بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
في ذكرى الوحدة السورية المصرية
  24/02/2007
 

في ذكرى الوحدة السورية المصرية

22/شباط /1958

بقلم: أحمد علي القضماني


نحن العرب كغيرنا من الامم تواقون للتقدم والتطور في جميع المجالات، وصولا لأعلى درجات سلم الحضارة الحديثة. ورغبتنا هذه ليست مقرونة بحب السيطرة على الآخرين من الشعوب. ونزوعنا للتفوق سجية ايجابية تتغذى من خلفية تاريخية مجيدة، فعلى ارض بلادنا ولدت الديانات السماوية الثلاث وسجل امتنا العربية الحضاري، تؤكده الشواهد التي من الصعب احصاؤها ومعترف بها عالميا، وبشكل خاص من المثقفين والنخب ذات الباع الطويلة في الثقافة التاريخية. وتؤكده الآثار والاوابد التي لا زالت قائمة وموجودة في البلاد التي تواجد فيها اسلافنا اثناء الفتوحات الاسلامية التي امتدت ما بين حدود الصين شرقا وفرنسا غربا، في العهد الاموي الذي كانت عاصمته دمشق، ثم في العهد العباسي الذي كانت عاصمته بغداد، وفي العهد الفاطمي الذي كانت عاصمته القاهرة. صحيح ان المساحة التي وقعت تحت الحكم العربي تقلصت، لكنها بقيت تضم بلاد الشام واقطار المغرب العربي. ولم يقتصر الامر على اتساع البلاد التي تخفق في سمائها راية العروبة، فقد استطاع اسلافنا ان يصبحوا المنارة المضيئة الاهم حضاريا في الزمن الماضي في جميع العلوم على مختلف انواعها. واستفادت من انجازاتهم الحضارية شعوب كثيرة، منها شعوب اوروبا التي استطاعت بعدئذ ان تتقدم وتصل الى ما وصلت اليه من انجازات هامة في كافة المجالات.
وفي عصرنا الحديث اقصد اثناء القرن السابق ادرك الطلائعيون العرب، ان تسريع اليقظة العربية واحياء امجاد الماضي العربي الايجابي وتحقيق ما يصبون اليه من تقدم وتطور حضاري، يتطلب توحيد صفوف أمة العرب من جديد وتبنّي مشروع الوحدة العربية، ادراكا منهم بان قوة العرب تتحقق في اتحادهم ووحدتهم. وكانوا في البداية دعاة صادقين للوحدة العربية وخطوا من اجل ذلك عدة خطوات منها انشاء الجامعة العربية، لكي تسعى وتمهد الطريق لقيام دولة عربية اتحادية تلم شمل العرب الا ان معظم الزعماء والقادة السياسيين الذين ظهروا للوجود اثناء النضال ضد الاستعمار الاجنبي. وسرعان ما تغيرت وتبدلت اهدافهم بعد وصولهم الى السلطة والحكم وتمتعهم بمكتسباتهما. فتمسكوا بما حققوه من مكاسب لانفسهم، وبالتالي اصبح مطلب الوحدة العربية مجرد شعار يرفعونه لاستدرار ثقة الجماهير بهم فقط.
لكن الجماهير وقواها السياسية الوحدوية والتقدمية التي برزت للوجود في الخمسينيات من القرن الماضي، استمرت مصرة على تحقيق الوحدة العربية. وما ساعد على تنمية هذا الاتجاه وتطويره لدرجة عالية المستوى، ظهور حزب البعث العربي الاشتراكي، صاحب شعار الوحدة والحرية والاشتراكية، وظهور حركة القوميين العرب التقدميين، وتنظيمات سياسية اخرى وحدوية الاهداف وذات مضمون تقدمي وعلماني، تأسست في دمشق، وفي بيروت، وامتدت الى اقطار عربية عديدة. وكذلك ما عزز المد الجماهيري الوحدوي واثرى النهج العربي التحرري الذي تبناه الرئيس المرحوم جمال عبد الناصر ورفاقه في القطر المصري الشقيق. فقد اكد وابرز جمال عبد الناصر في خطاباته وتصريحاته وسياسته ان التجزئة العربية افرزت العديد من الاشكاليات الخطيرة المنهكة لأمة العرب والمضعفة لقدرتها على المقاومة والصمود، في وجه المخططات الامبريالية والصهيونية للسيطرة عليها واخضاعها. فلاقى هذا الطرح الصحيح تثمينا عاليا في سوريا، عزز لدى شعبها واحزابها الوحدوية والتقدمية آنذاك السعي من اجل توحيد القطرين الشقيقين سوريا ومصر. وتوجت المباحثات الوحدوية الرسمية التي جرت ما بين الحكومتين بقيام "الجمهورية العربية المتحدة" وانتخاب الرئيس جمال عبد الناصر رئيسا لها. وتم اعلان ذلك في 22 آذار عام 1958 وجاء في بيان اعلان الوحدة ان توحيد سورية ومصر هو خطوة اولى تمهيدية للوحدة العربية الشاملة، وان الجمهورية العربية المتحدة تستهدف توحيد جميع الاقطار العربية، وانها تترك الباب مفتوحا لانضمام اية دولة عربية تريد الانضمام على اساس الوحدة الاندماجية، او الاتحاد مع الاحتفاظ بالعديد من الخصوصيات الداخلية لأي قطر. وجاء في الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة، انها جمهورية دمقراطية ذات سيادة وشعبها جزء من الامة العربية ومدينة القاهرة هي عاصمة الدولة.
وسرعان ما تبين بعدئذ ان موافقة الجهات السياسية الرجعية في البرلمان والحكومة السورية على الاسس التي قامت عليها الوحدة لانها كانت مذعورة وقلقة من النمو الكبير حينذاك للحركة اليسارية في سوريا التي على رأسها حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الشيوعي. وجاءت موافقة نواب الجهات الرجعية في البرلمان السوري آنذاك، على قيام الوحدة لاعتقادهم بان ذلك يساعدهم على البقاء في السلطة ويرسخ اقدامهم فيها ومن تصفية الحركة الشيوعية النامية في سوريا آنذاك وتحجيم حزب البعث الذي حل نفسه واندمج بالاتحاد القومي وهو حزب يقوده الرئيس جمال عبد الناصر والشيوعيون المصريون غير مشاركين فيه، وكان مطلب حل الاحزاب في سوريا واندماجها في حزب الاتحاد القومي من شروط الرئيس عبد الناصر لاتمام قيام الوحدة بين مصر وسوريا. والحزب الشيوعي السوري لم يوافق على حل نفسه كبقية الاحزاب السورية وطالب في المباحثات الوحدوية ببقاء الاحزاب والتعددية الحزبية في الجمهورية العربية المتحدة، ولم يلق ذلك الموافقة من الرئيس عبد الناصر ورفاقه في السلطة المصرية.
وجاء ذلك مناسبا للجهات الرجعية ومطمئنا لها في سوريا لاعتقاد تلك الجهات، بان ذلك يساعدها على البقاء المستمر في السلطة ويرسخ اقدامها فيها، ويمكنها من تصفية الحركة الشيوعية النامية آنذاك في سوريا، ومن تحجيم حزب البعث الذي حل نفسه واندمج في الاتحاد القومي. وفي حينه كانت اكثرية اعضاء البرلمان السوري يمثلون الجهة "اليمينية" واليسار المتمثل في البعثيين والشيوعيين هم الاقل عددا في البرلمان والحكومة. لكنهم الاكثر بشكل حاسم في قيادة الجيش العربي السوري المتأهب آنذاك على الدوام للقيام بانقلاب عسكري، يطيح بالنظام الحاكم اذا كانت سياسته لا توافق الخط السياسي التحرري المعادي لانخراط سوريا في اية احلاف ومعاهدات لها ارتباط بالعواصم الغربية كحلف بغداد، ومشروع ايزنهاور، وما شابه من مشاريع واحلاف معادية للمعسكر الاشتراكي عامة وللاتحاد السوفييتي خاصة، الذي كان قبل انهياره وللاسف الشديد، يشكل دعامة قوية لكل دولة غير متذيلة وتابعة للدول الغربية الامبريالية.
وللحقيقة ومن اجل توسيع دائرة المعرفة لدى القارئ من الاجيال الناشئة لا بد من ذكر الآتي: طبقا لاتفاقية الدفاع المشترك التي كانت بين مصر وسوريا قبل قيام الجمهورية العربية المتحدة والموقعة في 20 تشرين الاول عام 1955، ارسلت مصر بعض وحداتها العسكرية الى شمال سوريا في اواخر عام 1957 بقصد شد ازر سوريا ضد الحشود العسكرية التركية على الحدود مع سوريا التي شكلت في موقفها التحرري سدا امام امتداد حلف بغداد، حيث كانت تركيا والعراق وباكستان آنذاك اعضاء فيه وتتزعمه بريطانيا. ففي تلك الفترة العصيبة مدت مصر يد المساعدة الى سوريا وتعاونتا ايضا في الوقوف ضد "مشروع ايزنهاور" وضد العدوان الثلاثي البريطاني، الفرنسي، الاسرائيلي على مصر في عام 1956. وفي عام 1957 تبلورت فكرة الوحدة بين مصر وسوريا وكانت المبادرة الى ذلك صادرة من سوريا. وكان مجلس وزراء سوريا والبرلمان السوري قد قررا في تموز عام 1956 الدخول مع مصر في مفاوضات لاقامة اتحاد فيدرالي بين الدولتين. وفي تشرين الثاني عام 1957 قرر مجلس النواب السوري ومجلس الامة المصري توحيد مصر وسوريا في دولة واحدة، وفي شباط 1958 اختتمت المفاوضات بين الرئيس جمال عبد الناصر ورئيس الجمهورية العربية السورية شكري القوتلي باعلان دولة وحدوية اسمها الجمهورية العربية المتحدة، وفي نفس الشهر انضمت اليمن اليها على اساس فيدرالي.
وللاسف الشديد ما ان تضررت مصلحة الجهات الاقطاعية والرأسمالية من قرارات الاصلاح الزراعي لصالح الفلاحين والاجراء العاملين بالزراعة، ومن تأميم المصانع والبنوك في الاقليم الشمالي أي "سوريا" حتى بدأوا في حياكة التآمر على الوحدة تعبيرا عن استيائهم ورفضهم لتلك القرارات العادلة التقدمية التي تصب في مصلحة الغالبية الساحقة من الشعب، وفي 28 ايلول عام 1961 نفذوا انقلاا عسكريا، قام به عدد من ضباط الجيش السوري المتحالفين مع الجهات السياسية الرجعية. واعلن قادة الانقلاب انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة وقيام الجمهورية السورية من جديد.
وقد خدم هذا الانفصال وانهيار الوحدة بين سوريا ومصر، الجهات الرجعية المعادية للاشتراكية في سوريا والدول العربية الاخرى. فجميع الذين يقدمون مصالحهم الطبقية على مصالح الشعب والامة العربية استفادوا من هذه الانتكاسة، بل الجريمة الكبرى، وصب هذا في مصلحة اسرائيل وقدم لها منافع عديدة مفيدة لها وابقى ميزان القوى يرجح لمصلحتها، وشجع على تزايد هجرة اليهود اليها بسبب شعورهم بالطمأنينة وتلاشي القلق على مستقبلها لزمن طويل.
وافرزت الاحداث على الساحة العربية المشرقية العديد من الاشكاليات بسبب جريمة الانفصال، وانهك ذلك الدول العربية المحيطة باسرائيل وسهل على اسرائيل انزال الهزيمة بهذه الدول اثناء الحرب العدوانية التي شنتها على جيرانها في شهر حزيران عام 1967. وتمكنت من احتلال سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والقسم الاكبر من منطقة الجولان السورية.
والخلاصة المستفادة من ذلك هي ان الوحدة العربية هي الوسيلة الاهم لتغيير ميزان القوة لمصلحتنا نحن العرب، ولتحقيق ما نصبو اليه من قوة في جميع المجالات، والتمكن من تحرير كافة الاراضي العربية المحتلة واحراز التقدم والنهضة المنشودة. اما حالة التجزئة الراهنة التي ورثناها عن الاستعمار وجاءت ثمرة سامة لاتفاقية "سايكس بيكو" البريطانية الفرنسية. فهي الى حد كبير تسببت في اطالة عمر ضعفنا امام الاطماع الصهيونية والامبريالية الى يومنا هذا، وحالت بيننا وبين التفرغ للتطوير والتقدم الذي ننشده ونحتاج اليه. لذلك اصبح من اوجب واجباتنا الوطنية والقومية التي تخدم احتياجاتنا الامنية والدفاعية. وتساعدنا على تحقيق ما نصبو اليه من مستقبل سعيد وغير بعيد تتحقق فيه آمالنا في الوحدة العربية، والعدالة الاجتماعية واستعادة كامل اراضينا العربية المحتلة، هو تربية الاجيال العربية الجديدة في المدارس ودور العلم بمختلف مستوياتها، تربية علمانية تضمن تنشئة جماهير عربية واعية تدين بالوحدة العربية وبالاشتراكية العلمية كعقيدة سياسية راسخة في العقول والقلوب، كرسوخ العقائد الدينية لدى المؤمنين المخلصين للدين الذي ينتسبون اليه، ويضحون بأنفسهم من اجله اذا احتاج الامر الى ذلك.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات

1.  

المرسل :  

فلسطينية

 

بتاريخ :

07/05/2009 14:28:47

 

النص :

جزاء الله كل الخير يا سيد أحمد علي هذه المعلومات المبسطةالتي بالفعل الأجيال الشابة الحالية بحاجة الي معرفتها لعل وعسي نستطيع ان نغير مستقبلنا الذي نراه حتي اللحظة كابوس مرعب نخشي ان نواجهه