بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
عيد الأم في الجولان
  21/03/2007

عيد الأم في الجولان


 بقلم :سلام جريرة


ليس سهلاً أن تكون في الجولان أو تكون في فلسطين المحتلة دون أن تشاهد صورا وتسمع حكايات وتقرأ قصصاً، وتقوم بزيارة ما إلى بيت ما يمتلئ بالكثير من الوجع والألم الإنساني ومشاهد كثيرة من الذكريات.
لا تستطيع إلا أن تكون جزءاً منه، فيصبح تعاطفك معه واجباً لوجودك في محيط المكان والزمان، محيط يفرض عليك استحالة الفصل بين هذا البيت أو ذاك وبين قضية الجولان وفلسطين الكبرى في الحرية والتحرير.
هذا العام وككل عام مضى، لقطات الحزن تنتقل من بيت إلى بيت آخر بمناسبة عيد الأم الذي اكتسب أهميته الخاصة في السنوات الماضية الأخيرة في الجولان. فقد تحول إلى عيد شعبي وشبه رسمي، تكرم فيه الأم الجولانية إنصافاً وتقديراً لدورها ومكانتها، فالأم الجولانية هي أم الأسير وأم الشهيد والأم الأسيرة، والأم الثكلى، وأم ما زالت تنتظر عودة ابنها من غربته في رحلة بحثه عن دراسته الجامعية.
قبل أيام من عيد الأم فجعت أمهات الجولان كله بوفاة احد أبنائنا الدارسين في جامعة دمشق، لم تكن فجيعة أمه وحدها ولم تكن فجيعة أمهات الطلاب الأربعمئة الدارسين في قطرنا الحبيب، وإنما كانت فجيعة إنسانية واجتماعية ألقت بظلالها على الواقع السياسي للجولان كله، وافرازاته المأساوية التي يعاني منها كل بيت جولاني في الجزء المحتل من الجولان. فمنذ أربعين عاما كانت الأم الجولانية جزءاً من حالة التمرد والعصيان والمقاومة، فاعتقلت وضربت وانتهكت حقوقها في اعتقال ابنها أو زوجها أو اعتقالها هي ذاتها في مراكز التحقيق والاعتقال الإسرائيلية. فكم من أم جولانية فقدت عزيزا وغاليا جراء انتشار الألغام الأرضية الإسرائيلية في المناطق الآهلة بالسكان، وكم من أم جولانية مضت وقتلت جراء تلك الألغام والأجسام الإسرائيلية المشبوهة المنتشرة في المراعي والبساتين ومحيط البيوت السكنية التي تركتها القوات الإسرائيلية دون أي اهتمام أو مسؤولية بحياة البشر. وكم من أم جولانية تكبدت الآلام في رحلات البحث عن الابن الأسير في المعتقلات وزيارته بعد أن تعرضت لمذلة التفتيش والاستجواب وساعات الانتظار الطويل على بوابات السجون والمعتقلات الإسرائيلية، وكم من أم جولانية تنتظر زيارة أمها هناك في الجانب الآخر من الجسد الجولاني المسيج بالأسلاك والألغام الإسرائيلية بعد أن قدمت إلى الجولان زوجة. وكم من أم جولانية ودعت ابنها في رحلة غيابه القسرية عن بلده طلبا للعمل أو العلم وكثيرات منهن استقبلن نعوش أعزائهن بعد أن ضاقت بهم سبل العيش والبقاء تحت وطأة الظروف ومشاق الحياة، هنا ما زال احتلال جاثم على القلوب والصدور وكل الآفاق المستقبلية، وهناك شوق وحنين وعوز مادي وعاطفي واجتماعي للبيت والبيئة والأهل والأصدقاء..
عيد الأم في الجولان هو محاولة لإزاحة هذا النبض من المعاناة التي تعيشها أمهات الجولان اللواتي يرغبن أسوة بالجولان كله في انتزاع الحياة من براثن الطغاة الجاثمين على الصدور منذ أربعة عقود، جسدن هذا المزيج من العطاء والتضحية والبؤس الإنساني.
عيد الأم هذا العام في الجولان يطل خجلا على أكثر من خمسمئة أم تركن ذويهن وراء الأسلاك في دمشق والسويداء والقنيطرة وجرمانا، ولبنان بعد أن قطع الاحتلال أواصرهن مع ذويهن على مدار الأربعين عاما الماضية، وأواصر لآلاف العائلات الجولانية المشتتة على خطي وقف إطلاق النار تنتظر بلهفة وحرقة وغصة قرار الحرب أو قرار السلام، بأمل اللقاء والتواصل من جديد مع أعزائهن في عمق الوطن بعد أن أغلق الاحتلال كل أمل وفرصة في لقائهن أو زيارتهن.
عيد الأم هذا العام يطل خجلا من أولئك اللواتي أضحت أيامهن متشابهة مع اعتقال عيدهن وتحويل مناسبته إلى محطة للتنكيل وتأجيج الوجع باستمرار اعتقال أعزائهن في السجون والمعتقلات الإسرائيلية منذ أكثر من اثنين وعشرين عاما.
عيد الأم هذا العام هو مناسبة لاستحضار الشهداء والشهيدات وأولئك الذين شوهت أجسادهم آلة القتل الإسرائيلية، وهو مناسبة لاستحضار معاناة أمهات الأسرى والمعتقلين على مدار الأربعين عاما وأولئك اللواتي ما زلن يدققن بوابات السجون والمعتقلات من أجل أبنائهن الأسرى، وهو مناسبة لاستحضار أولئك اللواتي تعرضن إلى الاعتقال والتحقيق والتهديد والضرب في مراكز القمع الإسرائيلية. وهو مناسبة للوقوف أمام معاناة النساء الممنوعات من السفر لزيارة ذويهن في الوطن الحبيب، ومناسبة أخرى لتقديم كل الدعم والتضامن والمواساة مع اللواتي فقدن أعزاءهن في بلاد الغربة والاغتراب.
لهن، جميعا أجمل تحية حب وإجلال في عيدهن، وأما التحية الكبرى فهي لأجمل الأمهات التي انتظرت ابنها وعاد.. عاد مستشهدا.... وتحية إلى التي تنتظر ابنها وهي غير واثقة من عودته مع حلول كل مساء....
 
سلام جريرة

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات

1.  

المرسل :  

صديق

 

بتاريخ :

23/03/2009 18:26:27

 

النص :

في البداية ... أعبر عن إعجابي الشديد بهذه الكلمات الرقيقة التي كتبتها ياسلام...فصدقا هي كلمات مليئة بالمشاعر والوطنية والإحساس والرقة فإن عبرت عن شيء فهي إنما تعبر عن داخلك اللطيف والجميل مثل خارجك ... فهذه الأنثى الجميلة من الخارج إنما هي بنفس الجمال من الداخل وتتمتع بأنوثة لاتتمتع بها أي أنثى ...على كلن أرجو أن تكون الكلمات قد أسعفتني في التعبير عن شديد إعجابي ... زهـ... ملاحظة: أنا أعرفك وأراك كثيرا ولكن ربما لم تعرفيني ... مع أنك تريني كل يوم تقريبا