بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
اتحدوا فالتجزئة تطيل عمر الاحتلال
  29/03/2007

اتحدوا فالتجزئة تطيل عمر الاحتلال

بقلم: احمد علي القضماني
نحن العرب، كغيرنا من الأمم، تواقون للتقدم والتطور في جميع المجالات وصولاً لأعلى درجات سلم الحضارة الحديثة. ورغبتنا هذه ليست مقرونة بحب السيطرة على الآخرين من الشعوب. ونزوعنا للتفوق سجية ايجابية تتغذى من خلفية تاريخية مجيدة، فعلى أرض بلادنا ولدت الديانات السماوية الثلاث، وسجل امتنا العربية الحضاري تؤكده الشواهد التي من الصعب إحصاؤها، ومعترف بها عالمياً بشكل خاص من المثقفين والنخب ذات الباع الطويل في الثقافة التاريخية. وتؤكده الإثارات والأوابد التي لا زالت قائمة وموجودة في البلاد التي تواجد فيها أسلافنا أثناء الفتوحات الإسلامية التي امتدت ما بين حدود الصين شرقاً وفرنسا غرباً، في العهد الأموي الذي كانت عاصمته دمشق، ثم في العهد العباسي الذي كانت عاصمته بغداد. وفي العهد الفاطمي الذي كانت عاصمته القاهرة. صحيح ان المساحة التي هي تحت الحكم العربي تقلصت لكنها بقيت تضم بلاد الشام ومصر والحجاز وأقطار المغرب العربي. ولم يقتصر الأمر على اتساع البلاد التي تخفق في سمائها راية العروبة، فقد استطاع أسلافنا ان يصبحوا المنارة المضيئة الأهم حضارياً في الزمن الماضي في جميع العلوم على مختلف أنواعها. واستفادت من إنجازاتهم الحضارية شعوب كثيرة منها شعوب أوروبا التي استطاعت بعدئذ أن تتقدم وتصل إلى ما وصلت إليه من إنجازات هامة في كافة المجالات.
وفي عصرنا الحديث، أقصد أثناء القرن السابق أدرك الطلائعيون العرب أن تسريع اليقظة العربية وأحياء أمجاد الماضي العربي الإيجابي وتحقيق ما يصبون إليه من تقدم وتطور حضاري يتطلب توحيد صفوف امة العرب من جديد وتبني مشروع الوحدة العربية، إدراكاً منهم بأن قوة العرب تتحقق في اتحادهم ووحدتهم. وكانوا في البداية دعاة صادقين للوحدة العربية وخطوا من أجل ذلك عدة خطوات منها إنشاء الجامعة العربية لكي تسعى وتمهد الطريق لقيام دولة عربية اتحادية تلم شمل العرب، إلا أن معظم الزعماء والقادة السياسيين الذين ظهروا للوجود أثناء النضال ضد الاستعمار الأجنبي، سرعان ما تغيرت وتبدلت أهدافهم بعد وصولهم إلى السلطة والحكم وتمتعهم بمكتسباته، فتمسكوا بما حققوه من مكاسب لأنفسهم، وبالتالي أصبح مطلب الوحدة العربية مجرد شعار يرفعونه لإستدرار ثقة الجماهير بهم فقط.
لكن الجماهير وقواها السياسية الوحدوية والتقدمية التي برزت للوجود في الخمسينيات من القرن الماضي، استمرت مصّرة على تحقيق الوحدة العربية. ومما ساعد على تنمية هذا الاتجاه وتطويره لدرجة عالية المستوى، ظهور حزب البعث العربي الاشتراكي، صاحب شعار الوحدة والحرية والاشتراكية في السابع من نيسان عام 1946، وظهور حركة القوميين العرب التقدميين في بيروت وتنظيمات سياسية أخرى وحدوية الأهداف وذات مضمون تقدمي وعلماني، تأسست في دمشق، وفي بيروت، وامتدت إلى أقطار عربية عديدة، وأيضاً مما عزز المد الجماهيري الوحدوي وأثراه النهج العربي التحرري الذي تبناه الرئيس المرحوم جمال عبد الناصر ورفاقه في القطر المصري الشقيق. فقد أكد وأبرز جمال عبد الناصر في خطاباته وتصريحاته وسياسته أن التجزئة العربية أفرزت العديد من الإشكاليات الخطيرة المنهكة لأمة العرب والمضعفة لقدرتها على المقاومة والصمود بوجه المخططات الإمبريالية والصهيونية للسيطرة عليها وإخضاعها. فلاقى هذا الطرح الصحيح تثميناً عالياً في سورية عزز لدى شعبها وأحزابها الوحدوية والتقدمية آنذاك السعي من أجل توحيد القطرين الشقيقين سورية ومصر. وتوجت المباحثات الوحدوية الرسمية التي جرت ما بين الحكومتين بقيام "الجمهورية العربية المتحدة" وانتخاب الرئيس جمال عبد الناصر رئيساً لها. وتم إعلان ذلك في 22 شباط عام 1958 وجاء في بيان إعلان الوحدة أن توحيد سورية ومصر هو خطوة أولى تمهيدية للوحدة العربية الشاملة، وان الجمهورية العربية المتحدة تستهدف توحيد جميع الأقطار العربية، وإنها تترك الباب مفتوحاً لإنضمام أية دولة عربية تريد الانضمام على أساس الوحدة الاندماجية أو الاتحاد مع الاحتفاظ بالعديد من الخصوصيات الداخلية للقطر، وجاء في الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة، أنها جمهورية ديموقراطية ذات سيادة وشعبها جزء من الأمة العربية ومدينة القاهرة هي عاصمة الدولة.
وسرعان ما تبين بعدئذ ان موافقة الجهات السياسية الرجعية في البرلمان والحكومة السورية على الأسس التي قامت عليها الوحدة كانت لأنها مذعورة وقلقة من النمو الكبير حينذاك للحركة اليسارية في سورية التي على رأسها حزب البعث العربي الاشتراكي، والحزب الشيوعي. وجاءت موافقة نواب الجهات الرجعية في البرلمان السوري آنذاك على قيام الوحدة لاعتقادهم بأن ذلك يساعدهم على البقاء في السلطة ويرسخ أقدامهم فيها وعلى تصفية الحركة الشيوعية النامية في سورية آنذاك، وتحجيم حزب البعث الذي حل نفسه واندمج بالاتحاد القومي، وهو حزب يقوده الرئيس جمال عبد الناصر، وكان الشيوعيون المصريون غير مشاركين فيه وكان مطلب حل الأحزاب في سورية واندماجها في حزب الاتحاد القومي من شروط الرئيس عبد الناصر لإتمام قيام الوحدة بين مصر وسورية. والحزب الشيوعي السوري لم يوافق على حل نفسه كبقية الأحزاب السورية وطالب في المباحثات الوحدوية ببقاء الأحزاب والتعددية الحزبية في الجمهورية العربية المتحدة ولم يلق ذلك الموافقة من الرئيس عبد الناصر ورفاقه في السلطة المصرية.
وجاء ذلك مناسباً للجهات الرجعية ومطمئناً لها في سورية لاعتقاد تلك الجهات بأن ذلك يساعدها على البقاء المستمر في السلطة، ويرسخ أقدامها فيها، ويمكنها من تصفية الحركة الشيوعية النامية آنذاك في سورية، ومن تحجيم حزب البعث الذي حل نفسه واندمج في الاتحاد القومي. هذا وفي حينه كان أكثرية أعضاء البرلمان السوري يمثلون الجهة "اليمينية"، واليسار المتمثل في البعثيين والشيوعيين هم الأقل عدداً في البرلمان والحكومة. لكنهم الأكثر بشكل حاسم في قيادة الجيش العربي السوري المتأهب آنذاك على الدوام للقيام بإنقلاب عسكري يطيح بالنظام الحاكم إذا كانت سياسته لا توافق الخط السياسي التحرري المعادي لإنخراط سورية في أية أحلاف ومعاهدات لها ارتباط بالعواصم الغربية كحلف بغداد، ومشروع ايزنهاور، وما شابه من مشاريع وأحلاف معادية للمعسكر الاشتراكي عامة وللإتحاد السوفياتي خاصة، الذي كان قبل انهياره للأسف الشديد يشكل دعامة قوية لكل دولة غير متذيلة وتابعة للدول الغربية الإمبريالية.
وللحقيقة ومن أجل توسيع دائرة المعرفة لدى القارئ من الأجيال الحديثة لا بد من ذكر الآتي: طبقاً لإتفاقية الدفاع المشترك التي كانت بين مصر وسورية قبل قيام الجمهورية العربية المتحدة في 20 تشرين أول عام 1955 أرسلت مصر بعض وحداتها العسكرية إلى شمال سورية في آواخر عام 1957 بقصد شد أزر سورية منذ الحشد العسكري التركي على الحدود مع سورية التي شكلّت في موقفها التحرري سداً أمام امتداد حلف بغداد الذي تركيا والعراق وباكستان آنذاك أعضاء فيه وتتزعمه بريطانيا. ففي تلك الفترة العصيبة مدت مصر يد المساعدة إلى سورية وتعاونتا أيضاً في الوقوف ضد مشروع ايزنهاور "وضد العدوان الثلاثي" البريطاني، الفرنسي، الإسرائيلي" على مصر في عام 1956، وفي عام 1957 تبلورت فكرة الوحدة بين مصر وسورية وكانت المبادرة إلى ذلك صادرة من سورية. وكان مجلس وزراء سورية والبرلمان السوري قد قررا في تموز عام 1956 الدخول مع مصر في مفاوضات لإقامة اتحاد فيدرالي بين الدولتين. وفي تشرين الثاني عام 1957 قرر مجلس النواب السوري ومجلس الأمة المصري توحيد مصر وسورية في دولة واحدة، وفي شباط 1958 اختتمت المفاوضات بين الرئيس جمال عبد الناصر ورئيس الجمهورية العربية السورية شكري القوتلي بإعلان دولة وحدوية أسمها الجمهورية العربية المتحدة. وفي نفس الشهر انضمت اليمن إليها على أساس فيدرالي.
وللأسف الشديد ما ان تضررت مصلحة الجهات الإقطاعية والرأسمالية من قرارات الإصلاح الزراعي لصالح الفلاحين والأجراء العاملين بالزراعة، ومن تأميم المصانع والبنوك في الإقليم الشمالي، أي "سورية"، حتى بدأوا في حياكة التآمر على الوحدة تعبيراً عن استيائهم ورفضهم لتلك القرارات العادلة التقدمية التي تصب في مصلحة الغالبية الساحقة من الشعب، وفي 28 أيلول عام 1961 نفذوا انقلاباً عسكرياً قام به عدد من ضباط الجيش السوري المتحالفين مع الجهات السياسية المرجعية. وأعلن قادة الانقلاب انفصال سورية عن الجمهورية العربية المتحدة وقيام الجمهورية السورية من جديد. فخدم الانفصال وانهيار الوحدة بين سورية ومصر، الجهات المرجعية المعادية للاشتراكية في سورية والدول العربية الأخرى. فإن جميع الذين يقدمون مصالحهم الطبقية على مصالح الشعب والأمة العربية استفادوا من هذه الانتكاسة بل الجريمة الكبرى. وأيضاً صب ذلك في مصلحة إسرائيل وقدم لها منافع عديدة مفيدة لها، وأبقى ميزان القوى يرجح لمصلحتها، وشجع على تزايد هجرة اليهود إليها بسبب شعورهم بالطمأنينة وتلاشي القلق على مستقبلها لزمن طويل.
وأفرزت الأحداث على الساحة العربية المشرقية العديد من الإشكاليات بسبب جريمة الانفصال، وأنهك ذلك الدول العربية المحيطة بإسرائيل، وسهّل على إسرائيل إنزال الهزيمة بهذه الدول أثناء الحرب العدوانية التي شنتها على جيرانها في شهر حزيران عام 1967. وتمكنت من احتلال سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والقسم الأكبر من منطقة الجولان السورية.
الخلاصة المستفادة من ذلك هي أن الوحدة العربية هي الوسيلة الأهم لتغيير ميزان القوة لمصلحتنا نحن العرب ولتحقيق ما نصبو إليه من قوة في جميع المجالات والتمكن من تحرير كافة الأراضي العربية المحتلة وإحراز التقدم والنهضة المنشودة، أما حالة التجزئة الراهنة التي ورثناها عن الاستعمار، وجاءت ثمرة سامة لإتفاقية "سايكس بيكو" البريطانية الفرنسية، فهي إلى حد كبير تسببت في إطالة عمر ضعفنا أمام الأطماع الصهيونية والإمبريالية إلى يومنا هذا، وحالت بيننا وبين التفرغ للتطوير والتقدم الذي ننشده ونحتاج إليه. لذلك أصبح من أوجب واجباتنا الوطنية والقومية التي تخدم احتياجاتنا الأمنية والدفاعية وتساعدنا على تحقيق ما نصبو إليه من مستقبل سعيد وغير بعيد تتحقق فيه آمالنا في الوحدة العربية، والعدالة الاجتماعية واستعادت كامل أراضينا العربية المحتلة، هو تربية الأجيال العربية الجديدة في المدارس ودور العلم بمختلف مستوياتها تربية علمانية تضمن تنشئة جماهير عربية واعية تدين بالوحدة العربية وبالاشتراكية العلمية كعقيدة سياسية راسخة في العقول والقلوب كرسوخ العقائد الدينية لدى المؤمنين المخلصين للدين الذي ينتسبون إليه، ويضحون بأنفسهم من أجله إذا احتاج الأمر لذلك.


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات