بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
مشاهد جولانية في جامعة دمشق
  30/03/2007

مشاهد جولانية في جامعة دمشق
موقع الجولان/ ايمن ابو جبل


في رحلة كفاح شخصية يخوضها طلبة الجولان المحتل الدارسون في جامعات الوطن من أجل بناء سيرة ذاتية تكون مفخرة للوالدين في المحتل من بلدهم، وسلاحاً في مواجهة الحياة العصرية في واقع أصبحت فيه الشهادة والمعلومة والخبرة النظرية والثقافة أساساً للارتقاء والتقدم في بحور الحضارة البشرية.

في الجولان المحتل لم تعد الشهادة حكراً على ميسوري الحال الاجتماعي والحال الاقتصادي التي تمكنهم من مواصلة دراستهم الجامعية وحياتهم المهنية، فليس غريباً أن يضم الجولان نسبة مرتفعة جداً بعدد الأكاديميين والخريجين قياساً لعدد سكانه التسعة عشر الف نسمة بعد أن حصلوا على منح دراسية في وقت سابق في دول الاتحاد السوفييتي كلفتة مباركة من قبل الحكومة السورية لدعم صمود الأهل في الجولان ضد المحتل الإسرائيلي، وحصولهم على المزيد من فرص ومنح التعليم في الجامعات السورية بمبادرة من الحكومة السورية أيضاً لكسر قرار إسرائيل في ضم الجولان إلى كيانها وتعزيز ارتباط الجولانيين العضوي بوطنهم وقوانينه وإجراءاته الإدارية والسياسية.
هي رحلة صراع شخصية يخوضها أبناء الجولان مع ذواتهم فمن جهة بعدهم القسري عن عوائلهم وأمهاتهم وأحبائهم في الجزء المحتل من الجولان ومن جهة أخرى دفء شعورهم ووجودهم في حضن وطنهم وأبناء شعبهم.
نعم هي رحلة ملأى بالأشواك أحياناً والألم أحياناً أخرى، ومن منهم لا يفضل البقاء في حضن الأهل والوطن ومقاعد الدراسة وأروقة الجامعة فخشية أن يخطف الموت الجاثم قريباً أو عزيزاً له في المحتل من الجولان.
هي رحلة مع الواقع والذكريات فالشوق والحنين إليهم لا تكفيه كل ما في المآقي من دموع ولا تكفيه كل صرخات الصدور، هنا على هذه التلة في عين التينة يلتقون كل عام، عين التينة التي احتضنت أجساد شهداء قضوا في مواجهة الاحتلال هنا عند هذا الفاصل تنتشر الألغام والأسلاك، ومصائد الموت الإسرائيلي التي تنتظر اختراق كل جسد ملتاع يتقدم في اتجاه ذويه.. بيوتهم، طفولتهم، أماكن مشاكستهم وألعابهم، أشجارهم، أزقة شوارعهم، أمهاتهم، أعزائهم.. كل ذكرياتهم هناك.. هناك على الطرف الآخر، هنا تتجسد التراجيديا التي يعيشون في ظلالها دون أن يدركوا أو يعوا مكنوناتها، ونشأتها وهنا تصبح دموعهم ملجأ لأفئدتهم المتقدة بنار الحنين والشوق والطموح، هنا يطبعون قبلاتهم من وراء الأسلاك والألغام على جبين أمهاتهم، وهنا يباركون ماضياً يحملون إرثه منذ معارك الجلاء، وملاحم البطولة في شباط، هنا يقتحم العام كل خصوصية الخاص حسياً وشعورياً، فيصبح شوق الابن إلى صدر وخبز أمه هو صرخة كل ضمير إنساني.
وحدهم هناك في الطرف الآخر جنود الاحتلال يقفون غير آبهين سوى بأصابعهم التي تضغط على الزناد.
هي رحلة طويلة من الصراع بين الإنسان وذاته، صراع يولد في الذات الإنسانية حين يخفق قلب طالب لحبيبته أو لذويه، فيبدأ الصراع الأكبر بين الذات والذات وبين العقل والعاطفة حين يتحول الحب قسراً حباً سياسياً أو أمنياً فهل يعطي قلبه حرية اختياره، اختيار آلام الفراق والبكاء حتى الصراخ بعد حين، أم البديل بوأد مشاعره وإحساسه الإنساني والابتعاد عن حبيبة لا ذنب يجمعهما سوى هذا الحب المحظور في عالم الاحتلال والحواجز والأسلاك؟!
هنا في دمشق وفي أروقة الجامعة تتلاقى نظراتهم وهمومهم، بعضهم يمشي إلى قاعة المحاضرات بتثاقل يستعيد أخبار الأهل، وتتزاحم لدى البعض الآخر تساؤلات سببت لهم أرقاً بالأمس، يخططون استيضاحها مع ذويهم بعد الدوام اليومي في مقاهي النت التي أصبحت تتقاسم هموم وأوجاع وأحلام طلبة الجولان في أحاديثهم مع ذويهم على شاشات النت حتى أصبحوا نزلاء دائمين ومرغوبين. عشرات الليرات هي لا تحصى حين تشترك في المحادثة مع ذويك، ولكنها تصبح ذات قيمة وهماً مادياً جديداً يؤرقك في نهاية السنة الدراسية حين تتضاعف نيران الشوق في صدرك إلى ذويك، فتصبح عشرات الليرات والمئات منها تسحب من مخصصك السنوي للدراسة.
وما زال الجولان الحبيب يحتضن قصصه ومشاهده اليومية في سماء الوطن الحبيب، ومازالت تحوم من سمائه أمواج حب وعشق إنساني لا يفقه فيه سوى أولئك الذين تكوي أجسادهم سياط الجلادين المحتلين..
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات