بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
مناسبة ربع قرن على إضراب أبناء الجولان المحتل ضد قرار الضم..
  19/02/2007
 

حقائق وذكريات..

بمناسبة ربع قرن على إضراب أبناء الجولان المحتل  ضد قرار الضم..

احمد علي القضماني
في الحرب التي شنتها إسرائيل على جيرانها في حزيران عام 1967، وقع القسم الأكبر من منطقة الجولان السورية تحت الاحتلال الإسرائيلي. ونتج عن ذلك نزوح 93% من السكان إلى عمق الوطن وعددهم حوالي 150 ألف نسمة استطاع تسعة الآف نسمة منهم الصمود في قراهم الواقعة في شمال الجولان وهي مجدل شمس، بقعاتا، مسعده، عين قينة، سحيتا الغجر، وقامت السلطة الإسرائيلية بهدم القرى التي نزح سكانها منها شرقاً إلى داخل سورية، وأعلنت أن القرى المدمرة باتت منطقة عسكرية مغلقة ممنوع الدخول إليها، وبعد بضعة شهور مارست سلطة الاحتلال ضغوطاً على سكان قرية سحيتا لكي ينتقلوا منها إلى قرية مسعدة وذلك بحجة وجودها الملاصق لخط وقف إطلاق النار، وبعد انتقالهم منها تم تدميرها أيضاً وأقامت موقعاً عسكرياً على أنقاضها.
وبقاء سكان القرى المذكورة فيها جاء نتيجة لعدة عوامل منها شمال الجولان لم يتعرض أثناء الحرب لما تعرض له وسط الجولان وجنوبه من قصف الطائرات والمدافع، ودخول الإسرائيليين لهذه القرى تم بعد مضي ثلاثة أيام على وقف إطلاق النار، وبالإضافة لذلك، فإن الأراضي المملوكة لسكان هذه القرى مشجرة بأشجار مثمرة وأصحابها ميسوري الحالة بسبب ذلك يعز عليهم التخلي عنها مهما كلفهم ذلك من ثمن، أما غالبية سكان قرى الجولان الأخرى التي رحل سكانها منها أثناء الحرب فهم فلاحون بدائيون وانتاجهم الرئيسي يعتمد على الرعي وتربية المواشي. زد على ذلك السكان الذين صمدوا في قراهم كانت لهم مشاركة بطولية في الثورة الوطنية السورية ضد الاستعمار الفرنسي وتعرضت مساكنهم للتدمير والحرائق، فاضطروا لمغادرة قراهم والتوجه إلى أماكن أخرى لحينما توقفت الحرب، وبعد عودتهم اليها شيّدوا مساكنهم من جديد وتعاهدوا على عدم التخلي عنها مستقبلاً مهما بلغت التضحيات ولقنوا أولادهم هذا الدرس ليستفيدوا منه إذا كرر التاريخ نفسه.
هذا وتبين بعد مضيّ سنتين على الاحتلال ان إسرائيل صاحبة المصلحة بسياسة "فرّق تسد" مثل كل دولة استعمارية ومعادية، في مقدمة أهدافها إزاء سكان الجولان العرب الدروز إظهارهم وكأنهم من أصدقاء إسرائيل وموالين لها وبأنهم بقوا في مساكنهم وأرضهم لأنهم يشعرون بذلك، أي لا يعتبرونها عدوة لهم، مع أن العكس هو الصحيح ووعيهم وشجاعتهم من عوامل تثبيت أقدامهم في قراهم التي يعز عليهم تركها لقمة سائغة للإسرائيليين المحتلين. زد على ذلك فقد تبين أيضا أن حكام إسرائيل يتوهمون بأن الدروز ليسوا غيارى على قوميتهم العربية، وبأنهم يوافقون على قيام دولة درزية يكون دروز الجولان نواة لها على أن تشمل مستقبلاً دروز سورية ولبنان وتكون متحالفة مع إسرائيل، والى جانب ذلك إقامة دولة مارونية في قسم من لبنان على شاكلة دويلة سعد حداد التي أقامتها بعدئذ في جنوب لبنان بعد احتلالها له في عام 1982. لكن جميع هذه الجهود باءت بالفشل الذريع، فلم يتحقق هدفها بفضل إخلاص دروز الجولان لوطنهم وعروبتهم، وسقطت دولة سعد حداد وأنطوان لحد بعد تحرير لبنان عام 2000 بفضل تضحيات المقاومة الوطنية اللبنانية.
ومنذ الأيام الأولى من عمر الاحتلال عام 1967 بدأ تكوين المشروع الوطني المضاد للإحتلال في مجدل شمس، وسرعان ما انتشر إلى القرى المحتلة الأخرى، فقد تكونت خلايا سرية تجمع معلومات مفيدة للوطن ويتم نقلها إلى السلطة السورية عبر خط وقف إطلاق النار. ثم تبلورت جبهة سياسية وقام تجمع وطني له امتداد جماهيري في القرى السورية المحتلة أخذ على عاتقه إحباط مخطط سلطة الاحتلال وسعيها لصهر مجتمعنا في الكيان الإسرائيلي وجعل ذلك أمراً واقعاً مفروضاً وإجبارياً إذا أمكنها الحال. لهذا عينت مجالس محلية في قرانا ومحكمة مذهبية يعملان بموجب القانون المدني الإسرائيلي. بعد ذلك قامت سلطات الاحتلال بجهود كبيرة لإنجاح مخططها في قرانا السورية المحتلة بقبول الجنسية الإسرائيلية بديلاً عن الجنسية السورية، وفي 14 كانون الأول من عام 1981 اتخذ الكنيست أي البرلمان الإسرائيلي قراراً ضم الجولان وتطبيق القوانين الإسرائيلية على أهله وسكانه. فلاقت هذه المشاريع العدوانية من وجهة نظر مواطني الجولان والشرعية الدولية، وقرارات منظمة الأمم المتحدث وحقوق الإنسان الرفض الشديد والمعارضة العلنية مهما كان الثمن باهظاً ومؤلماً.
وعلى هذا الأساس أعلن الإضراب الشامل المفتوح يوم 14 شباط عام 1982(أي قبل 25 عاما)، واستمر ستة شهور، فشهد العالم بأسره على رفض أهل الجولان رفضاً قاطعاً لا تراجع عنه لقرار ضم الجولان لإسرائيل، واعتباره قراراً تعسفياً جائراً وعدوانياً يكشف طموحات إسرائيل التوسعية واستهزائها بمطلب السلام العادل والشامل وبالأعراف الدولية. وطوال فترة الإضراب أغلقت المتاجر والمدارس وانقطع الجميع عن الذهاب لأعمالهم وأشغالهم في القرى السورية المحتلة، وذلك تأكيداً لتمسكهم بانتمائهم لوطنهم الحبيب سورية.
وأثمر ذلك الإضراب الشامل البطولي والتاريخي الهام مزيداً من تحالف الجماهير وتماسكها وتعاضدها، والى جانب ذلك تعميق الوعي الوطني والقومي واتساع دائرته في قرانا لدى جميع الأجيال. وتم عزل العملاء ومقاطعتهم اجتماعياً ودينياً وتحريم مشاركتهم في الأفراح والأحزان. وردت سلطة الاحتلال على ذلك بإرسال الآف الجنود الذين طوقوا القرى وعزلوها عن بعضها مع إحكام الحصار العسكري حولها ومنع وصول وفود التضامن إليها من إخواننا العرب الفلسطينيين الذين جاءوا من القدس العربية والضفة الغربية وغزة ومن الجليل والكرمل والمثلث والأماكن الأخرى في إسرائيل. والى جانب ذلك تم منع الصحافيين ووسائل الإعلام من الوصول ونقل الصورة الحقيقية عن معاناة مواطني الجولان المضربين والمحاصرين. ورافق ذلك قيام الجنود الإسرائيليين بعدة محاولات لإجبار المواطنين على استلام الهويات الإسرائيلية. وتسبب ذلك بقيام مشاجرات بين الأهالي والجنود أصابت العديد من المواطنين بجروح، ورافق ذلك اعتقال العشرات من الشباب وفرض منع التجول بواسطة مكبرات الصوت. وكل ذلك لم يؤثر على معنويات الأهالي بل زادهم تصميماً على متابعة الرفض مهما كانت النتائج مؤلمة وصعبة. لهذا فشلت السلطة الإسرائيلية في تحقيق مبتغاها، ولم تتمكن من فرض إرادتها وإجبار أحد على قبول الجنسية الإسرائيلية. واستمر الإضراب إلى ما بعد قيام إسرائيل بغزو لبنان، وتوقف الإضراب بعد تراجع السلطة الإسرائيلية عن إجبار أهل الجولان على استبدال جنسيتهم العربية السورية بالجنسية الإسرائيلية، وبعد ان اكتفت بأن يحمل كل منهم بطاقة هوية لا ذكر فيها للجنسية الإسرائيلية.
هذا وبات عدد سكان قرى الجولان السورية المحتلة حوالي عشرين ألف نسمة الآن، وكان عددهم في بداية احتلال إسرائيل للجولان تسعة آلاف نسمة. وبلغ عدد المواطنين السوريين المحتلين الذين اعتقلتهم السلطة الإسرائيلية وحكمت عليهم المحاكم الإسرائيلية بالسجن عقاباً لهم على نضالهم المضاد للإحتلال الإسرائيلي بستمائة مواطن ونيف من كافة شرائح المجتمع، وعدد الشهداء الذين استشهدوا وهم ينقلون معلومات إلى الوطن الحبيب أربعة شهداء. والشهداء ضحايا الألغام والمواجهات عددهم 29 بينهم الشهيدة غالية فرحات من بقعاتا، فقد أصيبت برصاص جنود الاحتلال وهي تشارك بإحدى المظاهرات الوطنية. وفاتني أن اذكر أنه من بين الذين سجنوا بسبب النضال ضد الاحتلال السيدة آمال مصطفى محمود من مجدل شمس.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات