

لم تكن كتابات الكاتب الفلسطيني الكبير (هشام شرابي)، حول المواضيع الاجتماعية عنوة, بل لما وجد ولمس تدهور علاقات الأفراد بين بعضها البعض، وخسارة المجتمع ككل لأفراده.

تتبادر إلى أذهاننا عدة أسئلة:

هل حقا نزرع القيم في قلوب أبنائنا كما يجب؟

هل أبناؤنا بدورهم يستجيبون لكلامنا وإرشاداتنا؟

هل سنبقى غافلين عما يدور حولنا؟

لنعود إلى الماضي قليلا، حتى ولو كان هذا الماضي يزعج فئة من الناس، ولكن، مهما كبرنا ومهما تعلمنا، لا يمكن أن نتنكر للماضي، الذي هو أساسا لما نحن فيه.

الماضي: قيم, عادات, تقاليد, محبة, إخلاص, الإحساس بمشاعر الآخرين, علاقات إنسانية, مشاركة وعطاء, وتعاون وتسامح، وهذا جزء بسيط مما تربينا عليه داخل العائلة، وبالتالي في المجتمع, فلم تكن هناك نزعة فردية، تشكل هذا التناقض بين المجتمع والفرد.

أبناؤنا اليوم لا يريدون أن يسمعوا أية كلمة من ا لماضي، وكأنه شبح يخافون منه! الحياة تسير بشكل أفضل، نعم, بفضل التقنيات الموجودة اليوم، وبفضل تقدم العلم، ولكن هذا لا يعني أن نرمي عاداتنا وتقاليدنا إلى الوراء، بل العكس، علينا أن نتمسك بها و نمسك حبلاً يربطنا بها ونشده إلى أولادنا، ونسعى إلى أن لا ينقطع آبدا. نعطيه لأولادنا ليتابعوا به إلى الأمام، لأن المستقبل، إن لم يكن مبني على أساس قوي، لا نستطيع مواصلة مسيرة حياتنا.

لنستيقظ من غفوتنا تلك، ونرى ما الذي يحصل اليوم بين بعضنا البعض. لماذا هذا النفور بيننا وبين أبنائنا؟ كل شيء تغير. نخسر بعضنا يوما بعد يوم، على جميع الأصعدة. نرى علاقة أفراد العائلة يسودها الحقد والحسد، أكثر من المحبة والتسامح. علاقة الأولاد مع بعضهم, الأم وابنتها الأب وابنه، الزوج والزوجة، العائلة ككل. كل واحد منهم يريد أن يسلك سلوكا حسب هواه، لا حساب للآخرين، على صعيد العادات التقاليد، التي تلائم مجتمعنا. نكتسب عادات ليست لنا، وكأن عادات الآخرين هي التي نتحلى بها، ونفكر أنها لمصلحتنا ومصلحة مجتمعنا. ولا نريد أن ندرك، أن هذا التقليد هو سبب الشجار اليومي، الذي يحصل داخل كل عائلة. يريد الأبناء أن يحصلوا على الحرية والتقدم، بزي الآخرين، وبكلام الآخرين، وبعادات وقيم الآخرين. يتسابقون، من الأقوى بـ "الموديل", من هي الفتاة التي تبرز مفاتن جسدها أكثر، أو أن تتباهى كم من "الموديلات" تملك- شبابا كان أم ثيابا، لأن الشاب هو تغيير حسب "الموديل".

علاقة الأصدقاء بين بعضهم البعض، من اجل المصلحة الفردية نخسر بعضنا. كل يريد لنفسه الأفضل، ولا اعتبار لمشاعر الآخرين، حتى ولو كان أعز الأصدقاء. الأنانية, النزعة الفردية، والمصلحة الشخصية، على حساب الآخرين، حتى انه يعادي المجتمع على حسابه بدون سبب.

علاقة الزوج مع زوجته، عدم التفاهم، وعدم التقيد بأسس محددة، لمصلحتهم ومصلحة أبنائهم. نتسلى بكلمة كل الأبناء هكذا، ولكن السؤال: إذا فلان يسير بطريق خطأ، هل علي ان اتبعه؟!

علاقة الطالب والمعلم. فالطالب هو الذي يملي على المعلم ما الذي يريده, لا احترام ولا اعتبار لهذا المعلم. هناك من يقول انه ليس بالإمكان السيطرة على أحداث اليوم، هذا لا يعني أن المشاكل أو الأحداث هي غير أحداث الأمس. نستطيع معالجة الأمور، وهذه العقبات، بالتربية الصالحة المتينة والإقناع والإرشاد.

حتى علاقة الحبيب مع حبيبته، لا نشعر بذلك الحب الصادق، الذي ينم عن مشاعر جياشة، بل نرى تغيير الحبيب مثل تغيير أي موضة، يتبدل حسب المزاج!

فعلى صعيد المجتمع نعتبر مجتمعنا متحضر ومثقف, ولكن، نرى أن كل واحد يقاتل بالحق والباطل على كل شيء. نرى الأخ ينازع أخاه من أبيه وأمه البقاء, والواحد لا يعمل عملا إلا وزاحمه غيره عليه. لا يلبث هذا الفرد أن يتقن عملا ما، حتى نرى الجميع قد أقبل على هذا العمل، وأصبحت الحياة: نجاحي بفشل الآخرين، وليست بنجاحهم، لأن هذا انعكاس لما يكن كل واحد للآخر من غيرة وحقد وحسد.

كلماتي هذه ليست إلا كلمات كل عائلة تعاني من هذا الوضع الحالي. لنركز اهتماماتنا على أبنائنا فقط، نمد لهم يد العون، في سبيل شق طريقهم للمستقبل، بالشكل السليم والصحيح، لأن الطفل يعي أمور يتعلمها منذ الصغر، تكبر معه ويكبر على كل ما يكتسبه سلبيا كان أم إيجابياً.

أتساءل هل سيبقى حال مجتمعنا هكذا؟ غافلين عما يدور حولنا؟! يأخذنا المركب بعيداً ولا ندري إلى أين! إلى الغرق, أم إلى الهلاك, أم سيظل عائماً فوق البحر؟!
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات